مجددا: «مندسون» في الشارع الأردني

بسام البدارين

Mar 07, 2018

الإصغاء لإيقاع وعبارات وتقويمات بعض الموظفين والرسميين الأردنيين عندما يتعلق الأمر بمحاولة فهم وتفسير ارتفاع سقف الهُتاف في الشارع ضد ارتفاع الأسعار يعني مجددا إيذاء الروح ببعض تلك الاتهامات المعلبة التي تزيد الطين بِلّة ولا تبحث عن مخرج لأزمة ولا تناقش وقائع.
وبالضرورة لا تؤدي إلى معالجات، بقدر ما تُلهِب مشاعر الغاضبين والمحتقنين وتنقلهم في حال استمرارها ـ وهذا أخطر ما يمكن أن يحصل ـ من دائرة رفع الصوت للشكوى المعيشية إلى مستوى الصياح السياسي.
بحثت بعمق وبحسن نية طبعًا عن أي مبررات يمكن أن تدفع أي معلق قريب من السلطات او محسوب عليها للعزف مجددا على أوتار كلاسيكيات مثل تلك الاتهامات البائسة حيث مؤامرات خارجية على البلد و«مندسون» بين المواطنين الغاضبين وأجهزة أجنبية تترصد بالأردن وتضمر له السوء.
وحيث هوامش في المجتمع يمكن ان تُستغل وإرهابيون منشغلون فقط بإضعاف البلاد.
قد يكون ذلك محتملا او صحيحا كله أو بعضه.
لكن مثل هذه التقولات التي تنطوي على مبالغات موسمية هي الأسهل، لأن الأصعب هو انعقاد ورشة عصف ذهني وطنية بحس مرتفع من المسؤولية الأخلاقية، وبهدف الإجابة عن السؤال التالي : ما الذي يدفع المواطن الأردني للاحتقان والغضب والهتاف في الشارع فعلا ؟
لا يريد عِلْية القوم الغرق في محاولة تحصيل إجابات علمية ومنطقية عن أسئلة بسيطة جدًا من هذا النوع.
ولسبب أبسط:.. الأجوبة هنا تُدين طيفًا واسعًا من النخب والمسؤولين السابقين، وتؤشر على التراجع في القطاع العام والأجوبة هنا تريد جرأة وطنية في التشخيص وإقرارًا بسياسات خطأ ورهانات مراهقة وحسابات ثبت بالوجه القاطع اليوم أنها خارج الانتاجية.
الأجوبة تحمل في طياتها إدانة ضمنية لسلسلة من الحكومات المترهلة ولخريطة واسعة من أدوات الإدارة والحكم، وتدين بالمقابل أيضا اجتهادات ونظريات واجتماعات ووثائق ونخب مارست طوال الوقت فوق أكتاف الأردنيين نمطًا من أنماط «التورم» في الادعاء الوطني والسلوك غير المنسجم مع القدرات والواقع والتوهم المبالغ فيه بالدور.
ليس سرًا على الإطلاق أن الاتجاهات السياسية الكبيرة خلال العشر سنوات الماضية في ملفات الإقليم، والتي أنتجت أصلا الأزمة الاقتصادية الأردنية الحالية نتجت عن أمراض النخبة التي تعرفها كل دول العالم الثالث في مرحلة ما قبل التحول الديمقراطي، حيث فساد واستبداد وارتجال وعشوائية ومحاصصة وتسلط وتحالف بين طبقات حاكمة واحتكارات خارج القانون، وحيث محاصصة مريضة وعداء شديد لمنهج المواطنة وللمهنية والكفاءة.
تلك المواصفات ينتج عنها أبسط وصفة في عالم التراجع الاقتصادي.
وأخلاقيا لم يعد من المثير اتهام الناس والحديث عن قوى مندسة تتربص للأردنيين من دون أن يتزامن ذلك بالحد الأدنى على الأقل مع مصارحات شفافة وإقرارات بحصول أخطاء لها علاقة بالإدارة وليس بالناس.
طبعًا الأردن مستهدف طوال الوقت وليس حديثا.. طبعا ثمة أجهزة استخبارات متعددة أهمها الإسرائيلي يمكن أن يعبث بالساحة الأردنية بأي وقت وطبعا ثمة أصدقاء وحلفاء وأشقاء كبار في الجوار لا تعجبهم حتى مظاهر الديكور البرلماني والديمقراطي في الأردن ويكرسون أنفسهم منذ عقود كخصوم وأعداء لتطور الأردن وعصرنته.
وليس سرا أن إبقاء الأردن على الحافة اقتصاديا برنامج منهجي لدول متعددة رهنت الحكومة الأردنية القرار الأردني أصلا في أحضانها.
وطبعا الأردن هو البلد الأجرأ في المنطقة في إعلان الاشتباك مع الإرهاب الإجرامي، وقد دفع الأردنيون ثمن جديتهم في هذه المواجهة من الشهداء والدم والاستهداف وهو الأمر الذي يفسر تجمع آلاف المواطنين للشكوى من ارتفاع الأسعار في ساحة تحمل اسم الشهيد راشد الزيود.
كل ذلك صحيح وقد يكون صحيحا.
لكن الأمر كان كذلك طوال الوقت، والوقائع تقول إن خصوم الأردنيين والمتسببين بأزمتهم الاقتصادية الحالية هم رعاته الدُّوليون وأشقاؤه الخليجيون الذين يستظل تحت عباءاتهم، والدلائل تقول إن من يستهدف كيان الأردنيين ووطنهم وهُويتهم وحتى نظامهم ومؤسساتهم بكل أنماط الاستهداف الوقح هو شريك السلام الإسرائيلي الدافئ.
وهو نفسه يمثل دولة الاحتلال الغاصبة التي وضعت حكومة الأردن ملفات أساسية في حضنها عبر الاعتماد عليها حصريا في الطاقة والغاز والمياه.
أسأل بكل سذاجة وبراءة: أيهما مندس أكثر.. مواطن بسيط خرج صارخا للشارع من أجل رغيف الخبز أم موظف انشغل سنوات في عدم توفير بديل عن الغاز الإسرائيلي ثم انشغل سنوات لاحقا في وضع ملف الطاقة الأردني في أحضان دولة عدوة ؟.
أيهما مندس إلى حد الفجيعة ضد المصالح الوطنية: الفلاح او البدوي او اللاجئ الأردني الذي لا يريد إطلاقًا أكثر من حبة دواء في مستشفيات القطاع العام وتوقفت قدرته عن دفع فاتورة المياه أم السياسي والبيروقراطي الخبيث الذي يعلم مسبقا أنه قرر وضع الأردنيين قيادة وشعبا أمام خيار استراتيجي واحد؟.
لم تعد لعبة اتهام الأردنيين البسطاء بالتآمر والاندساس والتأثر بأجندات خارجية مثيرة إلا للضحك والسخرية.
ولا تقابلها الا تهمة بعض السذّج في الشارع التي توجه للسلطة والمؤسسة والنظام من دون تدقيق ولا على التعيين وفي إطار مبالغات درامية كوميدية.
الأفضل للطرفين بدلا من تبادل الاتهام الوقوف عن زاوية الحق والحوار فالحكومة التي ترفع الأسعار عليها ان تشرح وتتميز بالمصداقية وتضرب مثالا بنفسها على التقشف.
والمواطن الذي يحتج في الشارع على رفع الأسعار عليه أن يعلم مسبقا أن التهويل في اتهام السلطة لا يقل بؤسا عن اتهامات السلطة له بالتأثر بمندسين وعليه أن يعلم مسبقا أن الاحتجاج السلمي الأخلاقي الوطني شيء وقطع سلك كهرباء بحجة الانفعال جريمة بحق نفسه قبل الوطن.

٭ إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»

مجددا: «مندسون» في الشارع الأردني

بسام البدارين

- -

4 تعليقات

  1. تذكرت الإشاعات الأسدية عن المندسين في بداية الثورة السورية المباركة
    ومنها تلفيقات النظام الأسدي بخصوص جهاد النكاح المزعوم !
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. اذا كانت البلاد مستهدفة فعلينا تحصينه. وكيف يكون ذلك الا من خلال اصلاح حقيقي يشارك من خلاله المواطن في صناعة القرار ويقوم بدوره الذي يمنحه الدستور. ولاهم دور من يمثله بشكل صحيح في السلطة التشريعية لا من خلال ديكور الديمقراطية المقززة التي افرزت لنا مجلس الاصنام. المواطن لم يوقع مع حكومتة عقد عبودية المواطن هذا هو من يرفد الموازنة باكثر من ٨٥ ٪ من مواردها.

  3. قد أسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي يا أستاذ. قلوب عليها أقفالها. جلود سميكة لا تصغي إلا لأفواهها. مسؤولين يسرقون في كل مكان. أصحاب نفوذ وسلطة يرتشون ومستعدين يبيعوا البلد بما فيها.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left