المرأة في عيدها العالمي دموع وابتسامات… مكاسب وانتكاسات

Mar 09, 2018

الثامن من شهر آذار/مارس هو عيد المرأة، أو يومها العالمي، وكان الأسم الأوّل الذي إختير لتخليد هذه الذكرى هو «اليوم العالمي للمرأة العاملة» قبل أن يُعتمَد في أروقة الأمم المتحدة بصفة رسمية في 8 آذار/مارس من عام 1975 التي دعت الدّول الأعضاء فيها إلى الإحتفال بهذا اليوم. ومن ثمّ أصبحت نساء العالم تحتفل كلّ عام إحياءً بمبادرة الأمم المتحدة التي كانت تحت إسم «كوكب 50 ـ 50 بحلول 2030» كخطوة جبّارة لإقرار مساواة تامّة، ومُنصفة بين الجنسيْن، ورفع الوعي السّياسيّ، والاجتماعيّ في شؤون، وقضايا المرأة، ومكتسباتها ،وانتكاساتها، وتسليط الأضواء الكاشفة على المشاكل، والمشاغل، والصّعاب التي ما زالت تعاني منها المرأة إلى يومنا هذا في مختلف أنحاء المعمور.

مغزى يوم المرأة العالمي

ويوم المرأة العالمي هو في الواقع تتويج لقضيّة المرأة المناضلة صانعة التاريخ، وتعود هذه القضية في أصلها إلى نضال المرأة على امتداد القرون من أجل المشاركة في المجتمع على قدم المساواة مع الرّجل. ويخبرنا التاريخ أنه في اليونان القديمة قادت «ليستراتا» إضراباً موسّعاً عن الجنس ضدّ الرّجال من أجل وضع حدٍّ للصّراعات، والمواجهات وإنهاء الحروب؛ ومن النساء الشّهيرات في التراث العربي اللّائي تجاوزن الرّجالَ حكمةً وفطنةً، وذكاءً ودهاءً، نذكر منهنّ على سبيل المثال وليس الحصر: شهرزاد (منقذة بنات جنسها)، وزرقاء اليمامة، وكليوباترة، والخنساء، وصاحبة ابن زيدون ولاّدة بنت المستكفي، وشجر الدرّ، وزنوبيا، والستّ الحرّة حاكمة تطوان، وفاطمة الفِهرية مؤسِّسة أقدم جامعة في العالم وهي جامعة القروييّن بفاس وسواها وهنّ كثير. وكما هو معروف هناك العديد من النساء في الغرب اللاّئي أدركنَ مراتبَ عليا من الشّهرة، والذيوع في مختلف المجالات، وفي خضمّ الثورة الفرنسية، نظمت النساء الباريسيّات تجمعات كبرى للدّعوة لـتحقيق المزيد من «الحرية والمساواة، والأخوّة» حيث نظّمنَ مسيرات إلى قصر فرساي للمطالبة بحقّ المرأة في الاقتراع. وظهرت فكرة يوم المرأة العالمي لأوّل مرّة في أواخر القرن التاسع عشر، ومستهلّ القرن العشرين حيث واكب نضال المرأة خلال هاتين الحقبتين تطوّر صناعي موسّع، واضطرابات، وقلاقل ،حيث عرف المجتمع نموّاً ديموغرافياً كبيراً، وظهرت أيديولوجيات راديكالية جديدة.
وعلى إثر الإضرابات، والاحتجاجات النسائية التي حدثت في الثامن من مارس (آذار) من عام 1908 حيث تظاهرت الآلاف من العاملات اللائي كنّ يشتغلن في مصانع النسيج في مدينة نيويورك ، بسبب الظروف الصّعبة غير الإنسانيّة التي كنّ يعملن فيها، وللمطالبة بمنح النساء حقّ الاقتراع، وخفض ساعات العمل الطويلة، ووقف تشغيل الأطفال، وقد أطلقن على حملتهن الاحتجاجية اسم «خبز وورود» حيثُ حملن قطعاً من الخبز اليابس، وباقات من الورود خلال هذه التظاهرات.

بداية تحرّر المرأة

الباحث الرّوماني «أوجِينْ وِيبَرْ» المعروف بدراساته عن التاريخ الفرنسي على وجه الخصوص . كَتَبَ يقول إنّ «شارل بيغوي» يَرَى أنّ العالمَ قد تغيّر في الحقبة الزّمانية المحصورة بين القرنين المنصرمين ، أكثر من الفترة الزمانية الممتدّة من ولادة السيّد المسيح حتى عصرنا الحاضر. هذا الحُكم قد يبدو مُبَالَغاً فيه، إلاّ أنّ «أوجين ويبر» يبرّر ذلك بكلّ بساطة عندما يذكر لنا أنّه في الحقبتيْن الموالييْن لنهاية القرن، كان صاحبُ هذا القول شاهداً على كثير من التغيّرات، والتطوّرات التي طرأت على مختلف وسائل الحياة، والأنشطة، والتقنيات، التي كانت تميّز، أوتطبع بشكل واضح مظاهر الحياة اليوميّة في ذلك الأوان، ففي ذلك العصر ظهرت السّينما، والسيّارة، والعديد من المُخترعات الأخرى، وأمكن إستغلال وقت الفراغ بشكل جيّد ، الحركة، الأخبار، الرّياضة، الأنشطة المُبتكرة، وسواها من مظاهر الحياة اليومية الأخرى، كلّ ذلك كانت له جذور، وأصول، وتأثيرات مباشرة وفعّالة على التغيير الجذري الذى عرفه عالمُنا المعاصر كذلك اليوم في هذه المجالات برمّتها، وفى سواها من مظاهر ومرافق الحياة.
تعرّض «أوجين ويبر» للتغيير الهائل الذي عرفته المرأة في خضمّ هذه التطوّرات التي بدأت تطرأ على المجتمع الجديد، حيث كانت القوانين الغربية في ذلك الوقت تعتبر المرأة مخلوقاً ناقصاً ، وفي هذه الفترة مثلاً تمّت الموافقة لأوّل مرّة بأن تكون المرأة صالحةً لأداء الشّهادة في المحاكم ،وبدأت تظهر بالتالي إرهاصات لبداية تحرّرها وإنفتاحها على المجتمع، وفكّ بعض القيود عنها فيه. ولابدّ أنّ القارئ يعرفُ جيّداً أنّ مجتمعاتٍ أخرى تُنْعَتُ بالمتأخّرة، وغير المتمدينة لم تضع المرأةَ في هذا الموضع من السّخرية والإزدراء!. ويُخبرنا الكاتب أنه في هذه الحقبة أيضاً أمكن للمرأة لأوّل مرّة أن تفتح حساباً مصرفيّاً خاصّاً بها، وأن تحصل على درجات جامعية عليا مثل الدكتوراه. وفي (1900) فقط سُمِح للمرأة لأوّل مرّة كذلك في فرنسا الإلتحاق بكلية الحقوق كباقي زملائها الرجال، ويقول الكاتب إنه مع التغيير الذى طرأ على وضعية المرأة ، ومع الإعتبار الجديد الذى أصبح يُمْنَح لها وَقعَ أو طرأ تغيير كبير على «الموضة» (أي طرائق،وأساليب، وتقاليع، ومبتكرات، وتفنّن لبس المرأة، وزينتها، وتطريتها). حيث أصبح رداء المرأة بسيطاً يخلو من التعقيدات الهجينة،والأنسجة الفضفاضة المبالغ فيها، والبَهْرَجة المتوارثة التى كان يفرضها عليها العصر، وتقيّدها بها التقاليد. وعلى الرّغم من التقدّم الهائل الذي أحرزته المرأة في مختلف المجالات في عصرنا الحاضر، فإنها ما زالت – مع ذلك- في نظر البعض تلك « الإلزَا تريوليه» مُلهِمة الكاتب الفرنسي المعروف «لويس أراغون»، ذات العيون السّاحرة التي يتوق إليها كلّ شاعر، أو أديب، أو فنّان،أو مبدع ليستلهمَ من سحرها،وحدّة ذكائها، وروع دهائها،ورقّة دلالها ، وطلاوة عذوبتها، وتواتر عذاباتها، موضوعاتٍ آسرةً لشِعْره، وفِكْره، وفنِّه، وأدبِه،وإبداعاتِه.

المرأة مدرسة

والمرأة- في عُرف آخرين – ما زالت ذلك المخلوق القويّ، الضعيف الذي هو في حاجة دائماً إلى كلمات الإطراء، والإعجاب، والإبهار، وأيضا إلى التصفيق .. والتصفيق الحادّ غير المُنقطع ،وقد عِيبَ على أمير الشعراء أحمد شوقي كونه وضع المرأةَ هو الآخر في تلك الخانة الضّيقة التي تظلّ فيها ومعها توّاقةً إلى الثناء، شغوفةً بالإنبهار،إذ قال فيها أو عنها: 
خدعوها بقولهم حَسناءُ / والغواني يَغرّهنّ الثناءُ..
نظرةٌ فابتسامةٌ فسلامٌ / فكلامٌ فمَوْعِدٌ فلقاءُ.. !

بين نيتشه وفاغنر

وإذا عدنا إلى الفيلسوف فردريك نيتشة لوجدنا أنه كان يقاسمُ مُعاصرَه الموسيقار الشّهير ريتشارد فاغنر حبّ الغادة الإيطالية لُوسَالُومِي ذات الحُسْن الباهر، والجمال الظاهر، فالأوّل كان يمثّل بالنسبة لها الصّرامةَ، والشّهامة، والجديّة (الفلسفة والعقل أو الفكر الخالص)، وكان الثاني يمثل العاطفةَ المتأجّجة، والرقّة والعذوبة، والخيال المُجنّح (الموسيقى والقلب أو العاطفة) وبعد حيرة وقلق وتردّد بين هاذين العبقريين مالَ، وإزورّ قلبُ الفتاة الحسناء أخيراً إلى فاغنر فأحبّته دون نيتشة، فشَعَر هذا الأخير بغيرة شديدة، فكان من فرط غيظه وغضبه يصعد إلى غرفة صغيرة منزوية توجد في سطح منزله ويحزّ أصابعَه بسكّين حادّ حتّى تُدْمىَ أناملُه ، وبعد ذلك، عندما حاق به اليأس، وأخذ منه الإحباط كلّ مأخذ في الظفر بحبّ وقلب معشوقته لوسالومي، قال معلّقاً على هذا الحدث الذي أثّر في حياته تأثيراً بليغاً قولتَه الشّهيرة التي ما فتئ العشّاقُ، والمُحبّون، والمتيّمون الذين لم يظفروا بقلب معشوقاتهم يردّدونها إلى اليوم، قال ساخراً ،متهكّماً ،مُزدرياً، مُنتقصاً من قيمة الموسيقار فَاغْنر : لقد حلّق طائرٌ في سماءِ حبّي، وإختطفَ الملاكَ الذي أحببت، ولكنّ عزائي الوحيد أنّ هذا الطائر لم يكن نِسْراً..!

وراء كلّ عظيم إمرأة!

ويرى كثيرون أنه ما من نجاح، أو فلاح، أو تطوّر،أو تغيّر، أو قفزة، أوطفرة إيجابية في تاريخ البشرية، وفى مسار الناس،والحياة،والبشر إلاّ وكان للمرأة دخل أو يد فيها،ولولا ذلك لما قال «نابليون» قولته الشهيرة في المرأة.. (وراء كلّ عظيم إمرأة).. ! ولما قال هو كذلك في السّياق نفسه : (إنّ التي تهزّ المهدَ بيسارها، تحرّك العالمَ بيمينها)! ولولا ذلك للمرّة الثالثة، لما قال» باسكال» عن كليوباترة: (لو كان أنفها مستقيماً لتغيّر وجه التاريخ).. ! وحمداً الله لأنّ أنفها من حسن الحظّ كان مُحْدودباً، نوعاً مّا، ولم يكن مستقيماً، ولذلك لم يتغيّر وجهُ التاريخ ..!

مباريات الجمال..!

بعد المعارك الضارية التي خاضتها المرأة عن جدارة، وإستحقاق بحثاً عن ذاتها، ونفسها، وعزّتها، وكرامتها، وشخصيتها، ومساواتها، وحقوقها المشروعة، قرّرت منذ زمن غير قريب أن تخرج بهذه المعارك الطاحنة من حيّزها الضيّق إلى مجال أوسع، وفضاء أرحب في مختلف أرجاء المعمور ..عندئذٍ خلقت لنفسها أحقاداً، وأعداء ومتوجّسين، ومناهضين لها في كلّ مكان. وإستخفافاً بها، وإستهتاراً بأنوثتها، وإنتقاصاً من ألمعيتها نصُبوا لها الكمائنَ،وفرشوا لها المكائدَ، فأوجدوا ما يسرّ الأغلبية السّاحقة، ويغضب الأقلية القليلة.. بتنظيم ما يُسمّى بمباريات ملكات جمال العالم!. وأيُّ خداعٍ يكتنف هذه الكلمة، ذلك أنّه ليس من اليُسْر والسّهولة أن يُعرِّفَ الإنسانُ الجمالَ !،فقد حار في تعريفه حتى كبار الفلاسفة، والمفكّرين، والأدباءعلى مرّ العصور، وتعاقب الدهور. ونصب هؤلاء المنظّمون على المنصّة شرذمة من السّكارى والصعاليك لتقول: إنّ الجمالَ هو طولُ القِوام، وهيَافةُ الخَصْر، وبروزُ النّهدين، وتناسقُ الأرداف،ورشاقةُ السّيقان، ولمعانُ الشّعروإنسداله وإنسيابه.. !، والتعرّف على عواصم فرنسا، وبريطانيا، واليابان..! والفائزة منهنّ في تلك المسابقات المخزية تُتَوَّجُ بتاج من الذّهب الخالص الإبريز المرصّع بالماس والزمرّد، ويوشّح صدرُها بقلادة غالباً ما تكون مطرّزة بالماس أيضاً. وعلاوةً عمّا تقدّم يوهب لها مبلغ كبير من المال نظير جمالها.. !، ناهيك عن الشّهرة الواسعة التي تنتظر الفائزة المحظوظة من إبرام لعقود الدّعاية والماركتينغ والإشهار.

الأسود لا يليق بك

مع ذلك مازلنا نقرأ هنا وهناك بعض الترّهّات، والخُزعبلات حول المرأة من كلّ نوع ،فما بالك بالقائل – حتى وإن كان كلامُه مردوداً عليه – عندما يقول: «المرأة أصناف، ونماذج، إنها في حيرة من أمرها، فالتي ترتدي الميني متصابيّة، والتي ترتدي الماكسي مُعقّدة، والتي ترتدي الميدي مُعتدلة، والتي ترتدي البنطلون مُسترجلة، والتي ترتدي الشورتْ إمرأة لعوب «، إلاّ أننا نعود بعد كل ذلك وذاك لنذكّر في ختام هذه العُجالة بقول الشاعر القديم: (إِذا المَرءُ لَم يدنَس مِنَ اللُؤمِ عِرضُهُ/ فَكُلُّ رِداءٍ يَرتَديهِ جَميلُ) . وليس أقبح، ولا أسوأ لدى المرأة، أن تتجرّأ وتقول لها هذا الرداء أو ذاك اللباس، أو ذاك اللّون يليق، أو لا يليق بها أو عليها ، كما أنّك لا تستطيع أن تنتقص حبّة خردل من جمالها، أو هندامها، أو منظرها، أو هيئتها، أو مظهرها…وكلّ عامٍ وأنتنّ بألف خير.!

كاتب من المغرب

المرأة في عيدها العالمي دموع وابتسامات… مكاسب وانتكاسات

محمّد محمّد الخطّابي

- -

1 COMMENT

  1. رحلة ممتعة في تاريخ معاناة الجنس اللطيف .
    صراع ابدي بين الجنسين لابد من انسنته بقوانين وتربية وسلوك يجعل من المرأة نصف المجتمع واقعا وليس حلما

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left