الأردن: حذار من جوعي؟

صبحي حديدي

Mar 03, 2018

في مطلع العام 2011، تحت وطأة شروط اقتصادية أثقلت كاهل الفئات الشعبية ذات الدخل المتوسط والمحدود، شخصت أبصار كثيرة في الأردن نحو تحوّلات «الربيع العربي» في تونس ومصر، فخرجت تظاهرات احتجاج عفوية في البدء، مختلطة الشعارات، سرعان ما تركزت حول مشاقّ العيش اليومي وغائلة الأسعار والبطالة. وفي إحدى التظاهرات توفرت تلك الصورة المعيارية، المحمّلة بالرمز والدلالة والطارئ الجديد معاً: طفل مرفوع على كتفَيْ والده، يحمل لافتة تقول: «حذار حذار من جوعي ومن غضبي».
كانت اللافتة تقتبس من قصيدة محمود درويش الشهيرة «بطاقة هوية»، والتي تقول خاتمتها: «سجّلْ برأس الصفحة الأولى/ أنا لا أكره الناسَ/ ولا أسطو على أحد/ ولكني إذا ما جعت/ آكل لحم مغتصبي/ حذار حذار من جوعي/ ومن غضبي»؛ مع فارق جوهري: أنّ درويش كان يخاطب الاحتلال الإسرائيلي، ولافتة الطفل تخاطب وزارة سمير الرفاعي! صحيح أنّ الحكومة انقلبت إلى كبش فداء، بعد أيام معدودات، إلا أنّ نبرة التشدد التي عكستها اللافتة استؤنفت بوتيرة أعلى، حين تسرّب إلى احتجاجات الشارع الشعبي شعار يقتدي بروحية تونس ومصر فيدعو إلى إسقاط النظام الملكي ذاته، أو ـ في مستوى مخفف، يفضي مع ذلك إلى مآل أقصى أيضاً ـ إقامة ملكية دستورية على الطريقة الغربية، تتيح للملك أن يسود دون أن يحكم.
السياقات تلك انطوت في العمق، كما يتوجب القول، أو تبدلت على نحو لم يعد يُدرج مطالب التغيير الدستوري الجذري؛ خاصة بعد أن استلهم العاهل الأردني تجربة المغرب، فتعهد في إطلالة متلفزة بإجراء سلسلة إصلاحات دستورية، بدا بعضها نقلة نوعية كبرى عن دستور 1952، وإجراءات الملك حسين السياسة الحاسمة في سنة 1989. كذلك شكّل الملك عبد الله الثاني لجنة حوار وطني من 52 شخصية، قدمت اقتراحات كبرى مثل إنشاء محكمة دستورية وهيئة مستقلة للانتخابات؛ ولجنة أخرى ملكية كُلّفت بمراجعة الدستور، اقترحت تعديل 42 مادة دستورية. لكنّ النار بقيت متقدة تحت الرماد، خاصة وأنّ العام 2011 شهد قرابة أربعة آلاف حركة احتجاج، بين تظاهرة واعتصام، لم يخلُ بعضها من أعمال عنف وتخريب.
وبذلك فإنّ إيقاع الاحتجاجات استقرّ تحت مسمّى «الحراك الشعبي»، واندرج في الجوهر تحت مطالب اجتماعية ـ اقتصادية تخصّ الغلاء والبطالة وسياسة الضرائب، واتخذ صفة الديمومة؛ فلا يكاد ينقطع سنة حتى يُستعاد سنة أخرى، بصرف النظر عن تركيب الحكومة وشخصية رئيس الوزراء، فاستوى في ذلك سمير الرفاعي ومعروف البخيت وعون الخصاونة وفايز الطراونة وعبد الله النسور وهاني الملقي… تراجع البُعد السياسي نسبياً، ولم يعد مطروحاً على جدول محرضات الحراك ذلك السجال حول الخيار بين «ملكية دستورية» وإصلاح دستوري»؛ حتى إذا بقيت السياسة، في معناها الأوسع والأعمق، محرّكاً ابتدائياً قابلاً لإشعال أولى شرارات الخروج إلى الشارع (الدليل على هذا أنّ حراك مدينة السلط، مؤخراً، انطلق من اعتصام تضامني مع القدس).
حذار من جوع المواطن الأردنيّ، إذن، خاصة في ضوء قرائن دامغة تفرزها الانعطافة الكبرى التي انتهجتها حكومة الملقي بصدد الأسعار والضرائب ورفع الدعم؛ إذْ ليس بالأمر العابر أن يرتفع التضخم بنسبة 3٪، والخبز بنسب يصل بعضها إلى 100٪، في غمرة انفجار معظم الأسعار: النقل العام 10٪، التبغ 21.3، السكن 2.9، الوقود والإنارة 4.7، الصحة 6.4٪؛ وأن تُخضع الحكومة قرابة 164 سلعة لضريبة المبيعات بنسبة 10٪، وسلعا أخرى كانت معفاة لضريبة بنسبة 5.4٪.
صحيح أنّ صندوق النقد الدولي يرفع سيفه المسلط المعتاد، تحت ذريعة الإصلاح الهيكلي، وخيارات الحكومة الأردنية أضيق من خرم إبرة، كما يتوجب الإقرار؛ إلا أنّ اشتراطات الصندوق لم تكن في أيّ يوم وصفة استقرار، بل كانت نقيض ذلك تماماً، وهذا ما يتوجب أن تدركه السلطة الأردنية وتتبصّر في عواقبه جيداً، قبل أن تتحرّك أية دبابة لقمع تظاهرة أو اعتصام.

الأردن: حذار من جوعي؟

صبحي حديدي

- -

7 تعليقات

  1. لا يتحرك اي شخص في الدول العربية الا اد كان المحرك من الخارج او يشتغل أسطوانة يا دولار مالنا غيرك يا دولار يعني ترصد ميزانية137$ مليارد كم رصد لسوريا

  2. صندوق هلاك الدول تصح التسمية في صندوق النقد الدولي الذي تتخذ منه الحكومات ملاذا شأنه شأن باناما أو جنان الأموال الفاسدة.
    أما الصندوق فهو مصدر الأموال بتعلة القروض حيث يُعتبر جنة للمسؤلين وأما الجنان الأُخرى فهي الموضع لجزء هام من تلك الأموال حسب ما يقع حتفرته من تلك القروض من قبل من يدعون أنهم يتقلدون المسؤولية في تلك الحكومات الفاقدة لإستنباط ما ينمي الإقتصاد ذلك لأن بطونهم تمتلئ من جيب المواطن ومن يرثون بعده ، المواطن، ديون البنك الدولي مَفسَدَة المال العالمي .

  3. السياسات اللاشعبية لهاته الانظمة هي التي خلقت هده الاجواء المشحونة في جغرافيتنا العربية المكلومة فحقا لا ادري كيف تسمح هاته الانظمة الفاسدة لنفسها التمتع برغد العيش مستغلة خيرات البلاد للسرقة والنهب وتهريب الاموال للخارج وبناء القصور الارضية منها والطاهرة وشراء اليخوت وغيرها من ملدات الحياة ونعيمها في الوقت الدي تنشر الفاقة والحرمان بين صفوف الشعوب وتدعي زورا وبهتانا بان هناك ازمة اقتصادية تعصف بالبلاد يجب مواجهتها بشد البطون وهي بدلك طبعا تشير الى الطبقات الكادحة فادا كان صندوق النقد الدولي هو العدو لتطلعات الشعوب في الرخاء فان الاعدى هو الفساد الدي ينخر بلداننا المعروفة بغنائها الفاحش فهل كانت المنطقة العربية ستعرف هدا الخلل الخطير لو كانت هناك انظمة حكيمة ورشيدة ووطنية وصارمة تؤمن بالعدالة والمساواة وسمو القانون؟ متى تعي هده الانظمة ان الاصلاح لا يتم عبر الحقن المسكنة وانما عبر العمل الجاد واعطاء الحقوق للناس؟ متى تعلم هده الانظمة ان الاوطان وخيراتها ملك للجميع وليس للقلة الحاكمة؟ متى تعي هده الانظمة ان العدل هو اساس الملك وانه السبيل الوحيد لضمان السلم والامن والامان؟

  4. *من أهم مشاكلنا ف الاردن;-
    الثلاثي المرعب(الفساد/ البطالة/ الغلاء).
    *وبدل من تعيين (الرجل المناسب )
    ف المكان المناسب علية القوم تبحث عن
    (المحاصصة) لإسكات الناس وتضليلهم؟؟!!
    حمى الله الأردن من الأشرار والفاسدين.
    سلام

  5. لا يمكن للأردن أن يستفيد أي تجربة من المغرب في مجال الديمقراطية أو مسميات “الإصلاح الدستوري” أو ما شابه، فالمغرب ليس دولة يقتدى بها في مجال حقوق الإنسان أو التنمية الإقتصادية أو الإجتماعية، وليس المغرب دولة غربية مثل اسبانيا القريبة منا جغرافيا، ولا نريد وحشا معاد الله أن نقارنها بالمملكة المتحدة، لا زالت التقارير الدولية تدين المغرب في مجال انتهاك حقوق الإنسان، ولا زالت الاحتجاجات الشعبية في المغرب متواصلة منذ بداية الربيع العربي 2011، ولا زالت مدينة الحسيمة تدك بالاعتقالات والسجون، ومدينة جرادة تشهد احتجاجات متواصلة، وما زال تهريب الأموال قائما في المغرب من دون رقابة، وقد تحدثت الخارجية الأمريكية عن تهريب ما يزيد عن 42 مليار دولار خارج المغرب إلى ملاذات أمنة في باناما أو سويسرا…كما شهدت مدينة الصويرة مأساة إنسانية عميقة اثر تزاحم على معونات غذائية لا تتجاوز قيمتها 15 يورو، راح ضحيتها أزيد من 15 إمرأة وسقطت أزيد من 70 امرأة بين كسور وجروح متفاوتة….المغرب ليس نموذجا للأردن…
    لا زال أمام المغرب بنفسه العديد من الأوراش الكبرى، خاصة في مجال محاربة الفساد والمفسدين، وتثبيت وسيادة واحترام القانون، لا زال المغرب والمغاربة يلعقون جراحهم من السجون السرية الرهيبة في تزمامارت وقلعة مكونة ودرب مولاي الشريف….والاختفاء القسري في سنوات الرصاص…ليس للأردن الشريف ما يستفيده من المغرب…باستثناء الضحك على الذقون …
    نحن لا نعلم نوايا الحكام، الله وحده يعلم ذلك، لكن المغاربة ينتظرون إصلاحات ملموسة في العيش الكريم، وخطوات شجاعة في إعادة توزيع الثروة، وإصلاح التعليم، تصور معي أخي الكريم، ليست هناك جامعة مغربية واحدة معترف بها دوليا، الجامعات المغربية عبارة عن وعاء فارغ لتفريخ العاطلين و “الضباع″ …ننتظر وننتظر ….
    وحتى لا يتحول الموضوع إلى المغرب، فالحمد لله، البلد شهدت تحسنا طفيفا، وهاأنذا أكتب من المغرب، وليس من يساءلني أو يعتقلني، لكن طموح المغاربة أكبر من هذا بكثير، لأنك إن تحدثت عن الجوع، فسوف نقول لك بصوت عال، ما قاله محمود درويش “حذاري حذاري من جوعي ومن غضبي”.

  6. الافضل للاردن ان يبحث عن الاستقرار السياسي و الاقتصادي في داخله..الاردن غني بموارده البشرية و يمكن ان يحقق تقدما ذاتيا اكبر بكثير مما هو فيه لو تحققت الارادة. و الطريق واضح في اقرار مبادئ الحرية و الديموقراطية و العدل و تحسين التعليم و الاهتمام بالزراعة العلمية و التكنولوجية. فان هذا سيزيد من انتماء المواطنين و ابداعاتهم و انتاجهم و يقلل كثيرا من الاعتماد على القوة العسكرية و الامنية لضمان الاستقرار..فالاردن يصرف اكثر من نصف ميزانيه على الجيش و الامن.
    و للحقيقة فان الاوراق الملكية تحمل الكثير من الفكر المستنير و لكنها لا تجد الاستجابة و الارادة الفاعلة الكافية

  7. الحراكات كانت دوماً لِلجم تغوّل الحكومات على قوت الشعب ولكن لا آذان مصغية ولا قلوبَ رؤوفة فكان لا بد من تدخّلٍ من أعلى المستويات لإصلاح الإعوجاج ,لا تقولوا نسور ولا ملقي – مع الإحترام- هؤلاء موظفون مثلي.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left