القضية الفلسطينية كانت بدرجات مختلفة في أولويات الملوك السعوديين

بروس رايدل في «ملوك ورؤساء»:

سمير ناصيف

Mar 03, 2018

أكد بروس رايدل، المسؤول السابق في «وكالة الأمن القومي» الأمريكية وفي وكالة الاستخبارات المركزية «CIA» لثلاثة عقود، والمتخصص في العلاقة الأمريكية ـ السعودية، ان القضية الفلسطينية كانت في أولويات الملوك السعوديين منذ عهد الملك عبد العزيز بن سعود وحتى الساعة ولكن بدرجات مختلفة، وأنها أثرت على علاقتهم بأمريكا تأثيراً كبيراً.
ففي كتاب له بعنوان «ملوك ورؤساء» أشارَ رايدل، للرؤساء جورج بوش الأب والأبن وبيل كلينتون وباراك أوباما والمسؤول عن الشأن السعودي في «وكالة الاستخبارات الأمريكية» (خلال تلك الفترة وبعد ذلك) ان التزام كلٍ من هؤلاء بالقضية الفلسطينية توقف على مدى حماس هذا الملك السعودي أو ذاك لهذه القضية ومدى استعداده للتضحية في سبيلها. وفي رأيه، فان الملك فيصل بن عبد العزيز كان الأكثر حماساً للقضية ولإبقاء القدس الشرقية بيد العرب والمسلمين واستعادة الفلسطينيين لأراضيهم وقدم حياته في سبيلها بعد تحديه لإرادة أمريكية دولية اتجهت في مسار معاكس ومختلف. كما قال المؤلف ان مؤسس الدولة السعودية الحالية الملك عبد العزيز بن سعود اشترط في لقائه مع الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت على متن السفينة الأمريكية «كوينسي» في البحر الأبيض المتوسط عام 1945 ان تتعهد أمريكا بحماية الحقوق الفلسطينية والعربية في مقابل استثمارها للنفط في السعودية. وعندما حاول روزفلت طرح قضية إنشاء دولة ليهود العالم في فلسطين رفضَ الملك عبد العزيز الطرح وقال له «عليهم أي اليهود) ان يبقوا في الدول التي يأتون منها» فوعدهُ روزفلت ان أمريكا لن تفعل شيئا ليهود العالم من دون التشاور مع الملك السعودي ولكن، بعد وفاته، نقضَ الرئيس التالي لأمريكا هاري ترومان الوعد واعترف بإسرائيل والهجرة إليها.
ويقول في الصفحة (185) انه لو أصرَّ روزفلت على طرحه مشروع إنشاء الدولة الصهيونية اليهودية على حساب الفلسطينيين لكان لقاؤه مع الملك سيفشل ويتوقف، علماً ان فيصل نجل الملك عبد العزيز الثاني، كان قد مهد للقاء «كوينسي» لدى زيارته أمريكا مبعوثاً من والده عام 1943 حيث بحث هناك مع المسؤولين إنشاء قاعدة في الظهران للتنقيب واستخراج النفط (ص 5).
ويؤكد رايدل الذي يحاضر في أبرز جامعات أمريكا كهارفرد وجورجتاون، ان الملك فيصل بن عبد العزيز، وبعد صعوده إلى العرش، وضع أسس الدولة السعودية الحديثة ونسق بشكل مكثف مع الرئيس الأمريكي الراحل جون كيندي، في مطلع الستينيات من القرن الماضي، في مجال الإصلاحات في النظام التعليمي وحقوق المرأة في الدراسة والتعلم في السعودية. ومن مزايا كيندي، حسب المؤلف أنه لم يفرض مشورته بل اعتمد على الاقناع، كما تجاوب مع تطلعات الملك السياسية والاجتماعية. أما خليفة كيندي، الرئيس ليندون جونسون فقد أدار الدبلوماسية الأمريكية باتجاه آخر متعاطف إلى درجة أكبر مع إسرائيل (ص 186).
وأضر قرار الملك فيصل قطع إمدادات النفط عن أمريكا في تشرين الثاني (نوفمبر) 1973 بالاقتصاد الأمريكي، حسب الكاتب، أكثر مما أضرت به الحرب الباردة مع الاتحاد السوفييتي آنذاك. وقد أصر الملك فيصل على إعادة تثبيت مُلكية القدس للعرب وتحقيق الحل العادل (بعد استيلاء إسرائيل على الأراضي الفلسطينية في حرب 1973) للفلسطينيين كشرط قبل تراجعه عن سياسة قطع النفط. ويشير رايدل إلى ان الملك فيصل كان مستاء جداً من سياسة وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر في عهدي الرئيس ريتشارد نيكسون ومن بعده جيرالد فورد، وانه لو لم يتم اغتيال الملك فيصل في عام 1075 لكان سيقطع النفط مرة أخرى في الثمانينيات، عن أمريكا. الفترة الذهبية في العلاقة السعودية ـ الأمريكية، في رأي رايدل، كانت التسعينيات من القرن الماضي، حيث نجح جورج بوش الأب في اخراج الجيش العراقي من الكويت وحماية السعودية والدول الخليجية من مصير مماثل لما تعرضت له الكويت عن طريق إرسال مئات الآلاف من الجنود الأمريكيين إلى المنطقة. ثم اتبع بوش الأب ذلك بتنظيم مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 حيث جرت مفاوضات جدّية بإشراف وزير خارجيته جيمس بيكر. كما نجح الرئيس بيل كلينتون، في رأي الكاتب، في تحقيق استمرارية للمفاوضات في مسار «مفاوضات أوسلو»، ولكن هذه المفاوضات لم تحقق النتائج المرجوة حسب المؤلف.
ويعتبر رايدل ان جورج بوش الأبن، ولدى انتخابه رئيساً بعد كلينتون، كان سلبياً إزاء إكمال مسار المفاوضات العربية ـ الإسرائيلية مما أغضب ولي العهد السعودي والحاكم الفعلي في مطلع الألفية الثانية الأمير عبد الله بن عبد العزيز الذي قرر مقاطعة بوش الأبن إلى ان تعهد هذا الأخير بالاعتراف بضرورة إنشاء دولة فلسطينية علناً، وإعلان ذلك في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة. ووافق بوش الأبن على اتخاذ هذا القرار قبل أسبوع فقط من حدوث هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 التي أضرّت بالعلاقة الأمريكية ـ السعودية وجمّدت المبادرات الإيجابية بين البلدين وصدرت خلالها اتهامات أمريكية ضد السعودية بانها مهدت لهذه الهجمات. ويشير الكاتب إلى ان هذه المبادرة من بوش الأبن تم تنفيذها لاحقا (برغم ذلك) وتمت زيارة ولي العهد لأمريكا، وتبعتها مبادرة الأمير عبد الله للسلام في مؤتمر القمة العربية في بيروت عام 2002.
أول مبادرات الرئيس الأمريكي باراك أوباما بعد انتخابه رئيسا عام 2009، حسب الكتاب، كانت محاولته التقرّب من السعودية. ورافقها تأييده لتحركات الإصلاح في العالم العربي وفي الدول العربية المحافظة والمقربة من السعودية. وهذا الأمر أزعج وأقلق الأمير عبد الله بعد ان أصبح ملكاً.
وبعد سقوط الرئيس زين العابدين بن علي في تونس والرئيس حسني مبارك في مصر، خشيت السعودية انتقال عدوى الثورات العربية إليها، فتأثرت العلاقة الأمريكية ـ السعودية سلباً نتيجة لذلك. وحسب المؤلف، كان الملك عبد الله، كشقيقه الملك فيصل ملتزماً القضية الفلسطينية، ولكن بطريقته الخاصة (ص 191 ـ 192) وبالتالي، طرح مبادرته في مؤتمر القمة في بيروت عام 2002 ودافع عنها بعد ان أصبح ملكاً. أما بالنسبة إلى الملك الحالي سلمان بن عبد العزيز، فيعتبر الكاتب أن اشقاءه من الملوك السابقين وثقوا به وسلموه أهم المناصب وأرفعها عندما كان أميراً، وخصوصاً المتعلقة بجمع الأموال والتبرعات للقضايا العربية والإسلامية الكبرى كالقضية الفلسطينية والقضايا العربية الإسلامية الأخرى. وقد فعل هذا الأمر بنجاح حسب رايدل. كما انه وفي دوره كأمير للرياض كان يشكل صلة الوصل بين كبار الأمراء ويسهل الأمور بين متخذي القرار في البلد، ولكن في رأي الكاتب من المبكر حالياً إصدار الأحكام حول ماذا ستكون مواقفه في التعامل مع قرارات الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب بالنسبة للقضية الفلسطينية. كما يتساءل عما إذا كان أبناء الأبناء للملك عبد العزيز (أي الأحفاد) سيتخذون المسارات الموازية لمواقف آبائهم وجدهم المؤسس بالنسبة إلى فلسطين، وإذا ستكون هذه القضية في طليعة التزاماتهم بالطريقة نفسها أو بطرق أخرى (ص 192). كما يتناول الكاتب زيارة الرئيس دونالد ترامب للسعودية في عام 2017 وتركيزه على قضية مواجهة إيران والتغلغل والنفوذ الإيراني في المنطقة وإذا كان من الحكمة اعتماد هذه السياسة على حساب الوضوح في التزام أولوية القضية الفلسطينية وتحقيق الحل العادل لها، كما سعى الملك عبد العزيز والملك فيصل والملك عبد الله والملوك السعوديون الآخرون (ص 193).
ويتساءل الكاتب أيضا إذا كان من الحكمة لدى القيادة الأمريكية التخلي عن مطالب الإصلاح والتعاون بين أمريكا وشعوب ودول المنطقة في هذا المجال وتجميد ذلك من أجل تحقيق غايات مادية وسياسية قصيرة الأمد أو ان من الأفضل تشجيع السعودية وغيرها من دول المنطقة التي يفيدها التطوير لتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية كما فعل الرئيس جون كيندي ونجح في مشورته وتعاونه مع الملك فيصل بن عبد العزيز.
ويعتبر المؤلف في الصفحة (198) ان ترامب لا يبدي حماسة لدفع الأنظمة الحليفة لأمريكا في المنطقة نحو الإصلاحات، كما فعل كيندي، بل يفعل العكس، ويركز على بقائها على حالها طالما تتعاون معه ومع مشاريعه في المدى القصير. ومثل هذه المواقف قد تؤدي لحدوث أزمات متجددة بين القيادات في المنطقة وشعوبها خصوصاً ان المشاكل الاقتصادية منتشرة والأجيال الطالعة تفتقد إلى الوظائف والاستقرار. كما ان الطبيعة الديموغرافية فيها تتسم بكثافة الشباب.
وبالإضافة إلى عدم وجود الاقتصاد المنتج في المنطقة عموماً فان خيار النظام السعودي الحالي الانتقال إلى الجيل الثالث في التوريث بالطريقة التي تم فيها أخيراً سيفتح المجال أمام صراعات بين الأمراء على وراثة السلطة وقد يدفع بالجيش أو الحرس الوطني لمحاولة تعزيز دورهما في القيادة (ص 202)، حسب المؤلف، وهو أمرٌ قد لا تستطيع أمريكا ونفوذها في المنطقة ان تضبطه.
كما يشير الكاتب إلى أن علاقة آل سعود بالعائلات السعودية المنتمية تاريخياً إلى الوهابية والمتشددة دينياً واجتماعياً، هي علاقة عضوية ولا يمكن لملوك وأمراء آل سعود التفريط بها. وبالتالي سيظل نفوذ قادة سياسيين ودينيين من آل الشيخ ونظرائهم موجوداً بقوة في البلد. كما سيكون من الصعب على القادة السعوديين الضبط الكليّ لتأثير الحركات الجهادية المسلحة ومحاولاتها المتكررة لتحدي النظام، كما فعلت في السنوات والعقود السابقة.
ويتناول الكاتب في ملحق قصير في نهاية الكتاب تفاصيل الاتهامات التي وجهتها بعض الجهات الأمريكية ضد النظام السعودي متهمة إياه بانه كان وراء اعتداءات أيلول (سبتمبر) 2001 في نيويورك وواشنطن. ويعرض المعلومات في هذا الشأن من دون التعليق عليها بالتفصيل.
كما يتحدث بالتفصيل عن دوري الأميرين السعوديين تركي الفيصل وبندر بن سلطان المسؤولين الأمنيين الكبيرين في شؤون المنطقة إلى جانب دوريهما الدبلوماسيين في أمريكا كسفيرين للمملكة، حيث تعامل شخصياً معهما من خلال مناصبه السياسية والأمنية. وقد أبدى في الكتاب موقفاً إيجابياً تجاههما وتجاه بعض مبادراتهما.

Bruce Riedel: «Kings and Princes»
The Brookings Institution Press, Washington 2018
251 pages.

القضية الفلسطينية كانت بدرجات مختلفة في أولويات الملوك السعوديين
بروس رايدل في «ملوك ورؤساء»:
سمير ناصيف
- -

1 COMMENT

  1. ملوك السعودية لم يحرروا أنفسهم من أمريكا حتى يفكروا في تحرير فلسطين بل آخرهم استنبط وطنا بديلا للفلسطينيين الذين هم صامدون أمام المحتل الإسرائيلي حليف ملوك السعودية في السر والعلن.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left