إضرابات الجزائر… حرائق ما قبل «الخامسة»

توفيق رباحي

Mar 06, 2018

خلال الاحتجاجات المهنية الكثيرة التي شنتها نقابات عديدة في الجزائر مؤخرا، تصرفت الحكومة مثلما كانت تفعل طيلة العقود الماضية: اعتماد خليط من التهديد والوعيد والتخويف، ثم الرهان على عامل الوقت وفُرص الملل بين المضربين، كل ذلك ممزوج مع محاولة زرع الفتنة والشقاق بين قياديهم.
عقود من الزمن وتراكمٌ كبير لتجارب متنوعة وهائلة لم تُعلّم الحكومة الجزائرية والقائمين على شؤون البلاد شيئا، بغض النظر عن مشروعية الاضرابات ووجاهة المطالب التي تطلبها النقابات المضربة، من عدمها.
منذ بداية السنة الجارية، وحتى قبل ذلك، شهدت الجزائر إضرابات كثيرة بعضها خطير، مثل الذي شنته نقابات التعليم ونقابات الأطباء. (هذان القطاعان بالذات يعيشان وضعا من السوء لا يحسدان عليه، ولا تُحسد الجزائر عليه). كما شهدت الفترة ذاتها احتجاجات قوية لمتقاعدي الجيش، وهي سابقة لم يعرف الجزائريون مثلها عندما كانت الجزائر تتوفر على مواصفات الدولة.
في منتصف الثمانينيات، وفي ذروة إضراب نادر للمعلمين، نزل على غرفة أخبار التلفزيون الحكومي نص مكتوب قرأته مذيعة الأخبار زهية بن عروس، يصف المضربين بالحشرات. في شباط (فبراير)، في خطاب علني، وصف رئيس الحكومة أحمد أويحيى المضربين من معلمين وأطباء بالمافيا.
جرت الاحتجاجات الحالية، وتجري، بعيدا عن أي سيطرة أو تأثير لنقابة الاتحاد العام للعمال الجزائريين. هذا الأخير كان دائما جهازاً بيروقراطيا مترهلا ملحقا بأجهزة الحكومة ويأبى الانفصال عنها. لكن حاله زاد سوءا منذ غرق أكثر في دعم مفرط للحكومة والرئيس بوتفليقة في كل الظروف وبلا شروط، على حساب العمال. والنتيجة أن الاتحاد، الذي يحلو له وصف نفسه بأكبر نقابة في الجزائر، أمسى أيَّ شيء إلا نقابة عمالية. هو الآن بلا مصداقية وبلا ثقة من أحد عدا قياداته الغارقة في حصد الامتيازات المادية ثمنا للولاء الأعمى.
المحرك الأساسي وراء الإضرابات الجديدة القديمة مطالب مهنية تتعلق بالرواتب والامتيازات وظروف العمل. تفسير رفع هذه المطالب والإصرار على التمسك بها قد يكمن في كون القطاعات المحتجة، خاصة التعليم والطب، تواجه ضغوطا هائلة يفرضها تطور المجتمع وسرعته، واتساعه أفقيا وعموديا، في مقابل تطور بطيء لهذين القطاعين بسبب غياب الحكم الرشيد وإصرار الحكومة على إدارة قطاعات حساسة، مثل التعليم والطب، في 2018 بعقلية وأساليب 1975.
طيلة الحركات الاحتجاجية، لم يجد المحتجون أمامهم إلا قوات مكافحة الشغب التابعة للشرطة «تحاورهم» بالهراوات والاعتقالات وغلق مداخل المدن والشوارع المحتملة للتجمعات والاحتجاج. وعدالة تأتمر بأوامر الحكومة لا يذكر أحد أنها في السنوات الأخيرة أنصفت النقابات مرة واحدة. ثم مسؤولون حكوميون يفتقدون لحس المسؤولية ويواجهون الموقف بعقلية فوقية تمنحهم حق التصرف من موقف القوي والمحق والعارف، بينما الآخرون عكس ذلك تماما.
في المقابل هناك غائب أكبر هو الحوار الجاد وغير الملغوم بين الأطراف المتخاصمة، مرفوقا ببروز علامات تفكك مؤسسات الدولة وضياع هيبتها. كمثال على ذلك لجوء وزيرة التعليم نورية بن غبريت ـ أو قبولها ـ بـ«وساطة تلفزيونية» لرجل دين اسمه علي عيّة، هناك ما يقال حول مصداقيته، ورجال قانون غير رسميين ولا وزن لهم في النزاع، لإنهاء إضراب المعلمين.
لا تتوقف السيدة بن غبريت عن تكرار أنها مع الحوار وأن أبواب وزارتها مفتوحة للمحتجين. لكنها في الوقت ذاته أخذتهم إلى محكمة حكمت بعدم مشروعية الإضراب، فأي حوار بقي وعلى ماذا؟ كما تشترط الوزيرة وقف كل أشكال الاحتجاج قبل بدء أيّ حوار، فأي حوار تريد وعلى ماذا؟ يبدو أنها تبحث عن حوار على مقاسها ينتهي حتما بخضوع النقابات أطول فترة زمنية ممكنة في المستقبل.
بلجوئها التلقائي إلى الشرطة لخنق أي حراك اجتماعي، لا تفعل الحكومة إلا جلب المزيد من الإساءة لهذا الجهاز المكوّن من شباب وضباط لو لم ينتسبوا للشرطة لكانوا في الشارع يحتجون مثل المعلمين والأطباء وغيرهم. كما يضع اللجوء السهل إلى الشرطة هذه الأخيرة في مواجهة المجتمع. المحتجون يعرفون ذلك مثلما يعرفه رجال الشرطة وضباطها، لذا تسمع أثناء الاحتكاكات بين الطرفين، المحتج يشفق على رجال الشرطة بالقول إنه يفهم ظروفهم ويقدر المسؤولية التي على عاتقهم، ورجل الشرطة يرد بأنه متفهم لحال المحتج لكنه «العبد المأمور» وأن القانون «هو القانون».
هذا ناهيك عن أن استسهال اللجوء إلى الشرطة يعرِّضها للاستنزاف ويرفع فرص المواجهة البينية بين أفرادها ومكونات المجتمع.
الكلام ذاته ينسحب على جهاز القضاء الذي لا تتردد الحكومة في توظيفه ضد أيّ تحرك مهني واجتماعي. عندما يتعلق الأمر بإخماد تحرك نقابي، يُبدي القضاء سرعة فيصدر الأحكام المستعجلة ويحسم في الدعاوى فور إيداعها، لكن دائما في اتجاه واحد، هو خدمة الحكومة وإنصافها حتى وهي ظالمة.
هذا الواقع يجعل اللجوء إلى القضاء في أيّ نزاع نقابي، لا يختلف عن اللجوء للشرطة، مع فرق في التفاصيل.
لسوء حظ الجميع، وزارات ونقابات، أن هذا الوضع المأساوي حل عليهم عشية الانتخابات الرئاسية التي ستتوج بوتفليقة رئيسا للمرة الخامسة. قبل ذلك، ليحترق البلد: الولاية الخامسة فوق الجميع وفوق الجزائر.

٭ كاتب صحافي جزائري

إضرابات الجزائر… حرائق ما قبل «الخامسة»

توفيق رباحي

- -

4 تعليقات

  1. تحية خالصة وسلام حار لكاتبنا توفيق الموفق.

    ما قلته هو الصواب وهو الواقع الذي يعرفه الاهل والأجانب. لقد قلت كعادتك، بشجاعة ووضوح، ما يقوله الناس في الشوارع والبيوت.

    لكن اعذرنا أيها الكاتب العزبز، أن لم تجد ردود وتعليقات على مقالك. أنت تعرف الدافع و السبب. اهل الدار وأصحاب القضية وجددوا لانفسهم عنوانا آخر وولوا وجوههم نحو قبلة أخرى : ” المغرب الشفيق” . يبحثون بين رمال الصحراء وجبال الاطلس عن عوراته ويسدلون النصح لأهله.

    إنهم ممن ” يوثرون على أنفسهم ولو كانت بهم خصاصة “.
    مرة اخرة، نقدم لك التحية ونجدد لك المعذرة. والسلام عليك.

  2. الى المعلق الذي يعتز باسبانيا ولا يعتز بمغربه وهذه اكيد عقدة شفاك الله منها
    نحن في قارب واحد لا تزايد علينا بل المغرب غارق اكثر من الجزائر نحن لدينا نقابات وهي التي تضرب في اطار قانوني وبالتراخيص ومطالبهم مشروعة وانا شخصيا معهم انتم مدن تثور وشعب كامل يتحرك لطلب ادنى متطلبات الحياة وتجد لنفسك الشجاعة للتعليق وانا بنفسي اقدم المعذرة لاهل جرادة والريف المطحون عن امثالك الذين لا يتالمون لالامهم طبعا انت في اسبانيا وهل تحس بالذين هم في الريف وغيره

  3. النظام الديقراطي يقوم على مبداء فصل السلطات الثلاثة (التنفيذية و التشريعية و القضائية).
    اما في الجزائر فهناك سلطة واحدة تتحكم في البلاد و العباد والاجهزة الاخرى هي عبارة عن اجهزة صورية.
    اما النقابة الاتحاد العام للعمال الجزائريين فهي معينتة من طرف نظام الحكم ولذلك فهي لا تمثل العمال ولذلك نرى هذه الفوضى في الاضرابات.

  4. وانا ايضا كنت اود التعليق على هذا الموضوع الذي يتضمن مؤشرات سياسية غاية في الاهمية…وخاصة فيما يتعلق بعقلية تدبير الامور من طرف من فرضوا على رقاب الشعب الشقيق منذ (الاستقلال) ونهبوا ارادته وجيوبه بعد انقلاب بداية التسعينات واغتيال قاءد الثورة الجزاءرية الشهيد محمد بوضياف….، ولكنني عزفت عن ذلك بعدما
    وجدت بعضا ممن ينتسبون الى اهل الدار مشغولون بحكم المحكمة الاوروبية في موضوع السردين…، ويرددون مع احدهم شافاه الله….كلاما ملصقا ….على شاكلة : ياعجبا يا عجيبا يا عجب…..لبقرة رايتها وهي تحلب..!!!!.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left