الانتخابات الإيطالية: شبح موسوليني وأطياف ماركس

صبحي حديدي

Mar 09, 2018

هل تقدمت الأحزاب الشعبوية، أم راوح اليمين التقليدي في مكانه، أم تراجع يسار الوسط، في ضوء نتائج الانتخابات التشريعية الإيطالية الأخيرة؟ الإجابات، على الأسئلة الثلاث، يمكن أن تكون صحيحة؛ باشتراط أنها تنطلق من مبدأ النسبية، والمعنى الملموس الذي تحمله حركة التقدم والتراجع؛ وما إذا كان الأمر يقتصر على الأرقام وأعداد المقاعد، أم يتجاوزه إلى الدلالات الأعمق محلياً، اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً، والمضامين التي لا تقلّ عمقاً على صعيد الجوار الأوروبي والميول الكونية، وهل ستتيح جملة التناقضات المستعصية، التي أسفرت عنها الانتخابات، تبلورَ أيّ من السيناريوهات المستعصية في تشكيل حكومة مستقرة بعض الشيء.
على سبيل المثال الأوّل: كيف أمكن لحركة «5 نجوم» أن تتصدر نتائج الانتخابات، فتحصد 231 مقعداً، من أصل 630؛ هي التي ينهض برنامجها على مناهضة المؤسسة والعزوف عن الحكم؟ وهل ستتغير خيارات الحركة الآن، بعد الفوز، و«تتحمل مسؤولياتها» كما أشار زعيمها لويجي دي مايو في تعليقه على نتائج الانتخابات؟ وكيف ستتمكن من الحفاظ على تماسكها الداخلي، كحركة احتجاج عابرة لخطوط اليمين والوسط واليسار، إذا دخلت في ائتلاف حاكم، سواء مع يسار الوسط أم «رابطة الشمال» القوموية المتشددة؟
المثال الثاني يستأثر به سلفيو برلسكوني، رئيس الحكومة الأسبق، الملياردير الشهير، وزعيم «فورتسا إيطاليا»: محظور عليه شغل منصب رئيس الحكومة، بسبب قضايا فساد عديدة، ولكن المجموعة السياسية التي يقودها حصدت نسبة 13.49٪، رغم تراجعها بسبع نقاط؛ وهي رقم يتوجب احتسابه، ومساومته، في أي مفاوضات يمكن أن تشهد ولادة صفقة اتفاق حول تشكيل الحكومة. ليس هذا فحسب، بل إنّ برلسكوني يرشح أحد رجالات حزبه لرئاسة الحكومة في حال الاتفاق مع «رابطة الشمال»، وليس زعيمها ماتيو سالفيني، رغم حصول الرابطة على نسبة 17.69، بزيادة 13.59!
مثال التناقضات الثالث يلمسه المرء في حقيقة أنّ العنوان الأكبر لهذه الانتخابات الإيطالية هو استفحال العداء الشعبي (وليس الشعبوي، بالضرورة) ضدّ الاتحاد الأوروبي، وبقاء إيطاليا رهينة اشتراطاته الاقتصادية على نحو خاصّ؛ وذلك في أعقاب ثلاثة تطورات كانت جديرة بتنمية مشاعر معاكسة: 1) انكشاف مدى الأضرار التي سوف تلحق بالاقتصاد البريطاني، جراء التصويت على مغادرة الاتحاد الأوربي؛ و2)، الفوز الساحق الذي حققه حزب الرئيس الفرنسي إمانويل ماكرون في الانتخابات التشريعية، رغم اعتماده فلسفة سياسية واقتصادية واجتماعية مؤيدة بقوّة لخيار الاتحاد الأوروبي؛ و3) نجاح المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل في مفاوضات شاقة مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي لتشكيل حكومة ائتلاف، على بطاقة مؤيدة بدورها لاقتصاد أوروبي اتحادي.
البعض يقرأ هذه التناقضات من منطلقات بسيطة، لا تخلو من تبسيط موروث بالطبع: إنها عوامل الاقتصاد، والبطالة، ويقظة القوميات وما يقترن بها من عنصريات، تجاه موجات الهجرة بصفة خاصة. ذلك كله صحيح، بالطبع، ولكنه لا يفسّر مقدار هذا الاختلاط في النزوعات الانتخابية الشعبية، وثمة مَن يتحدّث عن «هويات» تائهة لا تعرف تخوماً واضحة لليمين أو الوسط أو اليسار؛ كما أنه لا يكفي لتأويل مقدار السخط، ثمّ حسّ المظلمة الغريزي، الذي يدفع الناخب (في معظم الديمقراطيات الغربية، وليس في إيطاليا وحدها) إلى إنزال العقاب بالائتلاف الحاكم، أياً كانت صفته الإيديولوجية، ما دامت برامجه الاجتماعية ـ الاقتصادية قد قصّرت أو أخفقت. بات ثابتاً، بعد أن تكرر مراراً، أن يدلي الناخب في هذه الديمقراطيات بصوته وهو مثقل تماماً بضغوط الاعتبارات الإجتماعية (العمل، التعليم، الصحة، السكن، النقل…)، أكثر من الاعتبارات الإيديولوجية (يسار الوسط، يسار اليسار، يمين الوسط، اليمين القومي العنصري، والقواسم الليبرالية في هذا الخضمّ كلّه).
البعض يساجل، مثلاً، بأنّ يسار الوسط في إيطاليا لم يوجد في أيّ يوم، لكي يُقال إنه الآن يتراجع أو ينهزم. لقد ولد قبل عقد فقط، على قاعدة تفاهمات غائمة بين شيوعيين سابقين وكُتل كاثوليكية وسطية، كما كما تكتب أنا موميغليانو، وسبح مع الموجة العامة التي حملت مجموعة أحزاب يسار الوسط إلى السلطة، طبقاً لنموذج أمثال أولوف بالمه في السويد برونو كرايسكي في النمسا وفيلي براندت في ألمانيا. لكنّ اليسار الأوروبي، ابتداء من عقد التسعينيات، اعتنق نظرية «السبيل الثالث»، على هدي رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، فانتقل من يسار الوسط الديمقراطي إلى يسار الوسط الليبرالي، وكفّ بالتالي عن تمثيل هواجس الجموع الشعبية الفقيرة، أو حتى تلك التي تنوس أسفل الطبقة الوسطى؛ فانتقلت قطاعات واسعة من هذه الشرائح نحو الأحزاب اليمينية القوموية والشعبوية، أو أحزاب السخط والاحتجاج ورفض المؤسسة.
ثمة، أيضاً، أولئك الذين يحذرون من يقظة الفاشية، ليس دون سلسلة من الأسباب الوجيهة التي لم يكن نصفها متوفراً في المجتمع الإيطالي حين صعد بنيتو موسوليني، وقبله أدولف هتلر في ألمانيا، على ركائز قوموية واجتماعية شعبوية. صحيح أنّ شبح موسوليني لا يحوم اليوم في ليالي إيطاليا ما بعد الانتخابات الأخيرة، ولكنّ أشباح برلسكوني وسالفيني، وأقلّ منهما جورجيا ميلوني زعيمة «أشقاء إيطاليا»، ليست أقلّ تبشيراً بأخطار اجتماعية عاصفة كي تُستبعد عنها صفة التذكير بالفاشية. وفي نهاية المطاف، ألم تنهض معادلة برلسكوني السياسية والأخلاقية على الغشّ والخفّة واقتناص الأرباح السريعة الرخيصة، من جانب أوّل؛ وعلى الغطرسة والعنصرية والتحقير الثقافي والحضاري للآخر غير الإيطالي وغير الغربي عموماً، وللعربي والمسلم بصفة خاصة، من جانب ثانٍ؟ ألم يمثّل خطابه واحداً من أسوأ نماذج انحطاط الديمقراطية الغربية، حين أُتيح لرجل الأعمال وأغنى أغنياء إيطاليا أن يشتري السياسة بالمليارات، تماماً كمَنْ يعقد صفقة شراء نادٍ لكرة القدم؟
أم لعلّ الانتخابات الإيطالية، ومثيلاتها في معظم الديمقراطيات الغربية، تعيد التذكير بأطياف كارل ماركس التي تحوم هذه المرّة في بورصات الرأسمالية العالمية؛ مذكّرة جماهير هذه الديمقراطيات بأنّ أعاصير الأزمة المالية الكونية للعام 2008 لم تكن بفعل موجات الهجرة، ولا يقظة القوميات واستفحال تدرّن الهويات، بل بدأت في حفنة قليلة من المصارف العملاقة، ومنها عصفت بالحشود والجموع والطبقات. وليس عسيراً أن نشهد استقطابات عميقة تتحرّك في السطوح الأعمق من السياسة اليومية، الميدان المعلن الذي يتبدّى فيه عجز الإقتصاد الرأسمالي عن تطويع الحياة اليومية، وكذلك في ثقافة إنزال العقاب وتأزيم اللعبة الديمقراطية عبر صناديق الاقتراع. ويكفي أن يتابع المرء ما يجري في أيّ من البلدان الرأسمالية الأساسية، في أمريكا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، بصدد السياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع أو الثقافة أو الحرب أو السلام… لكي يتذكّر المرء نبوءة ماركس الرهيبة حول طبقات حاكمة لا تملك سوى أن تخلق حفّاري قبورها!
وما شهدته إيطاليا مؤخراً مناسبة جديدة لكي نتذكر أنّ «السبيل الثالث»، الذي أودى بمعنى اليسار الليبرالي هنا وهناك، هو خطّ الوسط القديم ـ الجديد دون سواه: خطّ الوقوف عند نقطة متساوية بين أقصَيَين، وخطّ التوسّط بين اليسار واليمين في عبارة أوضح. ومنذ أن دعا البابا بيوس الثاني عشر إلى سبيل ثالث بين الإشتراكية والرأسمالية في نهاية القرن التاسع عشر، كان المصطلح يصعد هنا وهناك في الثقافة السياسية الغربية، وكلما اقتضى الأمر هذا أو ذاك من أشكال التصالح أو التحالف أو المساومة. وإذا لم يكن سبيلاً ثالثاً بين أشباح موسوليني وأطياف ماركس، هذا الذي تشهده إيطاليا اليوم، فلعله ذلك الكابوس القديم الذي شخّصه ونستون تشرشل: «الحجة الأفضل ضدّ الديمقراطية هي نقاش من خمس دقائق مع ناخب عادي»!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

الانتخابات الإيطالية: شبح موسوليني وأطياف ماركس

صبحي حديدي

- -

1 COMMENT

  1. الأخ صبحي،
    بالعربي الفصيح، «الديمقراطية الليبرالية» أو «الليبرالية الديمقراطية»، حسب طغيان أهمية كل منهما على الأخرى في السياق المعني، هي الوجه التمويهي «المؤنسن» للرأسمالية، هي حتى الوجه التمويهي الأكثر «أنسنة» لرأسمالية الدولة بعينها.
    ولكني أرى أن البديل عن ذلك السبيل الثالث بين أشباح موسوليني وأطياف ماركس الذي تشهده إيطاليا الآن، لا يكمن في ذاتِ الكابوس القديم الذي شخَّصه ونستون تشيرشل: «الحجة الأفضل ضدَّ الديمقراطية هي نقاش من خمس دقائق مع ناخب عادي»، بل يكمن في ذاتِ الكابوس الأكثر قدامةً الذي شخَّصه جورج برنارد شو: «من نقائص الديمقراطية هي أنها تجبرك على الإصغاء إلى آراء الحمقى»!

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left