لن يركبوا المرجيحة… تأملات في الفن والثورة!

سامح المحاريق

Mar 09, 2018

تدور أحداث أوبرا «خرساء بورتيتشي» حول ثورة أهالي نابولي، بزعامة الصياد وبائع الأسماك توماسو أنييلو ضد الاحتلال الإسباني لبلادهم سنة 1647، ولاقت الأوبرا التي قدمها الملحن الفرنسي دانييل أوبيه نجاحاً معقولا عند تقديمها في باريس للمرة الأولى، ولكنها بعد عامين تحولت إلى جزء من ثورة جارفة اجتاحت مدينة بروكسل في ليلة من صيف 1830، وتحولت إلى بذرة لاستقلال ما يعرف اليوم ببلجيكا عن المملكة الهولندية.
تفاعل الجمهور الغفير في قاعة أوبرا بروكسل، مع أحد أناشيد الأوبرا الذي يحكي عن ثورة الأهالي، وتوقهم للحرية، وينادي بالحرية أو الموت، وفي وسط حالة من النشوة الجمعية، انطلقت جموع المشاهدين في الشوارع تغني للحرية، ليتحلق حولهم المشاة والمتجولون، وتتحول هذه اللحظة إلى شرارة ثورة جارفة، تضمنت اشتباكات مسلحة بين الوالون المتحدثين بالفرنسية في الولايات الجنوبية من المملكة الهولندية والجيوش الملكية، واتخذت هذه الثورة صورة مواجهات لاحقة بين الكادحين ومعهم بورجوازية المدن الصاعدة ضد الارستقراطية الهولندية لتنتهي بتأسيس دولة مستقلة في بلجيكا.
شهدت هذه اللحظة التاريخية أعمق تأثير لعمل فني في التاريخ الإنساني بأسره، فربما لو تأخرت هذه الثورة لبضعة أسابيع لتغيرت مساراتها كاملة، فهذه الثورة أتت في غمرة انشغال الدول الكبرى بثورة فرنسية مؤثرة وواسعة في يوليو، أثارت مخاوف أوروبية من تكرار طموح الحروب النابليونية، وبين ثورة أخرى في نوفمبر عمت أرجاء الامبراطورية الروسية، لذلك لا يمكن اغفال أن النشيد الأوبرالي كان الإصبع الذي أفلت زناد تلك الثورة.
صعد العديد من الفرق الغنائية لمنصة ميدان التحرير في القاهرة في الأيام الثمانية عشر التي وضعت مصر على شريط الأخبار العاجلة حول العالم بأسره، كانت هذه الفرق تسمى سابقاً بتجارب ومشاريع (الأندر غرواند) أو الموسيقى المستقلة، تفاعل مئات الآلاف من المعتصمين مع هذه اللحظة، وفي الأنحاء كان الشعراء يؤلفون قصائد مختلفة، فمن ينسى من أبناء التحرير كلمات هشام الجخ التي هدرت بصوته القوي النحاسي الرخيم (فأنا ابن بطنك وابن بطنك من أَراد ومن أقال ومن أقر ومن نهى/ صمتت فلول الخائفين بِجبنهِم وجموع من عشقوك قالت قولها) أو الصوت الدافئ العميق لمحمد منير متسائلاً: إزاي؟
تجاهلت السينما المصرية الثورة، وعلى العكس من المتوقع والمأمول والمرتقب، تزايدت أسهم أفلام البلطجة، ليصبح محمد رمضان في شخصية الألماني وعبده موته النموذج لمئات الآلاف من الشباب في مصر العشوائية، وأتذكر في أحد أيام الإقامة في القاهرة الشكوى المريرة لسائق سيارة أجرة، وتشكيكه في الدعوات الرئاسية لتوظيف الفن بصورة هادفة، وهو ينتقد ما يقدمه المنتج السبكي تحديداً، ويؤكد أن مصر الحقيقية تختلف عن تلك التي يقدمها السبكي في أفلامه، ويتساءل ببراءة عن الذنب الذي اقترفه ليوصم مع عشرات الملايين من المصريين بتصورات غير حقيقية يحملها من يشاهدون هذه الأفلام حول بلاده، وكان يتحدث لي وكأنني لا أعرف أن المصريين ليسوا كلهم بلطجية، وأن معظم المصريين محافظون ومسالمون.
وصلت الأغنية في مصر لحدود غير مسبوقة من الإسفاف والتدني، لتحفل الشاشات بإباحية رخيصة مبتذلة ،ومسوخ إن كانت لتحرك أي شيء لدى المتلقي فإنه سيكون خليطاً من مشاعر الغثيان المترافق مع الرثاء لهوان الإنسان وتحوله إلى مهرج، يفتقد لخفة الظل، والمسألة هي شكل عام يعبر عن نفسه مع نماذج (ركبني المرجيحة) التي تسرق مشروع الثقافة والوعي، الذي حمله ذلك الثائر في التحرير، مستدفئاً بكوفيته من برد الليل وهارباً من اغترابه وتوحده بالحضن الواسع والرحيب للجموع الغاضبة، والحالمة في ميدان التحرير، وبذلك يحدث الوأد لفكرة متابعة الثورة حتى لو كان من داخل النظام نفسه أو على هامشه أو بموازاته.
المسألة لم تعد تتوقف على الكلمات المغناة، فالأمر يعود أصلاً إلى حياة الهوامش منذ أكثر من قرن من الزمن، وأم كلثوم نفسها قدمت أغنية (الخلاعة والدلاعة مذهبي) في زمن البغاء القانوني، بينما قدمت مدائح أمير الشعراء شوقي في زمن الناصرية، وقدمت في زمن الملك فاروق (لي لذة في ذلتي وخضوعي) بينما لم يكن مناسباً للمزاج العام في الخمسينيات والستينيات إلا أن تصدح (وعزة نفسي منعاني) و(يا ترى ما تقول روحك بعدي فى ابتعادي وكبريائي وزهدي)، فالشعب نفسه الذي كان يهرب من واقعه المؤسف والمهين قبيل ثورة يوليو 1952 مع دخان الحشيش وغيوم الكوكايين ارتقى إلى شعب (إرفع رأسك يا اخي فقد مضى عهد الاستعباد)، لذلك لم يكن ليتقبل في أغنياته المذلة والهوان و(الأسية).
كان الفن في العصر الملكي في حالة فوضى ملقى كأي شيء آخر في مصر على قارعة الطريق، ليجد في زمن الثورة طريقاً خاصاً ربما مضى فيه كثيرون نياماً وراء الشعار السياسي، ولكن ذلك الفن ترك بصماته على أجيال كاملة، فقد كان يصنع نموذجاً مبكراً ويبرمجه في أحلام الأطفال والمراهقين ليترك وراءه بلداً خيالياً يسمى مصر، لا ينتمي بشيء لتاريخه السابق من سيطرة مملوكية، ولا يمتد إطلاقاً إلى هرج السادات الذي أتى بالفن الذي يناسب ذائقته المحدودة، ومصر الخيالية التي اصطنعها صلاح جاهين وكمال الطويل وعبد الحليم حافظ ويوسف إدريس ويوسف شاهين ونجيب محفوظ وفاتن حمامة، هي التي ما زالت تشكل حائط الصد الأخير أمام انهيار متكامل يتم برعاية الدولة وتحت وصايتها، للهروب من استحقاقات الثورة ومطالبها بحياة أكثر عدالة وحرية.
فكرة الإغراق بالفن التافه فرضت نفسها بعد هزيمة يونيو 1967، ليدخل الفن في مصر مرحلة سيئة للغاية، لم تنتشله منها سوى استفاقة النصر في 1973، ولكن يداً خفية أصبحت تعرف اللعبة وتجيد تقديمها لتصبح ثنائية البلطجي – الراقصة لدى الأطفال والمراهقين البديل المؤسف والمزري لثنائية المقاتل – الممرضة أو الطبيب – المعلمة، ولم تتوقف هذه الحملة المنظمة عند تكريس الفن الهابط، الذي لا يمكن أن يحمل الإلهام أو يشعل طاقة الحلم لتمتد بضرب أي معالجة فنية لفكرة الثورة أو لتقديم روايات جديدة عن الثورة، فحوصرت هذه النوعية من الأعمال الفنية بالتضييق إن لم يكن بالمنع، وانطلقت أصوات الإعلام وبرامج التلفزيون لتخوين القائمين على تقديم الرؤية الأخرى، ليصبح الصوت الوحيد المسموح به والمتاح هو التفاهة والإسفاف، ولذلك، فإن الفن يتغيب اليوم ويتعرض لحملة من التشويه والاختزال في امتداح نمط الحياة العشوائي، لتجنب أن تنطق مرة أخرى خرساء بورتيتشي، ومع ذلك، وفي ظل التكنولوجيا والفضاءات المفتوحة فإن الفن سيجد طريقه ليكون حافزاً للجموع من جديد، وليؤدي دوره في بناء الوعي واستنهاض الإنسان، ففي مصر، من لا يزالون يرفضون بإصرار واعتزاز وعناد (ركوب المرجيحة).
كاتب أردني

لن يركبوا المرجيحة… تأملات في الفن والثورة!

سامح المحاريق

- -

1 COMMENT

  1. اتابع حاليا مسلسل كوميدي اردني عرض في التسعينات بعنوان عليوه للفنان الكوميدي ربيع شهاب وهو مريض حاليا شافاه الله وعافاه ، فالفن كما بمقال الاستاذ المحاريق اداة بيد السلطة تطوعها كيفما تشاء ولكن بالنسبة للدراما الاردنية فقد كانت مستقلة نوعا ما وبامكانها خرق السقوف واضا المسرح الاردني قدم ولا زال نجاحات ملفته في الانفلات من تكميم السلطه لفوهه فتفوه سمعه بمسرحية باعوها بما لم يقل مالك بالخمر والفن المصري ليس مسطرة قياس لكل الفنون العربية .

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left