لغز شهر نيسان في ديناميات السياسة في مغرب 2018

بلال التليدي

Mar 09, 2018

تواطأت في الآونة الأخيرة ثلاثة مواقف على جعل شهر نيسان/أبريل حاسما في حدوث تطورات مفصلية في الحقل السياسي المغربي تحسم في مستقبل الحكومة المغربية.
مؤتمر الأصالة والمعاصرة الذي ينتظر أن يحسم في القيادة، ويسقط التكهنات المتضاربة حول مستقبل إلياس العماري، وحدود تماس هذا الحزب مع الدولة. وإعلان نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، عن موعد شهر نيسان/أبريل لتحديد موقف حاسم من الحكومة، بعقد مجلس وطني يقيم قراره «المساندة النقدية»، ويتخذ القرار الجديد بناء على تقييم لأداء حكومة العثماني خلال أزيد من ثمانية عشر شهرا. ثم ما نشرته الصحيفة الفرنسية «مغرب أنتلجنس» من إجراء انتخابات مبكرة في نيسان/أبريل المقبل، بعد انعقاد مؤتمر الأصالة والمعاصرة، وقيادة عزيز أخنوش المرتقبة للحكومة المقبلة.
ديناميات الحقل الحزبي في المغرب، تؤشر على أن الأمر لا يميل إلى الطبيعة، فحزب الأحرار دخل في حراك ذي طبيعة انتخابية صرفة، وأنتج دينامية تواصلية شغلت أذرعه الإعلامية الطويلة، فضلا عن الإعلام العمومي الذي قام بعملية تلميع ظاهرة لرئيس هذا الحزب.
مضمون هذه الدينامية، أن حزبا جاء يقدم عرضا سياسيا جديدا، يحاول الإجابة عن الإشكالات التي طرحها الملك بخصوص حاجة المغرب لنموذج تنموي جديد بعد أن فشل النموذج السابق، وأنه جاء ليتصدى للإشكالات الكبرى التي تعيق هذا النموذج (التعليم والصحة والشغل)
في طريق بسط هذا المضمون ثمة تحديات كثيرة، لا يرجح أن حزب الأحرار سيكون قادرا على الإجابة عنها، منها أن السيد أخنوش طارئ على السياسة، لم يخضع للتنشئة الحزبية، وإنما هو كائن حكومي، كان يلبس تارة اللباس الحزبي وتارة اللباس غير الحزبي حسب المقاسات التي تستدعي دخوله للحكومة، فقد دخل حكومة بنكيران في 2012، كمستقل بتقديم استقالته من الأحرار، ثم رجع إلى الأحرار، ليصير رئيسا له في أقل من أسبوعين بعد الإعلان عن نتائج انتخابات الثامن من تشرين الأول/أكتوبر 2016، ولم تعرف له مشاركة انتخابية. ومنها أيضا، التداخل الكبير بين نفوذه الاقتصادي كصاحب أكبر شركة محروقات وغاز، وبين وضعه الحكومي، ذلك النفوذ الذي يجعله عرضة لانتقادات كثيرة بسبب ارتفاع أسعار المحروقات، واستفادة شركاته بشكل خيالي من إصلاح صندوق المقاصة وتحرير أسعار المحروقات، إذ رشح من تسريبات لجنة الاستطلاع عن أسعار المحروقات، تورط هذه الشركات في جني أرباح خيالية عبر تحايلات مثبتة، والسقوط في تركيزات احتكارية غير قانونية.
أخنوش، في ديناميته التواصلية، ربما وعى بخطورة هذه التحديات، ولذلك حاول أن يقدم نفسه باعتباره ابنا لشخصية سياسية رفيقة درب المهدي بن بركة، محاولا في ذلك التأسيس لشرعيته السياسية، كما حاول أن يصالح بين رجال الأعمال والسياسة، ليدفع أثر القنبلة المدوية التي أطلقها بنكيران حين قال منتقدا أخنوش بأن زواج المال بالسلطة خطر على الدولة، ثم حاول في ديناميته التواصلية الضرب على الوتر الحساس، من خلال إطلاق وعود انتخابية كبيرة من قبيل تشغيل مليوني مواطن في أفق 2025.
أما حزب الاستقلال الذي دخل في فترة صمت طويلة، عاد هو الآخر، ليحرك ديناميته التواصلية إقليميا وجهويا، مع إعلان أمينه العام نزار بركة، عن نية حزبه مراجعة موقف المساندة النقدية بناء على تقييم أداء الحكومة مقللا من نوعية الإصلاحات التي قامت بها الحكومة، وموجها لها انتقادات قوية تعطي صورة عن نية حزب علال الفاسي التوجه للمعارضة.
أما الأصالة والمعاصرة، فدخل في غيبوبة تفسر بالارتباك في إعادة رسم الحدود بينه وبين الدولة، بين مكونات لا تزال ترى أنها الأجدر بلعب دور إنهاء تجربة العدالة والتنمية، وبين مكونات أخرى تنطلق من نفس التقدير لكنها تقترح على الدولة إنهاء دور القيادة الحالية، وبين مكونات أخرى تنتظر الإشارة، لتحديد الوجهة القادمة، إما البقاء في الحزب أو الهجرة الجماعية نحو حزب الأحرار
المفارقة، أنه وسط هذه الديناميات المشتعلة، فإن أجندة العدالة والتنمية، لا تزال مرتهنة لتأمين الأغلبية الحكومية لضمان استمرار الحكومة، وإعادة هيكلة البنية الحزبية بعد المؤتمر، وعدم الانفعال بالديناميات الجارية مخافة التأثير على منطق الإنجاز في العمل الحكومي، ورعاية للمصالح العليا للوطن!
لحد الآن، لا شيء من هذه الديناميات يفسر لغز شهر نيسان/أبريل، لكن، على مستوى آخر، أي التحديات التي تواجه الوحدة الترابية، فهناك ما يرفع هذه العتمة، خصوصا وأن المغرب يواجه تحديات كبيرة من الممكن أن تؤثر على قرار مجلس الأمن الذي سيصدر في شهر أبريل القادم، إذ يخوض معركة دبلوماسية على واجهتين، أممية تتمثل في محادثات الوفد المغربي مع كوهلر المبعوث الأممي في لشبونة بشأن قضية الصحراء، وأوروبية تتمثل في مواجهة قرار المحكمة الأوروبية بخصوص اتفاق الصيد البحري، تلك المعركة التي تتطلب جبهة داخلية متراصة تفرض تأجيل أي خلخلة في الحقل الحزبي تضعف الموقف المغربي الداخلي في مواجهة هذه التحديات.
السيد أخنوش، حين سئل في لقائه مع القناة الثانية عن انتخابات سابقة لأوانها عقب حدوث هذه التطورات، قال بأن حزبه يعتزم الاستمرار في حكومة العثماني إلى آخر ولايتها.
شهر نيسان/أبريل، في العادة ما تظهر فيه نتائج الدينياميات الإقليمية والدولية حول قضية الصحراء، وقرار الأمين العام يعكس تطورات الموقف، مما يعني أن أي خلخلة عميقة للمشهد الحزبي لن تكون واردة في هذا المدى الزمني، إلا أن ينجح المغرب في استيعاب هذه التطورات، وتنجح دبلوماسيته في رد الأمور إلى نصابها. ففي هذه الحالة، يمكن أن تتحول وتيرة الدينامية السياسية لكل الأحرار والاستقلال والأصالة والمعاصرة فضلا عن حلفاء الأحرار الثلاثة إلى شيء آخر، مخالف تماما لتصريحه في القناة الثانية، ويمكن أن تختبر التطورات التي تجري على غير سنن الطبيعة، هل تتجه نحو إنهاء حكومة العدالة والتنتمية، أم أنها لا تسعى إلى أكثر من إضعاف وزنه السياسي والانتخابي؟
الراجح والمتوقع، أن تستمر الديناميات الحزبية الجارية بسقف التواصل وتقديم العرض السياسي، ولا يستبعد أن يتجه حزب الاستقلال إلى المعارضة ما دام الحقل السياسي المغربي يعيش أزمة معارضة، لكن، يبقى قرار إنهاء الحكومة مرتبطا بتطورات القضية الوطنية، وأيضا بالتكتيكات السياسية القادرة على خلق المبرر الدستوري لإنهاء الحكومة، ومنها على وجه الخصوص خيارات تفجير الأغلبية من الداخل.

٭ كاتب وباحث مغربي

لغز شهر نيسان في ديناميات السياسة في مغرب 2018

بلال التليدي

- -

3 تعليقات

  1. غالب الظن أن الإنتخابات السابقة لأوانها في نيسان القادم هي “سمكة أبريل”، تدخل في إطار مسلسل الإبتزاز السياسي الذي تعرض له حزب العدالة والتنمية منذ فوزه في الإنتخابات السابقة لسنة ٢٠١٦، من المحتمل أن يكون الهدف من تسريب الإشاعة جس نبض الرأي العام وفرض تنازلات أخرى على قيادات العدالة والتنمية، في بداية تشكيل الحكومة استطاعت قيادة حزب الأحرار المقرب من البلاط فرض شروطها رغم عدد المقاعد النيابية المحدود الذي حصلوا عليه، نفس السيناريو تكرر مع الحزب الإشتراكي رغم أن الأول له ٣٧ مقعد والثاني ٢٠ مقعد فقط في البرلمان في مقابل ١٢٥ مقعد نيابي لحزب العدالة والتنمية.
    إعلان إنتخابات سابقة لأوانها يسبقه إما سحب مجلس البرلمان الثقة من الحكومة أو تدخل الملك لحل البرلمان وإقالة الحكومة والإعلان عن حالة الإستثناء وكلا الإحتمالين لا يخدمان بالضرورة أجندات الدوائر النافذة في الظروف الراهنة.

  2. لا شك أن الإعداد للتخلص من حزب العدالة والتنمية جار على قدم وساق منذ ٢٠١٤، ومسألة نجاح المهمة هي قضية وقت ليس إلا، جرت العادة أن الدولة العميقة إذا عزمت الأمر تطلق فقاعات إعلامية لتهيئ الرأي العام المحلي وتتفادى مفعول الصدمة، من المعلوم أن التحالف الحكومي الحالي هش وهجين وممكن أن يحدث انسحاب لأحد مكوناته في أي لحظة، ومن المعلوم أيضا أن هناك ركود وغموض في نسق العمل الحكومي، لكن إجراء انتخابات مبكرة قد تفرز نفس الوضعية وتكلفتها تناهز ٥٠ مليون دولار مع تعطيل مؤسسات الدولة في ظرف يواجه المغرب تحديات خارجية يعد مغامرة غير محسوبة العواقب.
    النظام الإنتخابي بالأساس في المغرب الذي فصلته الدولة العميقة على مقاسها لا يسمح لأي حزب أن يحوز الأغلبية، بالإضافة إلى احتفاظ الدولة العميقة بأوراق أخرى للتأثير عن بعد على المسار الإنتخابي يجعل إعادة الإنتخابات غير ذي جدوى.
    من جهة أخرى إذا كان حزب الأحرار يملك حقيقة مشروع تنموي تحت مسمى “عقد الثقة” فلماذا يضعه على الرف حتى انتخابات ٢٠٢١ وهو جزء من الحكومة الحالية؟ أليس الأصوب والأجدى أن يعمل على تحقيقه من الآن بمعية حلفائه في الحكومة؟
    ذكر كاتب المقال أنه سجلت تجاوزات في الإستفادة من صندوق المقاصة لصالح شركات أمين عام حزب الأحرار حسب ما أقرته لجنة الإستطلاع على أسعار المحروقات لكن لم يحرك أحد ساكنا! لو حدث مثل هذا التجاوز في بلد ديموقراطي لخضع المعني بالأمر لمنابعة قانونية أو تحقيق من لجنة برلمانية وعلقت مهامه أو أجبر على الإستقالة، لكن في أوطاننا يمر الخبر مر الكرام!

  3. الحديث عن الانتخابات السابقة لأوانها عبارة عن مزايدات سياسوية. الملك محمد 6 لم يسبق له أن بادر إلى إعلان انتخابات قبل الأوان إلا في نهاية سنة 2011 إبان الربيع العربي و تعديل الدستور المغربي. كل ما في الأمر أن المؤتمرات الجهوية المتوالية التي ينظمها حزب التجمع الوطني برئاسة السيد أخنوش دفعت بعض الصحفيين و بعض أعضاء حزب العدالة والتنمية إلى أن يروا في تحركات السيد أخنوش حملات انتخابية لها خلفياتها…لكن هذه مجرد تخمينات ومزايدات فقط. فها هو حزب العدالة والتنمية ينظم عما قريبا جولات وتحركات في العديد من المناطق الداخلية والجبلية على الخصوص فهل نقول أن هذا الحزب يستعد هو أيضا لانتخابات سابقة لأوانها ؟

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left