سرديّة الحقيقة وسرابُ الخديعة

أحمد أبو سالم

Mar 07, 2018

عندما أطلق قادة الاحتلال الإسرائيلي مقولة: «الكبار يموتون والصغار ينسوْن»، كانوا يراهنون على عامل الزمن؛ في تحدي ذاكرة الشعب الفلسطيني الجماعية وطمسـها.
هكذا فكروا وقدروا أثناء النكبة وبعيدها، وسيف المجازر من (دير ياسين) إلى (الطنطورة) وغيرهما، يستل أرواح الفلسطينيين ووجودهم التاريخي.
لكنَّ (حساب السرايا لم يطابق حساب القرايا) كما يقولُ المثل، فقد نهض الشعب الفلسطيني من حطام النكبة والاقتلاع، إلى أفق المقاومة، تعصف في قلبه وعقله ووجدانه مقولة القائد العربيّ المسلم موسى بن نصير في الأندلس: «ليس أخو الحرب إلا من اكتحل السهر».
من هنا كان الكبار شهرزاد ليالي الاغتراب لأبنائهم وأحفادهم، يؤثثون ذاكرتهم بحكايات متوهجة بالحب والحنين لوطن سليب، داعبت أمواج البحر شواطئ عرائسه يافا وحيفا وعكا..
ونما الحب والحنين في قلوب أنارتها جمرة الفداء، وعلى أكتاف زينتها البنادق، في مسيرة نضال وكفاح وطني، رسمت صفحاته ولونتها بمداد الفخار، دماء الشهداء والجرحى، وعيون الأسرى المشعة بالكرامة؛ لتستعيد الهوية الوطنية الفلسطينية ألقها وبهاءها، وتزهو الشخصية الفلسطينية بملامح الكبرياء، وتسترد القضية الفلسطينية مكانتها السياسية والوطنية التي حبسها الأعداء في مفهوم إنساني ضيق، لا يرقى إلى تطلعات الشعب الفلسطيني في الحرية، التي قدم على مذبحها أبطاله ومناضليه.
وما انفك هذا الشعب المناضل، يقدم التضحيات الجسام، بشجاعة تقهر المعاناة، وإرادة لا تسلس قيادها لليأس، جازماً بعزمه على الصمود ومواجهة حملات البطش والتنكيل الإسرائيلية، واستباحة أرضه ومقدساته، بالتهويد والمستعمرات وتزييف التاريخ، خاصة بعد اعتراف الإدارة الأمريكية الحالية بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل المحتلة، وقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نقل السفارة الأمريكية إليها؛ لتبدو السياستان الأمريكية والإسرائيلية تصدران عن سراج واحد.
لقد نزع ترامب عن وجه السياسة الأمريكية قناع الخديعة، التي توارثها الرؤساء الأمريكيون ووزراء خارجيتهم ومستشاروهم ومبعوثوهم إلى المنطقة العربية وفلسطين، وحقيقة الخديعة لم تعد فقط عنوان رواية لـ «دان براون»، بل عنوان سياسة أمريكية قديمة جديدة تمالئ إسرائيل في تهميش حقوق الشعب الفلسطيني وتقزيمها.
وكان لوزير الخارجية الأمريكية الأسبق «هنري كيسنجر»، تصوره لجوهر المفاوضات ومسارها في مقال نشره في صحيفة (الواشنطن بوست) بتاريخ 16/5/ 1982م بعنوان «من لبنان إلى الضفة الغربية إلى الخليج» جاء فيه: «الحكومة الإسرائيلية تهدف إلى ضم الضفة الغربية بصيغة الأمر الواقع مع إعطاء اليسير والقليل من الحكم الذاتي للسكان العرب..».
أما عن القدس فيقول: «وكجزء من الاتفاقية المؤقتة يجب اتخاذ ترتيبات خاصة بالنسبة للأماكن المقدسة في القدس القديمة».
ولولا الواقع العربي الممزق، بين مسننات الحروب الأهلية، والفتن الطائفية، والواقع الفلسطيني المطحون برحى الانقسام، لاستمرت إسرائيل ومن خلفها أمريكا في تسويق مقولة الضحية، وتجنّب تحطيم قواعد اللعبة السياسية.
من المهم في ضوء هذه المعطيات، أن يتوقف اللهاث وراء السراب الأمريكي الخادع، وأن لا يظل حالنا «كالمستجير من الرمضاء بالنار».
لا حل إلا بوحدة الشعب الفلسطيني، وتصعيد كفاحه بأشكاله كافة، وإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية بوصفها قضية تحرر وطني، تنصهر طاقات الشعب الفلسطيني في بوتقتها، وتبقى القدس الشريف بوصلتها.

كاتب فلسطيني

سرديّة الحقيقة وسرابُ الخديعة

أحمد أبو سالم

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left