تعديل «الأوراق المبعثرة» وزحام نخبوي يسبق «خلافة الملقي» و«التغيير» بعد أشهر

أسابيع حاسمة في عمان تبدأ مع حزيران:

Mar 03, 2018

عمان ـ «القدس العربي»: الاعتبارات التي أجبرت رئيس الوزراء الأردني الدكتور هاني الملقي على تعيين مدير مكتب الملك السابق الدكتور جعفر حسان نائبا لرئيس الوزراء ووزيرا لشؤون الاقتصاد هي نفسها الاعتبارات التي وضعت قيودا واضحة الملامح على حركة الملقي أثناء هندسة التعديل الوزاري الأخير والسادس على فريقه. وقد حصل على فرصة نادرة لم يحصل عليها قبله أي من رؤساء الحكومات، عندما أطلقت يده في إجراء سادس تعديل على وزارته ومن دون تدخل حقيقي.
الملقي تقصد فيما يبدو تفويت الفرصة، لكن الظروف التي أحاطت التعديل الوزاري السادس والأخير والأهم على الأرجح واستنادا إلى مصدر مقرب منه، بدت معقدة ومبعثرة إلى حد بعيد، لأن التوجيهات كانت تقضي بشيء واحد فقط، وهو إيجاد مكان في قيادة المطبخ الاقتصادي للحكومة للدكتور حسان الخارج للتو من إدارة المكتب الخاص للملك عبد الله الثاني شخصيا، والذي كان بحكم عمله يشرف من جانبه على نقل التوجيهات الملكية للحكومة ورئيسها في المجال الاقتصادي وتحديدا في الجزء المتعلق ببرنامج الإصلاح الذي أثار ضجة في الأردن.
على هذا الأساس تخيل الملقي أن المهمة سهلة، بمعنى أن انضمام الدكتور جعفر حسان للفريق الوزاري لن يؤدي لمشكلة، فقد سبق للرجل أن عمل وزيرا للتخطيط.
لكن الرجل وافق على الانضمام للحكومة شريطة ان يحظى برتبة نائب لرئيس الوزراء وبحجة أن هذه التراتبية في اللقب تمنحه الهامش المطلوب لإعمال خبراته الخاصة في مجال إنفاذ وتنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي وضمن الرؤية الملِكية الشاملة التي كانت الحكومة قد كلفت بها أصلا. هنا تحديدا برز التعقيد، فالدكتور حسان قد يستطيع العمل على الأجندة الاقتصادية، لكن خلفيته ومهاراته لا تؤهله بالضرورة للعمل أمام البرلمان ومع الرأي العام في مرحلة حساسة جدا.
وهنا اكتشف الملقي أن بقاء الدكتور حسان وحيدا في مضمار نيابة رئيس الوزراء بعدما تأكد من أنه مضطر لهذه التسمية لن يكون خيارا سهلا في كل الأحوال.
وقد أدخل وجوده في الحكومة وبالتسمية التي تقررت الرئيس الملقي في لعبة كلمات متقاطعة وأوراق مبعثرة سياسيا وهو يخطط لأحد أكثر التعديلات الوزارية تعقيدا.
من جهة قالها الرجل الثاني قبل التعديل في وزارة الملقي الدكتور ممدوح العابدي مبكرا عندما وضع بين يدي رئيس الحكومة استقالته المكتوبة وقبل ستة أيام أصلا من التعديل الوزاري.
تسمية أي وزير جديد كنائب لرئيس الحكومة كان يعني مباشرة انسحاب المخضرم العبادي وفورا ومن دون نقاش. وتسمية الدكتور حسان نائبا وحيدا لرئيس الوزراء لا تكفي على الإطلاق وستعني بالضرورة أن أكثر الوزراء خبرة وأهمية في الفريق وهو وزير المياه حازم الناصر سيغادر أيضا.
بمعنى آخر، مجرد تسمية الدكتور حسان في موقعه الجديد حرم الملقي وفورا من عنصرين وفي غاية الأهمية، هما الدكتور عبادي والدكتور الناصر، ولأن الرجلين ينتميان إلى محافظة البلقاء ضمن محاصصة المقاعد الوزارية، تضاعفت المشكلة وزاد عدد الوزراء الذين ينتمون لمحافظة البلقاء وسيغادرون الحكومة.
حجز العبادي وبقرار ذاتي ورقة المغادرة مبكرا. ودخل الناصر في مقايضة قوامها أنه لا يستطيع الاستمرار في حكومة يتم فيها تسمية نائب رئيس جديد من دون الأخذ في الاعتبار للأقدمية. واقترح على رئيس الوزراء أن يواصل عمله في حال تعيينه نائبا ثالثا لرئيس الوزراء. رفض الملقي الخيار فخسر في هذه الحالة الوزير التكنوقراطي الوحيد الناجح والفعال في حكومته تقريبا وسط حالة إجماع مما دفعه لاحقا لنقل وزير العمل علي الغزاوي في مكان الناصر وزيرا للمياه حتى يتمكن من تفريغ مقعد وزاري لأقلية أخرى وقد اختار حقيبة العمل لهذا الغرض.
عليه خلط انضمام الدكتور حسان كل الأوراق، فهو لم يؤد فقط لانسحاب وزيرين مخضرمين هما العبادي والناصر من الحكومة، بل قلص هوامش الانتقاء أمام الملقي في اختيار أي من الشخصيات السياسية الوازنة لمشاركته في قيادة الوزارة على أساس المشهد السياسي الداخلي.
وصلت رسائل من خمس شخصيات على الأقل تتمنى أن تعذر لرفضها الالتحاق بالحكومة، والسبب الوحيد المفهوم هنا صعوبة العمل برفقة الدكتور حسان لأنه شخصية نافذة جدا ولديه مقربون منه في مواقع القرار المهمة جدا الأخرى وبالتالي سيضطر أي وزير آخر يلعب إلى جانبه للتعامل معه على هذا الأساس.
تلك إشكالية إضافية واجهت الملقي عند التشكيل، فالدكتور حسان مرفوض من العديد من الشخصيات السياسية، لسببين؛ الأول له علاقة بشخصيته وعدم جاذبيته، والثاني له علاقة بنفوذه الكبير في الديوان الملِكي وصداقته مع الحلقات الاستشارية الأهم حول مركز القرار وهو وضع يجعل أصلا تعاطي أي سياسي أو وزير بارتياح مع حسان أمرا في غاية الصعوبة.
الوجه الآخر للإشكال نفسه يتمثل في أن الدكتور حسان يصلح لقيادة فريق اقتصادي لكنه قد لا يصلح لقيادة فريق سياسي.
برغم كل ذلك وجد الملقي شخصا واحدا يقبل اللعب معه بمعية الدكتور حسان وفي المساحة نفسها بعدما شهدت المرحلة اعتذارات بالجملة، نفاها رئيس الوزراء فعليا عندما صرح انه يتحدى وجود ولو شخص واحد اعتذر عن المشاركة في حكومته.
اللاعب الذي قبل الانضمام إلى حسان تحت قيادة الملقي هو وزير الاتصالات السابق جمال الصرايرة الذي اشترط بطبيعة الحال تسميته نائبا لرئيس الوزراء حتى يقبل الالتحاق، وهو ما حصل حيث ورد اسمه في خطاب التكليف الملكي قبل اسم حسان.
وبرغم أن كلاهما نائب لرئيس الحكومة، إلا أن مرتبة الرجل الثاني تؤول ضمنيا إلى الصرايرة بحكم الأقدمية أولا وبحكم ورود اسمه قبل حسان في نص الإرادة الملكية ثانيا وهو ما اشترطه.
في كل الأحوال يمكن لاحقا توقع ظهور منافسة مع بعض التزاحم في منطقة نائب الرئيس خصوصا وأن الملقي قد يتغيب لفترات أطول بسبب العلاج.
في بقية زوايا التعديل الوزاري، خلق تركيب الدكتور حسان تحديات لها علاقة بالمحاصصة، فقد أصبح احتواء الاحتجاج في الكرك جنوب البلاد يتطلب وزيرا للداخلية من أبناء هذه المدينة يعمل بالتنسيق مع الصرايرة على احتواء الحراك فيها، وهو ما قفز بالوزير الجديد سمير المبيضين إلى الواجهة بدلا من المخضرم المستقيل أيضا غالب الزعبي.
وأطاح الملقي وزير الأوقاف السابق وابن مدينة السلط الدكتور وائل عربيات ووضع في مكانه الدكتور عبد الناصر أبو البصل، ولتعويض مقعد قبيلة بني عباد، اختار الملقي استاذا جامعيا هو الدكتور أحمد العبادي وزيرا للشؤون القانونية، فنقصت حقيبة فورا من حصة الشمال بغياب الدكتور بشر الخصاونة.
حصل ذلك قبل أن يمتنع الملقي ولسبب غامض حتى الآن عن تسمية وزير جديد للنقل، حيث بقيت حقيبة النقل في أحضان وزير البلديات وليد المصري، فيما لم يتم تعيينه وخلافا للتوقع وزيرا جديدا للطاقة.
يبدو أن التعديل الوزاري الأخير وبالطريقة التي خرج بها هو تعبير عن مرحلة انتقالية في التفكير حيث لا يمكن توقع أن تستقر الحكومة على شكلها الحالي إلى مرحلة طويلة لاحقا قد تتجاوز شهر حزيران/يونيو المقبل، وهو إيحاء ضمني أن الفرصة في لحظة استحقاق إقليمي مقبلة قد تكون متاحة للعب مجددا بورقة التغيير الوزاري والتي تطلبت أصلا تعديلا ترقيعيا على الفريق مثل الذي حصل.

تعديل «الأوراق المبعثرة» وزحام نخبوي يسبق «خلافة الملقي» و«التغيير» بعد أشهر
أسابيع حاسمة في عمان تبدأ مع حزيران:
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left