قراءة في المعرض السنوي لجمعية الفنانين التشكيليين العراقيين

مروان ياسين الدليمي

Mar 03, 2018

في نهاية شهر كانون الثاني/يناير الماضي اقيم المعرض السنوي لجمعية الفنانين التشكيليين العراقيين التي يترأسها الفنان قاسم سبتي، بعد ان أصبح موعد إقامته تقليدا راسخا في استراتيجية عمل الجمعية وحضورها المميز في المشهد الثقافي، بغض النظر عن الظروف العامة التي تعيشها البلاد، ويذكر ان الجمعية كانت قد تأسست عام 1956.
تفاعلت في معرض هذا العام إشارات واضحة عن طبيعة ما يشهده الفن التشكيلي العراقي من تحولات على مستوى الأساليب والأفكار في إطار ما يتم تداوله من مفاهيم في النتاج الفني بمجمل الحقول الإبداعية مثل النحت والرسم والخزف.

أهمية الحدث

من هنا يمكن النظر إلى الأهمية التي يكتسبها هذا التقليد لدى متابعي الحركة الفنية بشكل عام والنقاد بشكل خاص، بالشكل الذي يمكن من خلاله قراءة ما ستؤول إليه مستويات واتجاهات الحركة التشكيلية في العراق في الأعوام والتجارب المقبلة، بالوقت نفسه يتيح المجال لمتابعي المشهد التشكيلي قراءة التطور الحاصل في السياق العام لحركة الفنون التشكيلية بما يوفره من فرصة ذهبية للنقاد ومتذوقي الفن التشكيلي إزاء ما يتطلعون إلى مشاهدته من تجارب متنوعة ومختلفة في مكان واحد، وهذا ما يوفر لديهم الوقت والجهد في رحلة البحث والتقصي في سياق تكوين تصورات نقدية عن بنية المشهد التشكيلي وما يخبئه من ارهاصات فنية تحمل قدرا من الموضوعية.
ضم المعرض هذا العام لوحات وقطع نحتية وخزفية وصل عددها إلى أكثر من 120 عملا، وحسب ما أفاد لنا الفنان قاسم سبتي رئيس جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين «المعرض السنوي هذا العام وضعنا في موقف محرج إزاء عدد من الأسماء المعروفة التي قدمت أعمالا لا ترتقي للمستوى الفني المطلوب للمشاركة في مثل هذا المعرض مما حدا بلجان التحكيم واختيار الأعمال التي عملت بانصاف ولم تجامل أحدا إلى استبعادها». وأضاف سبتي «بالوقت نفسه أصابتنا الدهشة إزاء عدد الأعمال المقدمة من المشاركين حيث بلغت أكثر من 400 ما بين رسم ونحت وخزف، وهذا العدد لا تتسع له قاعتنا والمساحة المخصصة للعرض لذلك كان لزاما علينا وعلى لجان التحكيم ان تختار من بين تلك الأعمال ما يستحق العرض».
إذا ما أردنا ان نسجل تقييميا عاما يجمل ما انطوى عليه المستوى الفني للأعمال المشاركة فإننا بلاشك سنضع أنفسنا في زاوية حرجة، لان مثل هذا الحكم لن يكون موضوعيا خاصة وأننا أمام أعمال فنية كثيرة وتعود لمجموعة من الفنانين ينتمون إلى أجيال وأساليب مختلفة، خاصة وان المشغل الإبداعي يمنح الأفق واسعا لكي يكون لكل فنان مساره الخاص، لذلك لن يكون من الجائز الحكم بالجملة على الأعمال الفنية، فكل عمل يشكل تجربة خاصة بذاتها في سلسلة تجارب الفنان ذاته. وبشكل عام يمكن القول لم يشهد معرض هذا العام ما يشير إلى وجود تحولات كبيرة على مستوى الأساليب والخامات المستخدمة إلا في عدد محدود جدا من الأعمال وحتى هذه لم يتوفر فيها عنصر الدهشة من الناحية الجمالية، ولربما يعود ذلك إلى ان عموم الحركة التشكيلية في العالم وصلت فيها نزعة التجريب والمغامرة إلى مرحلة لم يعد فيها ما هو مثير وغريب سواء على مستوى الأساليب الفنية داخل العمل ذاته أو في طرائق العرض، لذا سيكون منطقيا ان نشهد عودة إلى أساليب واتجاهات فنية لا تتطلب من المتلقي سوى موقف جمالي ينتهي خطابه عند حدود الاستمتاع العقلي والوجداني سبق ان طرحت نفسها في مطلع القرن العشرين على سبيل المثال البنائية والسوبررياليزم. في الوقت نفسه ليس من الانصاف تجاوز ما احتواه المعرض من أعمال أطلق فيها الفنانون مخيلتهم في فضاء التجريد فأنتجوا لنا أعمالا فنية تحمل في بنائها عناصر الدهشة والغرابة انطلاقا من مساحة التجريب في الأدوات والخامات وسطوح اللوحات التي تحركوا في حدودها.

مقدمات التحديث

الحركة التشكيلية في العراق كانت قد بدأت بواكيرها الأولى في أربعينيات القرن الماضي وتمكن الرواد ومن جاء بعدهم ان يحققوا انتقالات مهمة خلال فترة الستينات باتجاه التماهي مع التجارب الحديثة في العالم وهذا ما يبدو واضحا للمتابعين خاصة في أعمال النحاتين جواد سليم وصالح القرة غولي واسماعيل فتاح الترك، وفي الرسم يتجلى ذلك في أعمال نوري الرواي وشاكر حسن آل سعيد ومحمد مهر الدين وضياء العزاوي وفيصل لعيبي وعامر العبيدي وسعدي عباس وآخرين، واستمر هذا التحديث على صعيد الرؤية والمعالجات في الأجيال التي جاءت من بعدهم. وفي الإطار العام يلاحظ ان فن النحت لم يكن نتاجه يتوازى مع ما أنتجه فن الرسم سواء من حيث عدد النحاتين أو من حيث نزعة التحديث في الأساليب، إذ بقي الرسم يتقدم عليه، إلاّ ان مطلع تسعينات القرن الماضي شهدت الحركة الفنية في العراق ظهور جيل جديد من النحاتين امتاز بالجرأة وبالخروج من الأساليب التقليدية باتجاه تقديم أعمال نحتية تغادر عالم المفردة الواقعية إلى بنية تجريدية يقف في مقدمتهم على سبيل المثال هيثم حسن واحمد البحراني.
الاتجاهات الفنية

من حيث الأسلوب يحمل المعرض السنوي هذا العام على الأقل ثلاثة اتجاهات، الأول يتعامل برؤية الفنان المعاصر كما في أعمال معظم الرسامين، حيث تتآلف لوحاتهم مع قيم التجريد البنائية التي تركز على جمال الأشكال في ذاتها وليس لانها تمثل صورة لشيء ما، ويبرز هذا الاتجاه أيضا في أعمال عدد من النحاتِين كما هو الحال عند حسام العسل بما اشار إليه عمله من ميل واضح إلى تعويم الجانب الروحي وقد تجسد ذلك في الخطوط الخارجية للكتلة النحتية، وتأكيده على العلاقة الحميمة ما بين شكل الكتلة والفضاء وهذا ما لم يركز عليه كثير من النحاتين فلطالما يركزون في أعمالهم على الكتلة بينما يهملون الفضاء.
والاتجاه الفني الآخر في الأعمال المشاركة بقي متأرجحا ما بين الأسلوب الكلاسيكي ونزعات الحداثة كما في لوحات الفنان مهند ناطق على سبيل المثال، وذلك بارتكاز نتاجه على مفردة الشناشيل التي ينفرد بها معمار البيت العراقي التقليدي.
وإذا ما أردنا ان نستمر في تحليل الاتجاهات التي سادت المعرض، فلن نبذل جهدا كبيرا في العثور على أعمال تنخرط في الاتجاه التقليدي من حيث رؤية العمل الفني وتقديمه إلى المتلقي دون ان يحمل في بنيته ما يدعو إلى التأمل، وربما استمرار هذا الأسلوب مرتبط بالجانب التسويقي، حيث ما يزال يلقى هذا النمط من الإنتاج إقبالا واسعا في سوق الأعمال الفنية مما يدفع الفنان إلى ان يبقى أسير منطقة معلومة ولا ينوي مغادرتها.
دون شك استمرار هذا المعرض السنوي يعد اضافة مهمة تحسب لصالح الحركة التشكيلية في العراق، ولابد ان يفضي إلى نتائج مثمرة سنقف من خلالها أمام فنانين واعدين وآخرين ذوي خبرة سيشاركون جميعهم في تحريك المشهد التشكيلي.
التشكيل والواقع

وبمناسبة إقامة هذا المعرض يمكن ان يُطرح سؤال يتعلق بالأثر الذي تتركه الأوضاع العامة في العراق على الفن التشكيلي، خاصة البلد يخضع لظرف أمني متشنج منذ ما يقرب الخمسة عشر عاما، ونظرة فاحصة على محتويات المعرض تمهد السبيل للإجابة على هذا السؤال، ومن السهولة بمكان الخروج باستنتاج يفيد أن الحركة التشكيلية في العراق من حيث تطور الأساليب والتجارب لم تتأثر سلبا بالأوضاع العامة، بل ان هناك نزوعا قويا لدى غالبية الفنانين من مختلف الأجيال نحو التجديد والتجريد، ولكن ما ينبغي الإشارة إليه ان الجانب التسويقي قد تأثر بشكل واضح مقارنة مع ما كان عليه الحال قبل العام 2003 حيث كان سوق الأعمال الفنية العراقية قبل هذا التاريخ رائجا والمجالات مفتوحة خاصة داخل العراق بما في ذلك تلك الفترة التي كان العراق خاضعا فيها تحت سلطة حصار دولي خلال تسعينات القرن الماضي، فالدولة آنذاك كانت ترعى الحركة التشكيلية بأشكال عدة، أما اليوم فسبب طبيعة من يتولى زمام السلطة وهيمنة النزعة الدينية على أغلب رموزها نجدهم لا يعيرون أهمية للنتاج التشكيلي انطلاقا من قناعة عقائدية في داخلهم ينظرون من خلالها إلى الفن بشكل قاصر تضعه في خانة المحرمات من الناحية الشرعية، ولهذا نجدهم لا يحرصون على تشجيع إقامة المعارض الفنية واقتناء اللوحات والقطع النحتية.
هذا المناخ الفوضوي الذي تعيشه البلاد مهد الطريق لكي تنتشر في عدد من ساحات المدن العراقية نصب وتماثيل تمثل ذائقة السلطة، وأقل ما يقال عنها أنها مخجلة في سطحيتها ورداءتها، وإلا ما معنى ان يتم الاحتفال بنصب على شكل حبة باذنجان أو أبريق شاي؟!

قراءة في المعرض السنوي لجمعية الفنانين التشكيليين العراقيين

مروان ياسين الدليمي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left