فرص ضائعة للاستفادة من التاريخ: وثائقيات «بي بي سي»… عشيقة سريّة لتشرشل… واجترار «الحضارات»

ندى حطيط

Mar 09, 2018

إنتاج ميلود درامي أو وثائقي يستقي مادته الخام من التاريخ والأحداث الواقعيّة، كان دوماً مغامرة خطرة لا حلول وسطى فيها. إذ يمكن أن يستقطب العمل جمهوراً هائلاً فيصبح حديث المجتمعات، أو ينتهي مهملاً إلى دوائر المتابعين المتخصصين الضيقة. الوصفة السحرية للإبهار كانت دائماً في قدرة صانعي العمل على إضافة جرعة من أسرار مثيرة أو سرديّة مختلفة أو حتى تصورات خياليّة نقيضة للرواية الرسميّة السائدة. ثلاث أعمال تلفزيونيّة جديدة شاهقة الأهمية لم تحسن تطبيق هذه الوصفة السحرية فأسقطت فرص الاستفادة من القوّة الفذّة للمادة التاريخيّة.

عشيقة تشرشل السرية

تستمر المنافسة متدفقة لاهثة على استقطاب المشاهدين (والمعلنين) بين الشاشات التلفزيونيّة التقليديّة وغريمتها مواقع الاشتراكات على الإنترنت كـ»نتفليكس» و»أمازون» و»سكاي»، والتي تتكاثر حصتها من (كعكة) السّوق، إذ هي تغرق الشاشات بعدد مهول من الانتاجات الدراميّة المكلفة التي كثير منها يستحق المتابعة لما فيها من إضافات نوعيّة، سواء القيمة الفنيّة أو الفكريّة أو حتى البصريّة. هذا ما دفع تلفزيون القناة الرابعة البريطاني إلى البحث عن مساحة مختلفة – وأقل تكلفة – لاستقطاب المشاهدين من خلالها، فكان الخيار فضاء اسمه أسرار التاريخ.
فالمشاهدون على أغلبهم يعتلون عادة ناصية الاختلاف، وكأنهم يصطفون في خطين متوازيين لا يلتقيان، فإما هم على تماس حقيقي مع الوقائع والاحداث التاريخيّة أو هم غير آبهين للوراء لا يديرون له الرؤوس، ولذا فإن البرامج الوثائقيّة المخصصة لسرد وقائع تاريخيّة بارتدائها ثوباً مدرسيا ناحية الأسلوب تنتهي في معظمها إلى زوايا الإهمال ولا ترقى إلى تحقيق إقبال استثنائي من قبل المتلقين. المفردة السحرية لخلق حالة التغيير البارق هي لحظة كشف النقاب عن وجه أسرارٍ وفضائح وحقائق تخرج من موتها في قلب أحداث تاريخيّة أو معاصرة معروفة، أو أنها تعيد سرد الوقائع بصيغة مغايرة للرواية المدرسيّة المتداولة. وبالفعل فقد نجحت القناة الرابعة من خلال تبينها هذه الاستراتيجيّة في قلب معادلات إقبال المشاهدين، فطرحت وثائقي جديد عن الأميرة ديانا عرضت فيه مقاطع لم تُذع مسبقاً عن معشوقة القلوب الراحلة وهي تتحدث عن تجربتها المريرة مع وريث العرش البريطاني، ولاحقاً قدّمت برنامجاً جريئاً عن المسلمات البريطانيات وكيف يتعاطى معهن الشارع لا سيّما بعد أحداث الإرهاب المنسوبة لإسلاميين من خلال ممثلة بريطانيّة تنكرت كباكستانيّة مسلمة.
آخر مشاريع الصندوق الأسود لأسرار التاريخ على القناة الرّابعة عرض الأسبوع الماضي بعنوان علاقة تشرشل الغراميّة السريّة Churchill’s Secret Affair.
الجميع في بريطانيا والعالم ونتيجة لعقود طويلة من التحكم بالسرديّة التاريخيّة يكادون يشتركون في رؤية رئيس وزراء المملكة المتحدة أثناء الحرب العالميّة الثانية وكأنه زعيم الأمة، أب الجميع، والزوج المثالي لسيّدة بريطانيّة تقليديّة تشبه معظم سيّدات الطبقة الوسطى في ذلك البلد، والمشغول أبداً بإدارة دفة سفينة البلاد في وقت تتقاذفها أمواج عاتية تهب من قلب أوروبا الألماني. لكن تلك الصورة ليست الحقيقة بالطبع. فالرّجل – مع كل إنجازاته التاريخيّة في خدمة الإمبراطوريّة البريطانيّة لحظة غيابها – كان مخلوقاً سياسيّاً دون مبادىء، يريد البقاء في السلطة بأي ثمن ويحسن اقتناص اللحظة المناسبة.
إلا أن القناة الرابعة قررت الذهاب أبعد من ذلك. إذ كشفت في برنامجها الوثائقي هذا حقيقة صادمة مفادها أن تشرشل كان على علاقة غراميّة آثمة مع سيّدة متزوجة سيئة السمعة، وأنّه كان يهرب من مسؤولياته الحكوميّة والعائليّة ليقضي معها أوقاتاً حميمة. ويبدو أن تلك السيّدة وبمعرفة زوجها حاولت ابتزاز رئيس الوزراء بفضح علاقتهما دون أن نعرف على وجه الخصوص كيف انتهت تلك المحاولة. هذا الكشف التاريخي غير المسبوق يسجّل بالفعل لمصلحة القناة الرابعة التي مع ذلك يبدو أنها لم تستفد كثيراً هذه المرّة من (أسرار التاريخ) في استقطاب عديد هائل من المشاهدين وذلك نتيجة تهورٍ نزقٍ لفريق التسويق عبر حملة الإعلانات الواسعة النطاق عن الوثائقي والتي كشف فيها (البرومو) في جرعة كثيفة وصارخة عن العشيقة التي كانت مختبئة في عتمة الوراء ولم يعد أي تفصيل آخر قادر على فتح نوافذ فضول الناس للتسمّر في أماكنهم للمشاهدة.

رجال القاعدة في مسلسل بوليسي أمريكي عن 11 سبتمبر

فرصة القناة الرابعة الضائعة، لاسثمار المادة التاريخية سيكررها فيما يبدو المسلسل الأمريكي الجديد (البرج الذي لاح في الأفق أو The Looming Tower) والذي بدأ عرضه حديثاً في الولايات المتحدة على منصة الاشتراكات هولو وفي بقيّة العالم على خدمة أمازون فيديو.
فالمسلسل الدرامي التشويقي والذي تتمحور أحداثه حول هجومات الحادي عشر من سبتمبر كان يعِد نظريّاً بتقديم شيء مختلف يسرق المشاهدين من الشاشات الأخرى ،لا سيّما بعد مرور ما يقرب ال 17 عاماً على الحادثة وتعدد الرّوايات بشأن حقيقة الهجوم ودوافع منفذيه وارتباطاتهم وهي في أغلبها روايات تقترب إلى نظريّة المؤامرة وتتسبب بثقوب واسعة في ثوب الرواية الرّسميّة للسلطات الأمريكيّة.
لكن القائمين على العمل تجرعوا سمّ السلامة فيما يبدو فتجنبوا أي إشارات قد تختلف عن روح الرواية الرسميّة، بل وابتُدِعت أحداثٌ وغيّرت شخصيات حقيقيّة لتصب في ذات السرديّة الباهتة. وهكذا أسقط (البرج الذي لاح في الأفق) القيمة الدراميّة الواعدة التي كان بالإمكان تقديّمها من خلال التصدي لحادثة لم تزل حبلى بالأسرار التي لم تُكشف والأوراق التي لم تبعثر، لينتهي (البرج الذي لاح في الأفق) مجرد مسلسل تشويق بوليسي أمريكي آخر دون أن يجيب على جبل الاسئلة المتراكمة وأكوام التساؤلات عن الذي حدث في ذلك اليوم، عندما احترقت الطائرات والأبراج والبشر، واحترقت معهم الحقيقة.

الحضارات يجتر وثائقي الحضارة

قدّم المذيع والمؤرخ البريطاني كينيث كلارك سلسلة من 13 ساعة وثائقيّة نهاية الستينيات من القرن الماضي سرد فيها قصّة متكاملة لتاريخ الفن البشري والعمران عبر القرون منذ أيّام كهوف اللاسكو في إسبانيا العصور القديمة إلى فنون العمران الحديثة في نيويورك. تحولت هذه السلسلة إلى واحدة من أهم السلاسل الوثائقيّة الكلاسيكيّة التي تفتخر بها «بي بي سي» وبقيت لعدة عقود مرجعاً كلاسيكياً للطلاب و للمهتمين بتاريخ الفنون. على أن تلك السلسلة تعرضت للنقد دائماً بوصفها نتاج المركزيّة الأوروبيّة، وبأن كلارك قدّم فيها سرديّة تليق بمؤرخ بريطاني أبيض البشرة على حساب حضارات العالم الأخرى، ولذا أرادت المؤسسة الإعلاميّة الأعرق في العالم – في ما يتعلق بالوثائقيّات – أن تعيد تقديم سلسلة (الحضارة) بعد خمسين عاماً متسلحةً بتكنولوجيا التصوير الهائلة، ولمحاولة تقديم سرديّة تكون أكثر توازناً من رواية كلارك. وضعت «بي بي سي» ثقلها المادي والمعنوي وراء السلسلة الجديدة (الحضارات) واستدعت من أجلها عدة مؤرخين بريطانيين معروفين، واستعرضت عضلاتها في تصوير المواقع والآثار بتقنيّات الدرون – الطائرات من غير طيار – المتقدمة، لكن النتيجة بما فيها من إبهار بصري ظاهر فشلت على ما يبدو في إقناع المشاهدين بالسرديّة – المفترض أنّها مستحدثة – لتاريخ فنون العالم، بل وذهب محرر الفنون في «بي بي سي» نفسها والناقد المعروف ويل غومبريتس إلى القول إن (الحضارات) فشلت في إزاحة (حضارة) كلارك عن عرش وثائقيّات تاريخ الفن. فبالرغم من مرور نصف قرن حافلة فقد سقطت تجربة التجديد في فخ الاجترار ولم تنحت أي أفق مغاير ولم تكشف أي مخبوء في قوارير تاريخ الفن البشري، ولم تكن السرديّة الحديثة سوى إعادة ترتيب للسردية الأسبق بشكل أو بآخر دون تغيير جذري في طريقة تقديم المنتج الفني التاريخي. وحتى محاولات إدراج مساحة أوسع للفنون غير الغربيّة بدت ساذجة وتجميليّة وتنطلق من ذات النظرة الغربيّة الأوروبيّة.
ربما غاب عن ذهن «بي بي سي» وهي تجتر تصورها عن الحضارة أن هنالك سرديات أخرى بديلة تبدو اكثر اقناعا في تفسير العالم خارج المركزية الاوروبية المقيتة.
التاريخ – في إطار الدراما والوثائقيات – كما في الحياة ملعب الأذكياء.

إعلامية لبنانية تقيم في لندن

فرص ضائعة للاستفادة من التاريخ: وثائقيات «بي بي سي»… عشيقة سريّة لتشرشل… واجترار «الحضارات»

ندى حطيط

- -

2 تعليقات

  1. *شو تفرق (تشرشل) له (عشيقة) أو لا..؟!
    *معظم زعماء العالم (قديما وحديثا )
    كان لهم عشيقات .
    سلام

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left