الممثلة المغربية إيمان الإدريسي: في «المونودراما» أجسد كل طاقاتي الفنية… والإبداع «الافتراضي» خال من أي أحاسيس!

الطاهر الطويل

Mar 09, 2018

الرباط ـ «القدس العربي» : حظيت الممثلة المغربية إيمان الإدريسي، مؤخرا، بتكريم في مدينة القنيطرة، وذلك ضمن حفل «ليلة النجوم» الذي نظمته الجمعية الوطنية للصحافة الرياضية وجريدة القنيطرة 36 الإليكترونية. وبهذه المناسبة، أجرت معها «القدس العربي» الحوار التالي:
■ ما الذي قادك إلى عالم التمثيل؟ بمعنى آخر، كيف نشأت موهبتك الفنية، وكيف ترعرعت؟
التمثيل بالنسبة لي هواء آخر انضاف إلى رئتي، جئت إليه أو بمعنى أصح جاءني معانقا إياي، إلى أن سكن دواخلي، لأجدني أسيرة هواه وسط سفينة بحوره الضائعة شطآنها بين التهميش واللامبالاة والنسيان ونكران الذات.
أما بالنسبة لموهبتي منذ أن بدأت أعيي جيدا معنى الهواية، فقد وجدتني شغوفة ومتعطشة لممارسة هدا النوع من الفنون الأدبية الراقية بامتياز، فاكتشفت حينها أنها هي «الفطرة» من قادتني بكل حواسي لمعانقة أب الفنون والتعلق به الى أن تحقق الارتباط والتشبث به.
حينها بدأت في البحث عن صقل مواهبي الدفينة بدواخلي، لتشكل لي جزءا لا يتجزأ من أعضاء جسمه الركحي «الخشبة» الذي تجمعني بها قرابة قوية ومتينة، حيث بعد نهاية كل عرض أقدّمه، أجدني أتسلل ـ بعد خروج الجمهور من القاعة وإغلاق كل منافذها وإخلاء كواليسها ـ عائدة إليها (أي الخشبة)، لأودعها وأعدها على أنني عائدة مرة أخرى لمعانقتها بإبداع جديد.
■ وهل كان لزوجك رضوان الإبراهيمي، باعتباره مخرجا وممثلا، دور في تيسير ولوجك الميدان الفني؟
فعلا كان ولازال له دور فعال ومتميز في نشأتي الفنية ومساري الإبداعي منذ البدايات الأولى. هو الداعم والمساند الرسمي لي فقد تراه حريصا جدا على مساعدتي في اختياري للأعمال الجادة والهادفة والنظيفة في نفس الوقت… أعمال تحمل قيما أخلاقية ورسائل قوية ذات مصداقية، داخل مجتمعنا العربي والمغربي على الأخص. وبالفعل، فجل تعليماته واختياراته كانت في الصميم، تعودت بعدها على أن لا أتخذ أي قرار بدون استشارته، حتى لا أكون عرضة لما يمكن أن يعرقل مسيرتي الفنية المبنية على أسس صحيحة.
للدعم المعنوي وقع خاص، يتجلى في البصمة الفنية لزوجي على خريطة مساري الفني بإبداعات وتصورات لأفكار حديثة ومتجددة حسب العصر، كونه ذا خبرة وتجارب عديدة في المجال، فهو من تربى وترعرع بين أحضان رواد فن الزمن الجميل كما يقال. محظوظة أنا به وبتجاربه التي صقلني بها، استفدت منها الشيء الكثير. بصراحة، ليس بالأمر الهين أن أغوص في بحر هذا العالم الفني بمفردي…عالم محفوف بشتى أنواع العراقيل والصعوبات ومثقل بالإحباطات حيث الأوصياء يمارسون عليه سياسة التهميش واللا مبالاة. فكان زوجي الفنان رضوان بمثابة المجداف الحديدي، وأنا الممتطية قاربا خشبيا، يساعدني على الغوص بكل احترافية وأمان، غير آبهة بكل ما من شأنه أن يعرقل مساري الفني.
■ حسنا، لماذا تركزين على الأعمال المونودرامية في المجال المسرحي؟
سبق لي وأن صرحت في كل لقاءاتي الإعلامية، أن عشقي للمسرح بمختلف مدارسه ومناهجه لا حدود له. إنه جزء لا يتجزأ من كياني. كل يوم أجده يحاورني من الداخل، وأنا أبادله نفس الشئ. يطل علي ليحرك ما بداخلي من مواهب وابداعات، لأشخصها بكل صدق وتلقائية.. لذا تجدني أهوى وأموت في أن أمتلك كل ركن من أركان ركحه. ومن ثم، فكانت المونودراما خير تجربة تقربني من هذا الإحساس الجميل الذي ينتابني بين الحين والآخر.
وللتوضيح أكثر، المونودراما هي ضالتي وسط بحر الفنون. إنها مسرح الممثل الواحد والفعل الواحد. فجرت فيها كل طاقاتي أثناء أقوى المشاهد وما خفي كان ولازال أعظم بكثير، فكنت سيدة الركح بمفردي. والجميل في الأمر أنه إحساس أكثر من رائع. حين تمتلك الخشبة بمفردك.
شخصيًا، أرفض أن يتم تشبيه ممثل أو مشخص فن المونودراما على أنه أناني. لا والله، إنه يتقلد مسؤولية كبيرة تجاه المتلقي، إذ يعتبر سفيرا لكل ما يقدمه له من إبداع متكامل من تناسق في اللباس مع الشخصية والأداء المقنع في التعبير الجسدي والإلقاء مع توحيد كل مكونات العرض المسرحي في الفعل الواحد. والأهم كذلك أن يتجلى بالحرص الشديد والتسلح بالقدرة الكافية والتمكن من الحفاظ على الإيقاع الفني في الأداء، يجعل المتلقي يشعر به ويستأنس مع كل ما يقدمه، ليحوله الى شخصية ثانية مرافقة لممثل المونودراما.
■ وما هو الصدى الذي تركته أعمالك المونودرامية لدى الجمهور ولدى المهتمين في مختلف العروض التي قدمتِها داخل المغرب وخارجه؟
الجمهور من له الحق في الإجابة. ولِـمَ لا؟ أنتَ كذلك، فقد كنتَ من خيرة الحضور الذي واكب أعمالي المونودرامية، بعين الاعلامي والناقد المتمرس في المجال، ومن بينها العرضان المسرحيان «طل علي مني» و»تالي الليل». بهذا يكون السؤال موجها منك وإليك، يعني أنت الأحق بالإجابة عليه. لا عليك… هي بعض الارتسامات التي تشرفت بسماعها أو قراءتها عبر بعض التدوينات على المواقع الإلكترونية. وحسب رأي بعض المهتمين بالشأن الثقافي والفني، كانت جل العروض ـ ولله الحمد ـ تثلج الصدر وتزيد من معنوياتي لتقوي طموحي حتى أستمر في البحث عن الإبداع الجاد والهادف، حتى يرقى إلى مستوى تطلعات الفئة المهمة التي منحتني كل الثقة لأقف أمامها من جديد.
أما بالنسبة لتجربتي خارج الوطن، فكان لها طعم آخر، بعد أن تُوّج عمل «طلّ علي مني» للكاتب القدير حسن بوعشراوي وأزجال شاعرة حلالة صفاء أعراب وسينوغرافيا الفنان رشيد بنخالد وإخراج المبدع رضوان الإبراهيمي، وذلك ضمن فعاليات المهرجان الدولي للمونودراما في دورته الخامسة لجمعية تنوير الثقافية في محافظة بورسعيد في جمهورية مصر العربية، حيث فاز العمل بجائزة أفضل عمل متكامل وجائزة أحسن سينوغرافيا وجائزة أفضل ممثلة ثانية… لقد شكلت لي هذه التجربة وهذا النجاح العربي المتميز بصمة قوية ضمن مساري الفني. ومازال الاتصال متواصلا بين فرقتنا محترف سبو لفنون الدراما بالقنيطرة وأشقائنا الفنانين المصريين الذين يؤكدون في جل تدويناتهم الإلكترونية أنهم لم ينسوا مشاركتنا وعرض «طل علي مني»، فقد بات راسخا في أذهانهم بعنونة جديدة «بصّ علي من جوايا» بدل من «طل علي مني»، حيث ترك العرض صدى أكثر من طيب في نفوسهم وفي أرض الكنانة.
أما عرض «تالي الليل» للأديبة والمفكرة العراقية رشا فاضل وإخراج المبدع المتجدد رضوان الإبراهيمي، فقد جعلني أستنشق روح الإبداع الحقيقي من جديد، إذ يختلف تماما عن سابقه شكلا ومضمونا، وقد نال هو الآخر حظ التتويج بالمهرجان الأفرومتوسطية لجمعية الأمل 2 في دورته الخامسة عشرة بجائزة أحسن إخراج وجائزة أحسن سينوغرافيا وجائزة أحسن تمثيل نسائي ثم الجائزة الكبرى للمهرجان. كما تميز العمل باختياره للمشاركة الرسمية ضمن فعاليات مهرجان قرطاج الدولي في جمهورية تونس الشقيقة في الفترة الممتدة ما بين 28 نيسان/ أبريل و03 أيار/ مايو 2018، وأتمنى أن يكون التوفيق حليفنا مرة أخرى وتكتمل صورة الإبداع الحقيقي بتحقيق الطموح الذي يسكننا لتشريف وطننا المعطاء كالمعتاد.
■ طيب، ماذا عن تجربتك في الأعمال التلفزيونية؟
ولله الحمد رغم قلتها أفتخر واتشرف بها. لأنها تتميز بلون فني آخر له ارتباط قوي بين المشاهد والمبدع. صور في شخصيات متعددة تدخل كل البيوت لتتحول الى محبة ثابتة في القلوب. البداية كانت ضمن مسلسل « المصابون» للمخرج المقتدر محمد عاطفي، ثم مشاركة رئيسية في الشريط التلفزيوني «على ضفة القلب» للمخرج السينمائي محمد منخار. وبعد ذلك مباشرة، توقفت عن ممارسة النشاط الفني، بحيث كنت ملزمة بإيصال رسالتي الأسمى، ألا وهي تربية أبنائي الثلاثة. الأمر ليس بالهين أن يحصل التوفيق بين هذا وذاك. ورغم ذلك، لم أغادر الساحة كليا، بل بقيت مواكبة لكل الأعمال الفنية، من خلال عضويتي بالنقابة المغربية للمهن الدرامية بصفة مستشارة الشؤون الاجتماعية بالفرع الجهوي الغرب الشراردة بني احسن أنذاك، والتي كان يترأسها الفنان عبد الكبير بنبيش عبر ولايتين وخلفه المرحوم الفنان العربي الساسي رحمة الله عليه خلال الولايتين الأخيرتين. فالعربي الساسي أعتبره الأب الروحي لفني إذ غمرني بعطفه ورعايته، وأتاح لي وللعديد من الوجوه القنيطرية فرصة الظهور على الشاشة ضمن أعمال تركت بصمة قوية في ربيرتوار التلفزة المغربية.
واستكمالا لحديثي عن التجربة التلفزيونية، بكل الفخر، أعتز بمشاركتي في البرنامج الاجتماعي والإنساني ضمن سلسلة «لحبيبة أمي» لموسم 2017 والتي شخصت فيها بكل صدق وتلقائية الدور الرئيسي «الأم»، تجربة حركت بداخلي كل ما هو إنساني واجتماعي، فحصل التميز في الأداء حسب ارتسامات المشاهدين، لأن العمل بجانب مخرجة قديرة ومتمكنة من أدواتها كالمبدعة جميلة البرجي، له أكبر من وقع وإضافة مهمة في مساري الفني.. إنه يشعرك فعلا أنك على الطريق المتميز تخطو بخطى ثابتة نحو الأفضل والأرقى، تحت ظل رجل التصورات السيناريت والمبدع الصادق أحمد بوعروة، الحريص على أدق التفاصيل لاستكمال التصور الفني على أتم وجه.
■هل تعتقدين أن شروط الممارسة الفنية متوفرة اليوم أقوى من الماضي، للممثلات بشكل خاص؟ أم ما زالت هناك عوائق؟
نسبيا أعتقد ذلك… فهناك جهود وتضحيات جبارة تُبذل من طرف العديد من الممارسين وخاصة الممثلات اللائي تجرعن مرارة التوفيق بين الأسرة والفن… ليشكلن بعدها شعاع ضوء قوي في الحقل الثقافي المليء بالعراقيل والتحديات ونكران للذات، بالرغم من كل الإكراهات التي تطرحها الممارسة الفنية والثقافية وما تتطلبه من تضحيات مادية ومعنوية جسيمة للرفع من مستواها مع بذل الغالي والنفيس لرقيها وتقدمها. ومن هنا، يتضح أن الممارسة الفنية فعلا متوفرة، لكن في غياب تام لتحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها الفنان.
■ وما هو طموحك في هذا المجال؟
أتمنى من الجهات الوصية على الشأن الثقافي والفني أن تعمل جاهدة على الرفع من مستوى الممارسة الفنية والثقافية، للخروج من القوقعة التي يعرفها القطاع، وتشجيع كل المبادرات الجادة في المجالين المسرحي والسينمائي والثقافي عموما، مع فتح أفاق جديدة لكل المواهب الشابة وتوحيد صفوف كل الفنانين لخدمة الفن والثقافة، لوضع حد وقطيعة مع ما يسود الساحة من تقهقر وتشرذم وبؤس فني، فرضه ما يسمى بالإبداع الفني الافتراضي الخالي من كل الأحاسيس، الى جانب الثقافة السطحية الفجة التي ما فتئت تزداد بفعل الشبكة العنكبوتية.
وأخيرا، طموحي أن أظل أنا كما أنا عاشقة ومهووسة بحبهما حتى الثمالة: رفيق دربي في الحياة والمسرح حتى الممات.

الممثلة المغربية إيمان الإدريسي: في «المونودراما» أجسد كل طاقاتي الفنية… والإبداع «الافتراضي» خال من أي أحاسيس!

الطاهر الطويل

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left