سردية الماء

وسيلة نجاة أو بحر فرات أو أجاج:

عبد الواحد لؤلؤة

Mar 03, 2018

يشكل الماء، ومنه النهر والبحر والمطر، موضوعاً رئيساً في سرديات عدد من الشعوب والأقوام، بما يشكِّل علامة في التراث الشعبي عبر القرون. وفي تراثنا العربي الإسلامي شبيه بذلك، وعلى مستويات شتى. ففي الشعر الجاهلي كثير من الإشارات إلى المطر، بوصفه نعمةً في الصحارى والبوادي، يبعث الكلأ الحيوي لرعي الماشية. والهجرات العربية منذ القدم هي بحث عن الماء بالدرجة الأولى. والحفاظ على الماء يتمثل في بناء سد مأرب في اليمن القديمة، وربما كان أكبر سدود المياه التي عرفها العالم القديم. والدعاء بالسقيا أمر معروف في التراث العربي كما نجد في الشعر: «ألا يا اسلَمي يا دارميّ على البلى/ ولا زال مُنهَلاًّ بجَرعائِك القطرُ». وفي معلقة الأعشى نقرأ وصفاً بالغ الجمال لهطول المطر: «ما روضةٌ، من رياض الحزنِ، مُعشبةُ/ خضراءُ، جادَ عليها مُسبِلٌ هطلُ» والمُسبِل هو المطر، المتكاثف في نزوله على الرياض والأرض المعشبة. ومن هذا كثير.
وفي التراث الإسلامي نجد في القرآن الكريم إشارات كثيرة إلى الماء والمطر والنهر والبحر واليمّ وما يتصل بها جميعاً من سُفن وفُلك. ونجد هذه الأسماء تتكرر أكثر من مئتي مرة في القرآن الكريم، ويتكرّر الواحد منها أكثر من مرة واحدة في السورة عينها، أو في سوَر أخرى، بالصيغة نفسها أو بصيغ أخرى تختلف قليلاً. وفي هذه الأشكال جميعاً تكون الإشارة الغالبة أن الماء أساس كل شيء حيّ، من نبات وحيوان وإنسان، ومصدر رزق وطعام. ويكون الماء في شكل البحر وسيلة سفر وانتقال كما يكون وسيلة لإغراق فرعون والظالمين، أو قد يكون وسيلة نجاة. والماء في علاقته بالفُلك التي تجري في البحر هو وسيلة نجاة نوح من الطوفان. وماء البحر الذي يرِد بصيغة أليمّ، يكون وسيلة للتخلص من بشر أو إبعاده: «فألقيناه في اليمّ». وماء البحر الفرات أو الأُجاج مصدر رزق وصيد، وهو طعام «مساكين يعملون في البحر» و»الماء الذي تشربون» هو ضرورة حياة ووسيلة إنعاش، أي «إعادة العيش». والماء كذلك هو الذي «جعلنا منه كل شيء حيّ». وترد هذه الإشارة في أربع وأربعين سورة من المئة وأربع عشرة سورة في القرآن الكريم، وفي ثلاثة وستين موضعاً. أما ذِكر النهر والأنهار فيَردُ في تسع وأربعين سورة، وفي سبعة وأربعين موضعاً. والذي يسترعي الإنتباه أن عبارة «جنّات تجري من تحتها الأنهار» ترد أربعين مرة في سياق تسع وأربعين سورة. وهذا التكرار في الورود يبين دور الماء في مثابة الصالحين والمتقين.
تعطي هذه الأرقام صورة متعدِّدة الجوانب لدور الماء في حياة البشر، حيث يسرد القرآن الكريم قصصاً كثيرة وأمثالاً ذات مغازي فيها تحذير ونذير، وفيها وعود بالثواب وتتخذ مفردات مثل البحر والفُلك صيغاً بلاغية قوامها الاستعارة، تخرج بها عن معناها الأصلي فتكسب جمالاً أسلوبياً نادراً، مثل «ولو كان البحر مِداداً لكلمات ربيّ… لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربيّ» . وفي الإشارة إلى حركات النجوم واختلاف الليل والنهار نقرأ هذه الصورة الجميلة: «كلٌّ في فلكٍ يسبَحون».
إذ ذكر الماء بهذا العدد الكبير لدليل على التوكيد على محورية الماء، ليس في حياة الصحراء العربية وحسب، حيث نزل القرآن الكريم، بل في الإشارة كذلك إلى دور الماء في إحياء الأرض بعد موتها، أي في بعث الحياة في الصحراء، وبعث الحياة في الموت هو من قدرة الله وحده.
وتسرد الآيات في مواضع كثيرة أن الماء مصدر رزق للأنسان، وفيها حثٌ على الإيمان بالله والتخلي عن الأنداد والأوثان. ومن الآيات من يخاطب العقلاء، والقوم المؤمنين، وأن الله هو الذي يسوق السحاب ليُنزِلَ من السماء ماءً ليخرج به «من الثمرات رزقاً لكم»، وهو ترغيب بالإيمان، كما هو ترهيب للكافرين. ويمتد السرد القرآني عن الماء إلى البحر والنهر واليمّ. وإذ يكون الماء مبعث حياة وخلق جديد، لا يكون البحر ولا اليمّ كذلك دائماً. ففي مواضع كثيرة يكون البحر مصدر رزق للناس: «أُحلّ لكم صيدُ البحر». إضافة إلى كون البحر مصدر رزق فهو قد يكون مصدر حليةٍ «وتستخرجوا منه حليةً تلبسونها». لكن اليمّ لا يكون مثل البحر، فقد يكون وسيلة إغراق وانتقام، كما جرى لفرعون وجنوده.
والإشارات الكثيرة إلى النهر والأنهار ترتبط بصورة بهيجة عن الجنّة والجنّات التي تجري من تحتها الأنهار. وهذه جزاء من يستغفر لذنوبه، وجزاء المؤمنين. وهو جزاء لا يقصّر عن النصارى من قِسّيسين ورهبان، لا يستكبرون «فأثابهم الله بما قالوا جنّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين (المائدة 85). ولا شك أن كثرة الإشارات إلى الأنهار والجنّات كان لها وقعٌ عظيم في نفوس عرب الصحراء، حيث الماء عزيز المنال. ويتكرر ذِكر المتّقين الذين سيفوزون بالجنّات والأنهار حيث «يُحَلَّون فيها من أساور من ذهبٍ ويلبسون ثياباً خضراً… متكئين فيها على الأرائك… (الكهف 31). وهذه صور هي النقيض من حياة الخيام والصحراء، يُجزى بها المتقون ومن عمِلَ صالحاً. ونلاحظ أن الإشارة إلى ثواب المؤمنين تأتي بصيغة الجمع للمذكر السالم، لكنها لا تهمل المؤمنين والمؤمنات، في مقابل المشركين والمشركات، والمنافقين والمنافقات.
ومما يتصل بسردية الماء في القرآن الكريم ما يرِدُ في ذكر الفُلك التي تجري في البحر بأمره. ونقرأ ذكر الفُلك خمساً وعشرين مرةً في عشرين سورة. منها الحديث عن نوح وقومه الذين كذَّبوا رسالته «فأنجيناه والذين معه في الفُلك وأغرقنا الذين كذَّبوا بآياتنا» (الأعراف، 64). ويخبرنا الكتاب أن الله «سخّر لكم الفُلك لتجري في البحر بأمره» (إبراهيم، 32)، وكذلك «ولتَبتَغوا من فضله ولعلَّكم تشكرون».
ويتصل بسردية الماء كذلك ذكر المطر، لكنه، خلاف ما أنزل الله من السماء من ماء أحيا به الأرض بعد موتها، نجده وسيلة عقاب، وذلك في نحو من عشرة مواضع. منها رواية عقاب قوم لوط الذين كذَّبوا برسالات ربِّه «وأمطرنا عليهم مطراً فانظر كيف كان عاقبة المجرمين» (الأعراف، 84) وعندما تحدّى الكفّار آيات الله «قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطِر علينا حجارة من السماء» (الأنفال، 32) وعقاب الكافرين مثل قوم نوح وعاد وثمود أنهم «أتوا على القرية التي أُمطرت مطرَ السوء» (الفرقان، 40). هذه بعض المختارات من كتاب الله تسردُ قصصاً وتروي أخباراً في إطار قوامه الماء والبحر والأنهار واليمّ، وما يتصل بها من وسائل عيش وانتقال، فيها عِبرَ للناس، وفيها بشير ونذير.
ومثلما كان الماء والمطر موضوعاً حاضراً في الشعر الجاهلي، نجده حاضراً بعد الإسلام مثلما كان حاضراً بعده على امتداد القرون. فالشعر العباسي لا يغفل عن ذكر المياه والأمطار والبحار في أحوال شتى، فردية وجماعية. فهذا أبو تمام يصف المطر بعبارات تكاد تُرى وتُلمس: مطرٌ يذوب الصحو منه وبعدهُ/صحوٌ يكاد من الغضَارةِ يُمطر. وقبله يزيد بن معاوية يصف حسناء كان متيما بها:
وأمطرت لؤلؤاً من نرجس وسَقَت/ورداً وعضَّت على العنّاب بالبَرَدِ. هذا غرام مُترف، مُثقل بالمحسّنات البلاغية، لكن المطر حاضر دائماً. ويروى عن هرون الرشيد أنه خاطب سحابة في السماء قائلاً: «أمطري حيثُ شِئت، فإن خراجك عائد إليّ». ويستمر حضور الماء والمطر في التراث الشعري العربي مما يستعصي على الإحاطة بالمعنيين به في أقطار العربية. ولكن هل من معنيّ بالشعر الحديث يقدر على تجاوز قصيدة السيّاب الهائلة «أنشودة المطر»: «كأن أقواس السحاب تشرب الغيوم/وقطرةً فقطرةً تذوب في المطر…/ وكَركَرَ الأطفال في عرائش الكروم/ ودَغدَغت صمتَ العصافير على الشَجر/ انشودة المطر… مطر… مطر… مطر…/ أتعلَمين أيّ حُزنٍ يبعث المطر/وكيف تنشُح المزاريب اذا انهمَر؟
حتى في أحزان الشعراء العرب المعاصرين، ثمّةَ خيط أمل يقول: سيهطل المطر!

سردية الماء
وسيلة نجاة أو بحر فرات أو أجاج:
عبد الواحد لؤلؤة
- -

3 تعليقات

  1. اتصالا بما ذكره الكاتب عن (سردية الماء) يمكن القول إن حضور الماء بطريقة مباشرة أو عن طريق الإستعارة أو الرمز في الشعر العربي قديمه وحديثه أكبر من أن يحاط بها ولأن الأمر بهذه الصورة، أكتفي بذكر بعض ما أستطيع استحضاره الآن: هناك قصيدة ذي الرمة البائية التي يستهلها ب: ما بال عينك منها الماء ينسكب والصورة هنا واضحة ولكنها أقل وضوحا في قول شاعر آخر : ( إن التي ناولتني فرددتها قتلت/ قتلت فهاتها لم تقتل) لأن المراد بالقتل هنا المزج بالماء والمراد مزج الخمر. وأحيانا يحضر الماء عن طريق أداة من أدواته كما في قول علي بن الجهم: ( أنت كالدلو لا عدمناك دلوا/ من كبار الدلا كثير الذنوب) وسردية الماء كما سماها الكاتب، في الشعر الأموي والعباسي وقبلهما الجاهلي، لا يمكن الإحاطة بها في هذا الحيز. وإذا انتقلنا إلى الشعر الحديث، فبالإضافة إلى السياب، هناك نزار قباني الذي كتب قصيدة شهيرة (غارقة) بالماء وهي (رسالة من تحت الماء) بالإضافة إلى قصيدة أخرى يقول في مقطع منها (عندما تمطر في بيروت، أحتاج إلى بعض الحنان، فادخلي في معطفي المبتل بالماء ادخلي) وقصيدة ( مطر.. مطر) … وهناك صورة رمزية رائعة عن الماء لشاعر سوداني ( لا أستطيع استحضار اسمه الآن) يقول فيها: ( قالت: يا محبوبي، متى أنتظر مجيئك، حدقت إلى جنح سحابة، قلت: زمان حصاد القمح القادم قالت: اترك لي آية صبر تسقيني من ظمأ الوحشة منك) وهناك شاعر مغربي هو عبد الرفيع الجواهري له قصائد بها وصف للماء عن طريق الرمز أو الإستعارة.
    هامش: الذنوب -بفتح الذال المعجمة- هي ثقوب الدلو.

  2. موضوع الماء شكل يا استاذ عبد الواحد…حيزا موضوعيا ملموسا في الفكر الفلسفي..منذ القديم …وخاصة في اشكالية الخلق…حيث نجد التيار المادي الطبيعي على سبيل المثال يحصر المكونات الاساسية للكون الممتزج…في الماء والهواء والنار والتراب…مع تمييز ضمني لدور الماء….، وكذلك في مختلف الاديان والملل….حيث كان ذكر الماء يرتبط بمسالة النعيم والانعام…وكذلك بالعقاب في احوال كثيرة منها قصة الطوفان..، واما في الشعر العربي فقد استعمل في التاكيد على ارتباط الحياة والنماء به…ونقل ذلك ايضا الى الاستعمال المجازي للاستدلال به على قيمة الحرية…ومنه قول ابي فراس الحمداني : فان مت ظمانا …فلا نزل القطر…، وغلب ايضا على شعراء العربية استعماله في مجال التشبيه الدال على رغد العيش والمعيشة…ومنه قول الشاعر الاندلسي ابن خفاجة : يا اهل اندلس لله دركم….ماء وظل وانهار واشجار…
    ماجنة الخلد الا بدياركم……ولو تخيرت هذي كنت اختار…
    مع كامل التقدير لاستاذنا المبجل عبد الواحد لؤلؤة.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left