مَرة واحد متماجن!

بلال فضل

Mar 09, 2018

ربما كان أفضل وأدق تعريفات الظرف وخفة الظل ما نقله الإمام أبو الفرج الجوزي عن بعض من دخلوا إلى الماريستان (مستشفى الأمراض العقلية)، وشرعوا في حوار عابث مع أحد نزلائه، سألوه: من السخي، فقال: الذي رزق أمثالكم وأنتم لا تساوون قوت يوم، سألوه: من أقل الناس شُكراً؟ فقال: من عوفي من بَلية ثم رآها في غيره، فترك الاعتبار والشكر إلى الطيبة واللهو، ثم حين سألوه: ما الظرف؟ قال: «خلاف ما أنتم عليه»، ليجعل بتعريفه ذلك الحكم بالظرف من عدمه مسألة شخصية، لا تخضع لمعايير دقيقة، وربما لذلك ختم أبو الفرج بذلك التعريف سلسلة تعريفات للظرف والمجون أوردها في صدر كتابه «أخبار الظُراف والمتماجنين» الذي افتتح به إسهامه في تأليف كتب النوادر والطرائف التي تريح النفس «إن مَلت من الجَد».
بعض التفسيرات كان يرى أن المجون هو ألا يبالي الإنسان ما صنع، ويرى بعضها أن الظرف هو جودة الكلام وبلاغته، وبعضها يراه تحمل المشاق، أو ترك ما لك وأداء ما عليك، في حين يرى آخرون أن الظريف هو حسن الوجه واللسان، وكلها كما ترى تعريفات إيجابية، فلم تكن كلمة ظريف قد تحورت دلالاتها، لتستخدم في السخرية ممن يظن نفسه ظريفاً وخفيف الظل.
لو كان قد سبق لك أن قرأت بعضاً من كتب النوادر والطرائف التي كتبها الفقهاء، ستدرك أنها ليست بالضرورة مصدراً لإثارة الضحكات العالية، أو حتى البسمات العريضة، بقدر كونها مصدراً للتعرف على أحوال وثقافة العصر الذي عاش فيه أبطال تلك النوادر، من حين لآخر ستجد طرفة تثير الضحك، أحياناً بعد إعادة صياغتها بشكل عصري، لكنك كثيراً ستجد في تلك الكتب ما تتوقف عند مغزاه ودلالته، خذ مثلاً هذه الواقعة التي يرويها كتاب ابن الجوزي بعد سلسلة من نوادر النبي عليه الصلاة والسلام وصحابته، والتي يقول فيها معاوية لعقيل ابن أبي طالب: «إن فيكم شبقاً يا بني هاشم، قال: هو منا في الرجال، وهو منكم في النساء». أو تلك «النادرة» الواردة في سياق المداعبات الزوجية بين زوج شهد غزوة مع رسول الله، فقتل رجلاً بعد أن ضربه ضربة، ثم تزوج ابنته بعد ذلك، فكانت تقول مشيرة إلى جرحه: لا عدِمتُ رجلاً وشحك هذا الوشاح، فيرد عليها: لا عدِمتِ رجلاً عجل أباكِ إلى النار، أو تلك النادرة الموجهة للفقهاء والمعلمين التي تروي أن أبا هريرة قال: لا يزال العبد في صلاة ما لم يُحدث، فقال رجلٌ أعجمي: ما الحدثُ يا أبا هريرة؟ قال: الصوت، قال: وما الصوت؟ فجعل أبو هريرة يضرط بفمه حتى أفهَمَه.
في فصل خصصه لنوادر العلماء، يروي ابن الجوزي أن أشعب الطفيلي الأشهر في التاريخ العربي جلس بناء على طلب الناس لكي يحدثهم في العلم بدلاً من الهذر الذي لا ينفع، فبدأ حديثه قائلاً: سمعت عكرمة يقول سمعت ابن عباس يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خِلتان ـ خصلتان ـ لا تجتمعان في مؤمن، ثم سكت، فقالوا: ما الخِلتان؟، فقال: نسي عكرمة واحدة، ونسيت أنا الأخرى. يروى عن السناني أنه دخل مع أبي حنيفة على الأعمش، فقال: يا أبا محمد لولا أنني أكره أن أثقل عليك لزدت في عيادتك، فقال له الأعمش: أنت تُثقل عليّ وأنت في بيتك، فكيف إذا دخلت عليّ؟ ويروي وكيع أنه كان يوماً عند الأعمش فجاء رجل يسأله عن شيء، فقال له: إيش معك، قال: خوخ، فجعل يحدثه بحديث ويأخذ منه خوخة، حتى نفد الخوخ، فسأله: بقي شيء؟ فقال: فني يا أبا محمد، فقال له: قم قد فني الحديث. مما يرويه أيضاً أن رجلاُ دخل على بشر بن الحارث وهو مريض فقال له: أوصني، فقال: إذا دخلت إلى مريض فلا تُطِل القعود عنده. كما يروي أن حُجراً المدري تلقى أمراً بلعن الإمام علي داخل المسجد، فقال للناس: إن الأمير محمد بن يوسف أمرني أن ألعن علياً، فالعنوه لعنه الله، فلم ينتبه سوى رجل واحد لمقصده، لينجو المدري بحيلته في التقديم والتأخير.
وسط النوادر الطويلة التي لا تسعها المساحة، يورد ابن الجوزي طرائف قصيرة سريعة، تصلح للحكي على طريقة «مرة واحد متماجن»، من بينها ما يرويه الصاحب بن عباد عن مجيئه من دار السلطان شاعراً بالضجر، فسأله رجل: من أين أقبلت؟، فقال: من لعنة الله، فقال: رد الله عليك غربتك. وقول رجل لغلامه: يا فاجر، فقال: مولى القوم منهم. وقول سليمان الأعمش لابنه: اذهب فاشترِ لنا حبلاً يكون طوله ثلاثين ذراعاً، فقال: يا أبتِ في عرض كم، قال: في عرض مصيبتي فيك. وقول امرأة لزوجها الذي يضيق عليها: والله لا تقيم الفئران في بيتك إلا لحب الوطن، وإلا فهن يسترزقن من بيوت الجيران. وقول قومٍ لأبي تمام: لم تقول ما لا نفهم، فقال: لم لا تفهمون ما أقول؟. وقولهم لكذاب: هل تذكر أنك صدقت قط؟ فقال: لولا أني أخاف أن أصدق لقلت: نعم. وما يروى عن إعرابي اشترى غلاماً فقيل له إنه يبول في الفراش، فقال: إن وجد فراشاً فليبُل فيه. وقولهم لإعرابي: أي وقت تحب أن تموت؟، فقال: إن كان ولا بُد فأول يوم من رمضان. وقولهم لرجل ركب البحر: ما أعجب ما رأيت؟، قال: سلامتي. وقول واعظ للناس: إذا مات العبد وهو سكران دُفن وهو سكران، وحُشِر وهو سكران، فقال رجلٌ في طرف الحلقة لآخر: هذا والله نبيذٌ جيد، يسوى الكوز منه عشرين درهماً.
يروي الإمام أبو الفرج الجوزي وهو من هو في علمه وفقهه، نوادر لو كتبها كاتب اليوم في رواية أو كتاب، لأدخلته السجن مداناً بازدراء الأديان، ممن يحتفظون بكتاب الجوزي في مكتباتهم، من بينها حكاية رجل قيل له: أخرج لنا من الأرض بطيخة، فقال: اصبروا عليّ ثلاثة أيام، قالوا: ما نريد إلا الساعة، فقال إن الله تعالى يخرج البطيخة في ثلاثة أشهر، أفلا تصبرون عليّ ثلاثة أيام؟ وحكاية آخر من مدعي النبوة، زعم أن الله تعالى أوحى إليه ما يعارض به سورة الكوثر فقال له رجل: أسمعني، فقال: إنا أعطيناك الجواهر، فصل لربك وهاجر، فما يؤذيك إلا فاجر، فقتله الوالي وصلبه فعبر إلى جوار جثته الرجل الذي سأله في البدء وقال: إنا أعطيناك العمود، فصل لربك من قعود، بلا ركوع ولا سجود، فما أراك تعود. وحكاية عطأر ماجن قال حين رأى امرأة قبيحة «وإذا الوحوش حُشرت»، فردت عليه قائلة: «وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه». وأخيراً هذه نادرة تندرج تحت بند مقارنة الأديان، تقول: كان في المدينة عطاران يهوديان، فأسلم أحدهما وخرج فنزل العراق، فالتقيا ذات يوم فقال اليهودي للذي أسلم: كيف رأيت دين الإسلام؟، قال: خير دين إلا أنهم لا يدعونا نفسو في الصلاة كما كنا نصنع ونحن يهود، فقال له اليهودي: ويلك، افسُ وهم لا يعلمون.
….
ـ «أخبار الظُراف والمتماجنين» ـ أبو الفرج الجوزي ـ طبعات متعددة

٭ كاتب مصري

مَرة واحد متماجن!

بلال فضل

- -

5 تعليقات

  1. شكرا جزيلا على هاته الاطلالة المفيدة والمريحة كل يوم يا أستاذ بلال فضل….

  2. شكرا لك استاذ بلال روحت على بالنا شوية وشكرا مرة ثانية

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left