الاحتجاج الأهلي في المحافظات مسموح والحراك «المتجول» ممنوع

رسائل الأمن الأردني للشارع:

طارق الفايد

Mar 03, 2018

عمان ـ «القدس العربي»: العلاقة في بعدها اليومي والعملي تبدو مفتوحة على كل الاحتمالات بين ما هو حراكي في الأردن وبين ما هو رسمي أو حكومي.
هذا التأطير يصلح مدخلا لتقويم المشهد الداخلي الأردني بعد ولادة ونمو خريطة الحراك الشعبي على أعتاب مرحلة ارتفعت فيها الأسعار وليس على أعتاب شعار سياسي. يقترح مراقبون كثيرون أن على السلطة في الأردن تجنب الخيار الأمني لمعالجة احتجاجات شرائح من المواطنين على الوضع المعيشي ورفع الأسعار.
ويرى ناشط مسيّس وخبير مثل الإسلامي مروان الفاعوري ان انفعال مواطن أردني في الشارع من أجل لقمة الخبز، هو نداء لمصلحة الانصاف والرغبة في الحياة أكثر من كونه مجرد احتجاج يحتمل أن يتطور إلى تنمر أو تمرد.
ويضيف الفاعوري: اقتراحي أن تدرك الحكومة هذه المعادلة، لأن الفارق اليوم كبير بين حركة شارع تطرح شعارا سياسيا متأثرة بما يجري في الجوار وحركة مواطن محوره الأساسي وفقط رغيف الخبز.
يصر الفاعوري على أن تضمن السلطة حق المواطن الأردني في الصراخ والتعبير بعد الارتفاع الكبير في كلفة معيشته من جراء إدارة سلبية لموارده وملفه الاقتصادي وليس من جراء سلوك المواطن نفسه.
ويرفض الفاعوري ومعه مسيّسون كثيرون أي لغة تصعيدية خارج إطار القانون أو ثوابت الدولة أو أي تصرف يمكن ان يخدش روح الأردنيين وانتماءهم وولاءهم من قبل أي منفعل في الشارع أو غاضب بالدرجة نفسها التي يطالبون فيها الحكومة بتحمل مسؤولياتها ووقف حالة التعامل مع ألم المواطن انطلاقا من الخيار الأمني فقط ومن دون تدقيق أو تمحيص.
السلطة كانت تتوقع بطبيعة الحال وطوال الوقت نمطا من الاحتجاجات في الشارع بعد اتخاذ قرارها التاريخي بعنوان رفع كل الدعم للخزينة عن كل السلع والخدمات باستثناء القليل واليسير جدا منها.
القرار خلط الأوراق وأصاب الأسواق بحالة توتر شديدة، ووجه ضربة كبيرة لقطاع التجارة كما يبلغ «القدس العربي» نقيبه خليل الحاج توفيق وهو ينتقد إصرار المسؤولين على تجاهل أي حوار مع أركان القطاع التجاري.
من البداية أكثرت حكومة الرئيس هاني الملقي من الشروحات قبل رفع الدعم وعندما التقت «القدس العربي» قبل أيام من إعلان القرار الخاص برفع الدعم عن الخبز وتوفير البدل النقدي، الناطق الرسمي الوزير الدكتور محمد المومني، كان الأخير يؤكد ان آلية الدعم النقدي ستخرج الفقراء وجزءا كبيرا من الطبقة الوسطى من معادلة رفع سعر الخبز، مع الإشارة إلى أن القرارات الاقتصادية اضطرارية وإجبارية ولا بد من العبور عنها لأن الحكومة تتحدث اليوم بشفافية عن لحظة الحقيقة.
لحظة الحقيقة تحدث عنها أيضا رئيس الوزراء الدكتور الملقي، عندما خرج للأردنيين على شاشة التلفزيون ومن دون سابق إنذار ليعقد مقارنته الشهيرة بين إفلاس الخزينة المحتمل وصعوبة الوضع ونقطة تحول بعنوان خطوات الإصلاح الاقتصادي الخشنة.
لم يتأثر الرأي العام أصلا بتبريرات الملقي، ولم يتوقف عندها لأن الحراك الاحتجاجي وتحت لافتة رغيف الخبز كان قد انطلق أصلا وفي بؤرتين على الأقل وبعد أكثر من ثلاثة أسابيع من هتافات يتردد صداها في الشارع وتركز في مطلبها على شعار واحد وأساسي هو إسقاط البرلمان والحكومة معا.
خلافا لكل التوقعات بدأ حراك الأسعار في ساحة صغيرة باسم العين في مدينة السلط غرب العاصمة عمان، وحيث تجمع نوعان من المواطنين، الأول عاد للتو من الاعتصام المفتوح وغير المفيد أمام مقر السفارة الأمريكية في الأردن تحت عنوان القدس والاحتجاج على وعد ترامب، والثاني ضم شريحة من الذين خسروا الانتخابات البلدية واللامركزية في مدينة السلط ويتهمون السلطة بالتدخل ضدهم في الانتخابات.
لقاء الفئتين في السلط نتج عنه تشكيل اللبنة الأولى لإدامة الاحتجاج وسرعان ما تحول الاحتجاج إلى سهرة ليلية لمعارضين وغاضبين ومواطنين بسطاء يطرحون حكاياتهم مع الفقر والأسعار.
وسرعان ما وجهت السلط نداءات إلى بقية المدن والمحافظات لمشاركتها في حفل الاعتراض فتجاوبت الكرك، لكن من دون زخم جماهيري وبدا ان الهتافات في الكرك أعلى سقفا من تلك التي في السلط وبرزت محاور المنافسة الأولى تقريبا بين نشطاء المدينتين.
بدا لافتا للنظر ومن البداية أن عمان العاصمة خارج حسابات التصعيد والاحتجاج وأن مدينة الكثافة السكانية الزرقاء مرهونة عندما يتعلق الأمر باحتجاج منظم بموقف الحركة الإسلامية فيها، كما بدا ان أعرض مدن الشمال وهي إربد غير معنية بحركة الاحتجاج على الأسعار.
بقي الحراك في السلط والكرك يتيما ويعيد تكرار العزف على الاسطوانة نفسها حيث اتهامات بالفساد لبعض الرموز ودعوات ضمن الشرعي والمألوف لإسقاط النواب والرئيس هاني الملقي.
بدا أن ذلك لا يكفي لفت الأنظار وسرعان ما ارتفع سقف النقد والهتاف ووصل إلى مناطق خطرة وغير مسموح بها وسرعان ما انتشرت ظاهرة أشرطة الفيديو التي يتحدث فيها أشخاص بسقف مرتفع ثم تلقى رواجا كبيرا وسط الجماهير.
لاحقا وبصورة أخف، انضمت بلدة ذيبان إلى الاعتصام اليومي وبقي احتجاج الأسعار في حدوده الدنيا لا يقلق الحكومة ولا يستنفر الأجهزة إلا عندما بدأ إحراق الإطارات في الشارع وبدأ نشطاء من الكرك يزورون السلط والعكس، فيحرضون على الحركة والاحتجاج وأصبحت السلطة أمام خيار التدخل والاعتراض عندما وصلت هتافات في السلط والكرك إلى منطقة غير مسبوقة وعندما بدأ بعض النشطاء يتحدثون عن لعبة العصيان المدني.
بقرار واحد وصغير أحاطت مدرعات قوات الدرك بمدينة السلط واعتقلت الأجهزة الأمنية ستة من خطباء الفيديوهات، وخلال عشرة أيام فقط وكانت تلك بمثابة رسائل أمنية مباشرة تحاول تأسيس مسافة فارقة في عقل الدولة بين التجمع البلدي والأهلي والهتاف ضد الحكومة أو التجول بين المحافظات للتحريض أو بين الحديث علنا عن فساد وفاسدين مقابل تصديق إمكانية السماح للأهالي بعصيان مدني.
خلافا لمعادلات النمو الطبيعية، ولد احتجاج الأسعار في مدينتين صغيرتين وسرعان ما توسع، لكنه عاد للاضمحلال والتقلص عندما وجهت له الرسائل الأمنية، فيما لا تزال العناصر الأساسية في تحريك الناس برسم الخمول والترقب والانتظار وليست برسم التصعيد مثل جماعة الإخوان المسلمين ومدن الكثافة السكانية الكبيرة.

الاحتجاج الأهلي في المحافظات مسموح والحراك «المتجول» ممنوع
رسائل الأمن الأردني للشارع:
طارق الفايد
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left