سيكولوجيا الانضمام إلى الجماعات الإسلامية المسلحة

عبدالله الجبور

Mar 17, 2018

تسلّق بشكل مفزع مجموعة من الطلبة في مدرستي الثانوية سور المدرسة الكائنة في مدينة المفرق شمال شرق الأردن، هروباً باتجاه الشرق إلى الخط الحدودي بين الأردن والعراق؛ كان ذلك بعد نهاية يوم دراسي تقليدي ممل، تحديداً في صيف العام 2004، علمت لاحقاً أن هؤلاء الطلبة قد وصل بالفعل قسم منهم إلى الحدود العراقية للمشاركة في (الجهاد) في الحرب الأمريكية ضد (الشعب العراقي)، وقتها لم أهتم كثيراً في الدافع وراء عملية الالتحاق بقدر اهتمامي بسؤال: لماذا اتخذوا سور المدرسة ممراً لهم، مع العلم أن باب المدرسة كان مفتوحاً؟
بعد مدة من الزمن، توصلت أن هناك محفزات نفسية تدفعنا لارتكاب سلوكياتنا التي ندركها بعد وقت من تنفيذنا لها.
للوصول إلى تلك المحفزات النفسية؛ بدأت عملية البحث عبر تساؤلات وضعتها بنفسي، من بينها: هل الفقر أو تدني مستوى المعيشة هو سبب الالتحاق بالجماعات الإسلامية المسلحة؟ ما الذي يحفزني للمشاركة في معركة غالباً سيتم قتلي خلالها؟ هل الدين الإسلامي يحثنا على ذلك؟ هل سأذهب إلى الجنة بعد (استشهادي)؟
بعد مشاركة الأردنيين في حرب العراق، وبعد ظهور التنظيمات الجديدة في سوريا والعراق عام 2010 على الميدان كجماعات قتال باسم الدين الإسلامي، كان لابد من العودة إلى تفسير الظاهرة بشكل أكثر دقة، ساعدني في ذلك عدة عوامل، وهي:
أولاً: دراستي الجامعية في مدينة معان جنوب الأردن، المدينة التي تعتبر نسبياً من بين أكثر المناطق التي تصدّر مقاتلين للجماعات الجديدة باختلاف أسمائها ونطاق عملها، المدينة التي يبرهن المستوى المعيشي الجيد لسكانها على أن الفقر ليس سبباً رئيسياً للالتحاق بالتنظيمات الإسلامية المسلحة.
ثانياً: عملي كباحث اجتماعي ميداني في جمع البيانات لصالح مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية؛ العمل الذي أتاح لي فرصة زيارة جميع المناطق الأردنية تقريباً، والتحدث مع شرائح مختلفة على الامتداد الجغرافي الأردني، وتنفيذ مسوحات دورية منها ما هو متعلق بالتطرف الديني ومواضيع تتعلق بتوجهات الرأي العام حول قضايا مختلفة تتعلق بالمجتمع الأردني. استخدمت فرضية تقول إن التعليم الديني التقليدي هو أهم أسباب الحشد الدافعة لانضمام الشباب في الجماعات الدينية المسلحة.
قادتني عملية البحث وعبر استخدام منهج تحليل المضمون إلى أكثر أدوات التعليم الديني تأثيراً على السلوك، وهي خطبة الجمعة، وذلك لعدة أسباب؛ أولاً لأنها إلزامية، ثانياً لأنها دورية بواقع درس أسبوعي منتظم، ثالثاً أن خطاب شيخ الجامع في الدرس هو تلقيني ولا يمكن مناقشته، رابعاً لأنها تأتي في يوم عطلة، وبالتالي تستمع إليها الشريحة الأكبر في المجتمع.
تتفق معظم الدراسات المتعلقة بالتطرف الديني بأن السبب الرئيسي من ورائه هو الفقر والتهميش، حتى الدراسات الميدانية الدورية التي نفذتها لصالح مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية؛ تعزو الفقر سبباً رئيسياً لعملية التطرف، في الحقيقة أن هذه النتيجة ليست عاملا رئيسيا أو المسبب الأول لذلك، فالتعليم الديني التقليدي – تحديداً خطبة الجمعة كدرس أسبوعي دوري – لها التأثير الأكبر على تغيير سلوك الأفراد، وحشدهم باتجاه الالتحاق بالجماعات الدينية المسلحة، وأحيانا عن لاوعي من خطيب الجمعة، فقط لتكراره خطاب من سبقوه دون أن يكون مدركًا لقوة الكلمات التي تنبع من مكان ديني.
كيف ذلك؟ نعلم جميعاً أننا في العالم 2018، وما زالت خطبة الجمعة تحتوي على رسائل الكراهية تجاه الآخر، على سبيل المثال: ما زال الدعاء (اللهم عليك بالصليبيين ومن والاهم) ودعاء (اللهم عليك باليهود والنصارى والمجوس وأرنا بهم يوماً لعجائب قدرتك) موجود على المنابر، نعم هذا خطير لكنه ليس رئيسياً في تحليل سبب التحفيز للمشاركة في العمليات القتالية، قبل أن أنتقل الى التحليل الذي نتج عن تحليل المضمون وربطه بالسلوك، علينا التركيز على أي الجماعات الإسلامية الأكثر جذباً للشباب المتلقي للدرس الديني؟
سنجد جبهة النصرة بالدرجة الأولى، وما يسمى تنظيم الدولة الاسلامية (داعش) بالدرجة الثانية، وإذا ما أردنا معرفة الفارق بين هذه الجماعات وتنظيم القاعدة في السابق، سنجد أن كليهما يريد الوصول إلى دولة إسلامية، لكن الأولويات تختلف؛ تنظيم القاعدة أولويته هي محاربة ما يسميهم (الكفار) ويرتكز في ذلك على الدول الغربية، بينما أولوية الجماعات الجديدة هي محاربة ما يسمونه (المرتدين) أي المسلمين غير المنتظمين معهم؛ على غرار أنت لست معي فأنت ضدي. بناء على ما سبق، يمكن القول أن الدعاء الأكثر تكراراً هو: (اللهم انصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان) ودعاء (اللهم احشرنا مع الشهداء والصديقين) ودعاء (اللهم عليك بأعدائك أعداء الدين) دون تعريف/تفسير من هو المجاهد ومن هو الشهيد ومن هو عدو الدين؛ يشكّل دورا كبيرا في حشد النفس للانتقال إلى المكان الذي يتمناه الجميع (الجنة) حيث تطرح هذه التكرارات أزمة/مشكلة يعاني منها الدين الإسلامي، ويضع الحل لهذه المشكلة، الأمر الذي يعمل على تحفيز النفس للمشاركة في أزمة الدين، والدور الذي يجب أن نقوم به هو (الجهاد) خصوصاً من قبل أولئك الشباب الذين ارتكبوا الأخطاء في حياتهم ويريدون تصحيح تلك الأخطاء بأية وسيلة، وأيضاً اولئك الشباب الذين يريدون رد الجميل إلى والديهم نتيجة تقصير حصل، يجدون أن جلب (شهيد) للعائلة سيجعل منه شخصاً أكثر فائدة، حيث أنه سيكون سبباً في إدخالهم للجنة التي يتمناها الجميع.
هذا التحليل يجيب على تساؤل الباحثين:
لماذا ينتظم أصحاب الأسبقيات بسهولة مع تلك الجماعات؟ على سبيل المثال القيادي أبو مصعب الزرقاوي الذي كان يقود جماعة التوحيد والجهاد في العراق قبل أن يقتل هناك في العام 2006، كان من أصحاب الأسبقيات، وغيره الكثير.
لأن المشاركة (الجهاد) لشخص تعيس في حياته هو الحل الأمثل – كما يفسّره رجال الدين بطريقة غير مباشرة عبر (الشهادة) – حيث أن جميع المشاكل المحيطة وخصوصاً التي يصعب حلها، يمكن أن تختفي جميعها بمجرد القتال في سبيل الله – على قول رجال الدين فإن هذا السلوك يكسب الشخص الحياة الدنيا والحياة والآخرة معاً – هذا الخطاب الذي ما زال موجوداً إلى اليوم، علينا إعادة النظر به إذا ما أردنا الاحتفاظ بخطاب ديني يجعل الفرد فاعلاً بطريقة إيجابية أكثر في محيطه.

باحث اجتماعي أردني

 

سيكولوجيا الانضمام إلى الجماعات الإسلامية المسلحة

عبدالله الجبور

- -

7 تعليقات

  1. بداية أشكرك على الطرح…
    من أهم ادوات فهم مايجري ومعرفة مسبباته واعراضه ومن ثم ايجاد مخرج ..هو اتباع مناهج البحث العلمي في التحليل كتحليل المضمون ايا كان نوعه او الدراسات السيميولوجية او سبر الأراء…
    واكثر مايعيب جامعاتنا هو محدوديات مراكز الدراسات التي تبحث وتحلل لتخرج بنتائج يفترض ان تكون حجر الاساس لاي تغيير او التحسين من واجب الدولة او النظام القائم القيام به…
    اتمنى استاذ عبدالله جبور ان تكتب المزيد من المقالات في هذا المضمون وفق ارقام وبيانات في مواضيع ذات الصلة …
    كل التوفيق اتمناه لك…

  2. اشكك وبشدة بصحة ما توصلت اليهالاستاذ الجبور . اين الاستبداد ودوره في نشر ما يسمى بالتطرف الديني؟الا يعتبر الاستبداد وما يؤدي اليه من ظلم وفقر السبب الاول في ما يسمى بالتطرف. ثم ما هو الارهاب؟ وما هو التطرف؟ ولماذا يتم الحديث فقط عن الاسلام في هذا السياق؟ ولماذا لا يتم الحديث عن الارهاب الصهيوني وعن ارهاب المحافظين الجدد. بوش راى في المنام ان الرب اخبره بوجوب احتلال العراق وافغانستان؟ وبوتن دعا الكنائس للدعاء لقواته للنصر في سوريا؟!! على منابر مساجد السعودية والخليج حشد الشباب المسلم في ذلك الوقت وبعلم السلطات وعلى عينها للقتال في افغانستان والشيشان وسموا في ذلك الوقت مجاهدين وتحدث العالم باسره عن بطولة المقاتلين العرب وبعد ذلك اصبحوا في نظر العالم ارهابين، فقط لان العدو تغير!!!.لقد صنعت الفتوى بوجوب الجهاد في اقبية المخابرات الامريكية وكان على دولنا فاقدة السيادة فقط الترويج والتجنيد! ثم عندما انتهت المهمة اصبح الابطال ارهابيون اشرار ورفضت دول الاستبداد عودتهم الى اوطانهم لان المهمة انتهت فلا يجوز شرعا محاربة امريكا لانها حليف. متى نتعلم من الباحثين الغربيين المتخصصين المنصفين الحديث عن مثل هذه القضايا الشائكة؟ الباحث الالماني يرغن توتن هوفر يورد في كتابه ان من بين مئات العمليات الانتحارية التي تحصل كل عام نسبة ضئيلة جدا يقوم بها مسلمون!!! نمور التاميل والسيخ الخ. ولكن لا يتم الحديث اعلاميا عن العمليات التي يقوم بها غير المسلمين لان ذلك لا يصب في مصلحة البروباغندا العالمية التي تستهدف الاسلام. اخيرا المشكلة ليست في خطبة الجمعة ولا المشكلة في الشباب المتحمس وليست المشكلة فقط في الخطاب الديني، المشكلة اعمق من ذلك بكثير، المشكلة في الاستبداد واستخدام الدين والشباب المتحمس وارسالهم الى المحرقة للتخلص منهم وجعلهم وقودا ليعيش الاستبداد ولتستمر الحرب العالمية بشقيها الاعلامي والحربي ضد الاسلام. يجب معالجة المشكلة من الجذور واعطاء الدواء الملائم فكل ما ورد هي عوارض المرض، اما المرض المسبب فهو معروف من قبل صادقين قاموا بتشخيصه والحديث عنه، ولانهم تحدثوا عنه بصدق اصبحوا إما مشردين في الشتات او قابعين خلف القضبان ومنهم من اصبح تحت الثرى واخرين آثروا السلامة فصمتوا. احيي اختي الغالية منى، كيف حالك ايتها الغالية ولا حول ولا قوة الا بالله.

    • حياك الله يا رياض ….انا بخير الحمدلله ياأخي الغالي…..أين انت كل هذه المدة؟
      فقط من اخبار الغوطة وسوريا وحالنا ..نشكوا أمرنا لله العلي القدير…..

      • اه يا منى!! .. قلبي يحترق من شدة الألم بسبب هذا الظلم المستشري.. لله المشتكى وله الأمر من قبل ومن بعد. انا متأكد بان الغمة ستزول وستشرق الشمس بعد طول الغياب وستغرد عصافير السلام على نوافذ المظلومين من جديد وستنمو اشجارهم المحترقة من قبل طائرات الظالمين من جديد. حسبي الله ونعم الوكيل. أنا بخير والحمد لله لعله اختفاء تأمل لتجديد الفكر .. لا أدري.. لعل علينا ان نعود الى المحراب لعلنا بذلك نصلح ما افسدناه في العلاقة بين الارض والسماء. اتمنى ان تكوني انت والعائلة الكريمة بالف الف خير.

  3. اعتقد ان الفقر هو السبب الذي يجب ان يهمل تماما كما تفضلت من التفسيرات وذلك لان ابناء دول الخليج هم من اكثر الدول التي تنتج امثال هؤلاء وكذلك القادمين من دول اوربا فهؤلاء متمتعين بالضمان الاجتماعي والصحي في حياتهم اما اصحاب الاسبقيات فان الامر لهم اصبح اكثر متعة فسابقا كان يخشى السلطة او العشيرة في بعض البلدان من ممارسة هواية القتل عنده بالاضافة الى الجنس فالامر في هذه الحالة قد شرع له ,تبقى الامور كلها مرتبطة بالخطاب الديني وكذلك الهالة التي يضفيها المجتمع لرجال الدين باعتبارهم علماء اولا وان كلامهم دائما صحيح وكذلك باعتبارهم اناس صالحين جدا ولا يمكن ان يقدموا او يحثوا الى عمل بشع او يخالف ما يوصي به الله. كذلك يجب ان لا ننسى دور الحكومات سلبا او ايجابا بالموضوع فمثل السعودية والاردن ومصر تريد التخلص من امثال هؤلاء فيتم التغاضي عن خطب رجال الدين التي تشجع على ذلك او مثل حكومة القذافي والجزائر سابقا التي كانت تبطش بهم كاسلاميين وبالتالي يهربون الى مناطق القتال

  4. كل التقدير أستاذنا الكريم على هذا الطرح الذي بدأ بكل بساطة و تسطيح و تدرج نحو التعقيد و العمق .. و لمس قضية في غاية الأهمية .. و دعني أعلق على جزء منه … فقد صنفت مدينة معان حسب موقع البنتاغون الرسمي بأنها ثاني مدينة تصديرا لداعش .. في حين أشار أحد الصحفيين في مقالة أمريكية عند زيارته لهذه المدينة .. بأنه في أكثر المدن أملنا في العالم … ليس لأن القصاب أهداه معلاقا بالمجان .. و ليس لأن البقال ينام عند بقالته و الناس يحاسبون أنفسهم . بل لأن التصور الغربي لا تزال تكتنفه الضبابية …. الإرهاب هو فشل إنساني غير أنه سهل و غير مكلف .. و الأصل في الإنسان الإصلاح و البناء و اللذان يحتاجان لقطع غيار من الذهب … أي أن صيانة مكتسبات السلام مكلفة … فيميل الأفراد للعمل السهل و الأقل تكلفه بدافع من الخذلان .. قلنا بأن الإرهاب فشل و كما نعلم بأن أسباب الفشل كثيرة و للنجاح سبب واحد .
    كل التقدير

  5. الغنی یحب ماله فلا یجازف و یرتضی بالظلم و یرتکن الی الظالم فی سبیل ماله اما الفقیر فعند ما یری الظلم ینفعل و لا یجد ما یمنعه فمجتمعاتنا قبل الاحتلالات المستمره کان فیها فقراء و کانوا یستمعون الی خطب الجمعه لکن ما کانوا یثورون. اما الان فان الظلم قد استشری لدرجة ان الخطیب اذا لم یتطرق الی الظلم فی خطبته یتنفر عنه مستمعیه.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left