الحراك الأردني: عسرة في النجوم ويسرة في الاحتواء

ناصر قمش

Mar 03, 2018

«الإعسار» في إنتاج النخب القادرة على تحريك الشارع الأردني احتجاجا على القرارات الاقتصادية المؤلمة الأخيرة، يعفي من شبهة المقارنة بين حراكات الربيع العربي التي طال فيها الأردن من الحب جانبا لا يستهان به وأي حراك محتمل في قابل الأيام.
حراكات الربيع العربي بنسختها الأردنية ولّت إلى غير رجعة، وتقطعت أوصالها واختفت رموزها، وانسدت شرايينها الرئيسية ودخلت في موت سريري بعد أن عجزت عن حشد الدعم لاستمرارها في ضوء الفظائع التي شهدتها دول مجاورة رجحت كفة الأمن على أي مطالب معيشية أخرى. فالعنف الذي كان محركًا أساسيا للغضب في تجارب مصر وسوريا، ليس له جذور في الربيع الأردني الذي اتسم بالاختلاف والتحضر، استعاضت فيه القوات الشرطية عن الهراوات بتوزيع المرطبات.
برغم أن رياح التغيير التي حملها الربيع العربي كانت مفاجئة، إلا أن ميكانزمات الدولة الأردنية أظهرت قدرتها على التطور والتحور والتقاط اللحظة التاريخية واستيعاب هذه المتغيرات حتى مرت العاصفة بسلام.
وإذا كنا نتحدث عن شباب دخلوا معادلة النخب من أوسع أبوابها، في قيادة الاحتجاجات الجماهيرية، إبّان الربيع العربي، ليتحكموا في إيقاع الشارع، فقد تشتّت هؤلاء في بقاع الأرض، ولم يعد لهم أي تأثير بعد تفكيك الحراكيين ترغيبا أو ترهيبا، وهم ينظرون لتجربتهم بخذلان كبير، بسبب ما آلت إليه حالهم، بعد كل هذه السنوات، حينما قطف بعضهم ثمار مغادرته خندق الحراك والمعارضة.
وفيما كانت وسائل التواصل الاجتماعي تَبْسط سطوتها على المزاج العام، فقد فهمت المؤسسة اللعبة مبكرا، وعزّزت حضورها في ذلك العالم، وتمكنت من خلق نجوم جدد، وقادة رأي قادرين على التحكم بالسواد الأعظم من المحتوى الذي يتناقله الأردنيون، وهم جاهزون لقلب المزاج العام بسرعة وتنفيسه أولا بأول.
ففي الوقت الذي كانت فيه أوساط معارضة تعيد بث مقاطع من تظاهرات حاشدة جرت قبل عدة سنوات على «واتس آب» في محاولة لإسقاطها على أحداث طازجة، لتضليل البلاد والعباد، كان مقطع فيديو لإعلامي مرموق مثل الدكتور معن قطامين يملأ الفضاء المحلي حول قضايا جريئة، تتعلق بأخبار وإشاعات حساسة طالت رأس النظام في البلد، وتشرح وتبرر القرارات الاقتصادية.
هذا إلى جانب نخبة من الفيس بوكيين الناشطين، الذين تم استيعابهم وإعادة تحشيدهم لمصلحة المرجعيات الإعلامية الرسمية، التي تحرص على تنفيس الرأي العام أولا بأول، من خلال تغذية هوس الدردشات حول أحداث الساعة، بالقضايا والقصص التي تستولي على النقاشات العامة، وهناك رواية متوفرة لسد المسامات التي قد تتسرب من شقوقها تقولات إشاعات تمتصها الهواتف الذكية يوميا.
وتزامن ذلك بالطبع مع خطة متدرجة، لضبط إيقاع الصحافة الإلكترونية، التي أسهمت في وقت سابق بتأجيج الحراكات ودعمها إعلاميا، وهذا الأمر الذي تم الانتباه إليه مبكرا، من خلال توجيه ضربات ذكية أسفرت عن احتوائها وإفقادها تأثيرها في الرأي العام.
اليوم، ليس هناك لاعب أساسي يتولى قلب الهجوم، فالجبهة الوطنية التي كان رئيس الوزراء الأسبق أحمد عبيدات يقودها، وتضم ستة أحزاب وطنية، أبرزها الإخوان المسلمون، فرط عقدها.
وعبيدات الذي دفع به الإخوان إلى واجهة تلك الحراكات، يقتصر ظهوره اليوم على تأدية واجب العزاء في دواوين البلاد، من دون أي ملمح سياسي لحركته.
وسواء شئنا أم أبينا، فقد كانت الجبهة الوطنية الأردنية خلال سنوات الحراك، لاعبا رئيسيا، حيث طرحت برنامجا وطنيا متكاملا، وابتعدت عن المطالب التكتيكية والابتزاز الذي سبغ السواد الأعظم من الحراكات المناطقية.
وقد ضمت الجبهة وقتذاك تحت مظلتها ستة أحزاب من المعارضة، على رأسها الإخوان المسلمون الذين حولوا الجبهة إلى ائتلاف وطني قربهم من التحكم بالشارع، وقيادة دفته.
وقد نجحت الجبهة في امتطاء بعض من الحراك الذي شوهته الجهوية، والبحث عن الاسترضاءات.
أما الإخوان المسلمون اليوم، فإنهم يسعون إلى شراكات مع الحكم بعد الضربات القاصمة التي تلقوها عقب إطاحة تجربتهم المصرية، وعادوا إلى ما قبل المربع الأول، فها هم يشاركون في الانتخابات النيابية وبياناتهم وتصريحاتهم أكثر رشدا، ويعقدون اجتماعات مع رجال الدولة تتعلق بالحرص على استمرار البلاد سياسيا واقتصاديا، تمهيدا لمصالحة وطنية تتجاوز فيها مشاركة الإخوان رفع العتب، وهم معنيون بالحفاظ على آخر خنادقهم، بعد أن رفض الأردن اعتبارهم جماعة إرهابية، وذلك برغم استقوائهم على النظام، عندما كان الغطاء الجوي من الفضائيات العربية مساندا وداعما لهم.
ولكن النجاح الذي حققته الدولة في تشتيت حوامات الحراكات، قابلتها إخفاقات كبيرة زادت من وتيرة الغضب الاجتماعي، بعد الانتكاسات الأمنية المتتابعة، التي أعقبت أحداث قلعة الكرك، خاصة أن الأمن كان ولا يزال يتكرر بوصفه ميزة نسبية للأردن.
وجاءت قضية الأسعار، وظهر عجز الحكومة عن الحلول، والمراهقة السياسية، باختيار وزراء لتشعر المواطنين بأنهم أمام اختبار حقيقي بين ما يطمحون له واستحقاقات المحاصصة والاسترضاءات.
وإذا كانت عبقرية الدكتور عبدالله النسور رئيس الوزراء السابق قد نجحت في امتصاص صدمات المرحلة السابقة وتمكن من ملء المشهد العام، حينما شرع صدره لكل رياح النقد، فإن خلفه الدكتور هاني الملقي لا يمتلك الكاريزما الكافية للتعامل مع الشارع، فالنسور كان يمرر حزمة وراء الأخرى من الجبايات من دون الدخول في منطقة المحظور.
التعديل الحكومي الأخير الذي أجراه الملقي على الحكومة من شأنه أن يخفف من حدة غضب بعض المناطق الجغرافية، إلا أن تصدير رجل الديوان القوي جعفر حسان إلى موقع متقدم من شأنه أن يكون محفزًا يُغري لتوقع ترسانة من الحلول، خصوصا أن القصر يطرح أوراقا نقاشية إذا تم الأخذ بمضامينها فإنها ستكون متقدمة على بعض المطالبات التي يطرحها الشارع هذه الأيام.
لا أحد ينكر النجاحات الكبيرة التي حققتها المؤسسة العميقة في إخماد الحراك، إلا أن القرارات الاقتصادية القاسية التي أدخلت فئات جديدة نادي محدثي الفقر قد تدفع إذا ما اضيفت إليها الاعتقالات السياسية بنجوم جدد إلى الساحة في مقبل الأيام، ولكن النظام المناعي للدولة ما زال قادرا على التعامل معها بكل اقتدار، ذلك أن صلابة النظام في الأردن والحرص على هيبة مؤسساته، ليست رفاها بالنسبة للأردنيين، وإنما تحد كبير لهم بعد كل ما عايشوه من ويلات الفوضى حولهم، فيما لم تعكر صفو ربيعهم قطرة دم واحدة.

الحراك الأردني: عسرة في النجوم ويسرة في الاحتواء

ناصر قمش

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left