في ممالك الصمت: السجن لمن يتكلم

د. سعيد الشهابي

Mar 05, 2018

ليس الغرب وحده هو الذي يتعاطى بعقلية «ما بعد الحداثة»، فيسحق ثوابته الايديولوجية والسياسية، ويفتح الباب للتشكيك في كل شيء. بل ان عالم المسلمين اليوم اصبح حافلا بهذه الثقافة. هذه المرة يتم الانقضاض على الثوابت العقيدية والاخلاقية ليس من جانب المفكرين ذوي الاتجاهات الليبرالية فحسب، بل من انظمة الحكم التي تهدف من ذلك لتبرير أصناف القمع التي تمارسها بحق معارضيها.
الانقلاب على محاولات التغيير السياسي في العالم العربي لم يعد محصورا بالوسائل التقليدية التي وجدت منذ القرن الاول الهجري، كالسجن والتعزير والتعذيب والقتل، بل اضيفت لها وسائل اخرى اهمها الانقلاب السلطوي على المفاهيم الاساسية والمبادئ والقيم. وبهذا اصبحت ساحات المواجهة بين الشعوب وانظمة الحكم مفتوحة على مصاريعها، ولم يعد هناك ما يعتبر «مقدسا» يحرم الاعتداء عليه، ولا ما هو مرتبط بهوية الامة او دينها او ثقافتها. فكل شيء يجب ان يخضع لايديولوجية الحكم. يتساوى في ذلك الحكام المحسوبون على الحركات الإسلامية التاريخية، والملوك التقليديون المتحالفون منذ عقود مع الغرب. فلم تعد هناك قداسة على الصعيد العملي لقضية فلسطين مثلا، او المسجد الاقصى، او وحدة الامة، او الحرية او حقوق الناس، بل اصبح الموقف ازاء هذه «الثوابت» متأرجحا يخضع للمصلحة الوقتية للحكام الجاثمين على صدور العرب والمسلمين. كما لم يعد العلماء الاتقياء المستقلون يحظون بالاحترام والتقدير بل اصبحوا يرزحون في السجون ويمنعون حتى من اداء واجبهم في التواصل مع الجماهير وممارسة الفتيا والتوجيه الديني. بل ان المرأة نفسها التي بقيت محتشمة ومحترمة في التراث العربي، اصبحت مستهدفة من النظام السياسي الذي يمارس ثقافة مستوردة من الغرب وفق مقولة «ما بعد الحداثة». فالمرأة تعتقل، وتعذب، وينتهك عرضها في السجن، وتحرم من حقها في رعاية اطفالها، ثم تستغل للدعاية السياسية من قبل الحاكم. وهذا ما يحدث لاكثر من عشر نساء في سجون البحرين واكثر من اربعين في سجون مصر.
وتتوسع دائرة الانقلاب على الثوابت والقيم في حقبة «ما بعد الحداثة» لتصل إلى المفاهيم السياسية المعاصرة، ومنها الإرهاب والجريمة وحتى المصطلحات التي توحي بالتطور السياسي كالديمقراطية وحقوق الانسان والانتخابات وسواها. فمصطلح الإرهاب لم يعد محصورا بالعنف الذي يستهدف الابرياء بدون حق ويحصد ارواح من لا ذنب لهم من الاطفال والنساء والشيوخ، بل استطاع المال النفطي ان يحول معناه ليشمل من ينتقد الحاكم او نظام الحكم، ومن يطالب بالاصلاح او يشكك في شرعية الحاكم. والاخطر من ذلك ان هذا الجيل من الحكام تمادى في «التذاكي» على الشعوب، واحتضن بعض الغربيين ذلك التذاكي باعصاب باردة. هذه الانظمة اصبحت تستخدم مصطلح «الديمقراطية» وتزعم ان انظمتها تمارسها، واصبح لديها «برلمان» و«انتخابات». هذه المصطلحات دخلت حيز الممارسة بعد افراغها من محتواها مع الإبقاء على اشكالها. فالبرلمانات تحولت إلى ادوات يستخدمها الحاكم لضرب معارضيه من جهة وإقرار ما يصدره من احكام وقرارات. ففي مصر هناك «انتخابات» رئاسية وبرلمانية ولكنها محصورة بالشكل ومفرغة من المحتوى. وقد اعتقل عبد الفتاح السيسي كل من رشح نفسه للانتخابات الرئاسية منافسا له وآخرهم الدكتور عبد المنعم ابو الفتوح. ولدى البحرين ايضا «برلمان» و«انتخابات» على الشاكلة نفسها. ولدى هذه الانظمة مؤسسات حقوق الانسان وهيئات وطنية لذلك الغرض ومكاتب للتظلم، ولكن بدون استقلال او صلاحيات. وهكذا استخدمت المصطلحات التي تتضمن معاني التطور والاصلاح السياسي ولكن بدون ان يكون لها محتوى حقيقي. وتحولت حقوق الانسان إلى ديكور للحكم المؤسس على الاستبداد والظلم ومصادرة حق البشر في الحياة والكرامة.
ولا تنحصر اساليب استهداف المناوئين باستخدام تصريحاتهم دليلا ضدهم بالمنطقة العربية والإسلامية. بل انها تتوسع لتصل حتى العالم الغربي. وفي الاسبوع الماضي قرر حزب العمال تجميد عضوية السيد كين ليفينغستون، عمدة لندن الاسبق، بدعوى «معاداة السامية». ففي الشهر الماضي قال السيد ليفنغستون، الداعم للقضايا العربية، ان هتلر تعاون مع الحركة الصهيونية لنقل اليهود إلى فلسطين. فاعتبر ذلك «معاداة للسامية» واصدر حزب العمال قرارا بتعليق عضويته إلى اجل غير مسمى. هنا يصبح التعبير عن الرأي حتى في «العالم الحر» مخالفا للقانون، يقتضي اجراء كالذي حدث. يحدث هذا في عالم يفترض ان يحترم حرية الرأي ولا يعاقب الاشخاص على رأيهم، خصوصا إذا كان ذلك رأيا شخصيا حول قضايا تاريخية ليس لها انعكاس مباشر على الواقع اليوم. وما اكثر ملاحقات الخطباء في مساجد المسلمين وتحليل خطبهم للتعرض لتلك المؤسسات بالتوقيف او الغلق. وتعاني المؤسسات الخيرية الإسلامية متابعة دقيقة لما يطرح في منابرها. وهذا امر مطلوب إذا كان يتعلق بالامن القومي او يؤدي إلى اعمال عنف ضد فئة مجتمعية دون غيرها، او يؤدي للكراهية بين ابناء الوطن الواحد. ولكن حين تصادر حرية الشخص في التعبير، فان ذلك امر سلبي لا يمكن ان يساهم في حماية الامن والسلام الدوليين. فالحرية قيمة مقدسة، يجب ان تحترم ويسمح للافراد بالاستمتاع بها ضمن تلك الشروط. اما حين يصادر حق الانسان في التعبير عن رأيه تحت اي مسمى، فمن الطبيعي ان يؤدي ذلك لاحتقانات داخلية عديدة. ولا بد من وضع ضوابط للخطاب العام، بان لا يكون مثيرا للفتنة او مؤججا للاضطراب، او مستهدفا للاشخاص او من شأنه ان يقوض أسس التعايش المجتمعي. وما سوى ذلك فمن الضرورة بمكان ان تكون الحرية الشخصية مصونة، وان توفر لها ضمانات التمتع بالحرية ونقاء الموقف.
اما «التطور» الأخير في منظومة الحكم العربية التي قامت على انقاض ثورات الربيع العربي، فتتمثل باعادة تدوير المصطلحات وتشويه معانيها، لتتحول إلى اداة يستخدمها الحكام لتصفية الحسابات مع معارضيهم. هنا ترتبط المسألة بالحريات العامة التي تعتبر معيار التطور او التأخر. ومن اهم اساليب استهداف المعارضين اتهامهم بـ «الجريمة». وقد اعيد تعريف مفهوم الجريمة ومصاديقها باساليب تثير الغضب والشعور بان الامور تداعت إلى مستويات هابطة خارجة عن التصور. وفي الاسبوع الماضي اعتبر الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، ان من «يسيء» للجيش والشرطة بالنقد فانه يرتكب جريمة تصل إلى حد «الخيانة العظمى»، وهذا يعني تعريضه للسجن او حتى الاعدام. ويقول قانونيون إن تهمة الخيانة العظمى توجه للموظف العام أو المكلف بخدمة عامة إذا تخابر مع دولة أجنبية وقت الحرب. وتصل عقوبة هذه التهمة إلى الإعدام. بل ان «التخابر» هنا يساء استخدامه للنيل من المعارضين. وقد استخدم نظام الحكم في البحرين هذه المقولة (بعد تحريف معناها ومدلولها) لتوجيه تهمة للامين العام لجمعية الوفاق بسبب مشاركته في بداية الازمة الحالية في العام 2011 في مبادرة قطرية تمت بعلم حكومة البحرين لايجاد حل لتلك الازمة. هنا النظام يستخدم مصطلح «التخابر» بمعنى «التجسس» و«التعاون الامني» و«افشاء اسرار الدولة» للانتقام من معارضيه خارج الاطر التي يحدث فيها التواصل من اجل الخير والمصلحة. وهذا الامر نفسه يحاكم به الرئيس المصري المنتخب السابق، الدكتور محمد مرسي» الذي يتهمه حكم العسكر بـ «التخابر» مع منظمة حماس ودولة قطر، وكل هذه التهم محاولات سخيفة للنيل من المعارضين، فهي تزوير وتضليل وانتقام لا يمكن ان يؤدي إلى احلال الامن او الاستقرار في هذه المنطقة. ان استغلال السلطة للفتك الوحشي بالمعارضين جريمة مركبة، فهي افتراء على الحقيقة، واستخدام ذلك التزوير لإيذاء الاشخاص والجهات التي تحركت بدوافع الخير.
في عالم القرن الحادي والعشرين ما تزال البشرية تبحث عن واحد من ابسط الحقوق: الحرية، خصوصا في مجال التعبير عن الرأي والموقف. وبرغم ما يقال عن التطور في مجال الحقوق العامة، ما يزال هذا التطور اقرب إلى السراب منه إلى الحقيقة. ولذلك سيستمر الصراع قائما بين الحرية والاستبداد، بين الخير والشر، بين قوى العدل والخير والتسامح والسلام، وتلك التي تهدف للشر وتريق الدماء وتصادر الحريات وتسلب حقوق البشر.

٭ كاتب بحريني

في ممالك الصمت: السجن لمن يتكلم

د. سعيد الشهابي

- -

2 تعليقات

  1. صدقتم يا استادنا الكريم بوصفكم لهده الممالك بانها ممالك الصمت فلا حركة ولا سكون في هده الصحراء القاحلة وكل من تجرا وانحرف عن هده القاعدة فلا يلومن الا نفسه ففي ممالك الصمت فالصمت عندها حكمة بليغة وبفضلها تكون رعية صالحة ومقبولة.

  2. الغريب ان ثروات البترول المتواجدة في جزيرة العرب هي المسؤولة عن تثبيت الاستبداد والقمع والتخلف بدل ان تكون في خدمة الشعوب وتطور الانظمة نحو الديمقراطية، وهي التي مولت الانقلاب العسكري في مصر وافشال التحول الديمقراطي في البحرين واذكاء الحرب الاهلية في ليبيا وتدمير اليمن وتحويل الثورة الشعبية الى حروب كارثية في سوريا وايقاف التحول الديمقراطي في المغرب والاردن وعرقلته في تونس ليث هاته الآبار البترولية تجف.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left