كيف ندفن حرباً ونتخلص من ضحاياها؟

سعيد خطيبي

Mar 17, 2018

في 28 يونيو 1992، وصل فرنسوا ميتران إلى سراييفو. كان يوم أحد والمُفاجأة كبيرة. رئيس بلد، يعيش في سلم يزور مدينة تدفن رأسها تحت الخراب. وجد ميتران في استقباله علي عزت بيغوفيتش، رئيس البوسنة والهرسك، المستقلة حديثاً، الخارجة لتوها من العباءة اليوغسلافية. بيغوفيتش لم يعلم بالزيارة سوى ساعات قليلة قبل وصول طائرة هيلكوبتر دوفين الفرنسية، التي حملت ميتران من كرواتيا إلى البوسنة. خطوة ميتران الجريئة أثارت، حينها، غيرة قادة غربيين آخرين، فقد كانت لحظة ترويجية مهمة للرجل، رفعت من شعبيته، زادت في شهرته، فقد وصل إلى سراييفو في صورة «المُخلص»، الرجل الطيب، الذي جاء لينقذ «قُدس أوروبا» من نيران الصرب.
زيارة ميتران الاشتراكي إلى سراييفو «متعددة الإثنيات» لم تدم سوى ساعات قليلة، تنقل فيها من المطار إلى وسط المدينة، في دبابة وهو يرتدي سترة واقية من الرصاص، ليخرج إلى الصحافة، ويصرح بكلام سيُطيل من عمر حرب البلقان الأخيرة: «جئت إلى سراييفو في زيارة إنسانية»، هكذا تكلم رئيس دولة حقوق الإنسان. قال إن المدينة باتت معزولة عن العالم، لكنه رفض الخوض في السبب، في الاعتداء الصريح الذي كانت تتعرض له من جيش الصرب، وأنها لا تحتاج سوى لأدوية ومساعدات غذائية. هكذا كان ميتران سبباً في التعتيم على الحقيقة، وإثارة قضية ثانوية، ودفع البوسنيين بذلك إلى مواجهة قدرهم بأنفسهم. ما صرح به الرئيس الفرنسي، وما حصل بعدها، يُساعدنا في فهم المنظور الغربي للحروب، التي تدور خارج حدودهم. إن تحويل حرب إلى مسألة مساعدات غذائية هو انتقام ناعم من الضحايا وإطالة «مُبطنة» في عمر العنف. اختيار تاريخ 28 يونيو لزيارة المدينة المنكوبة لم يكن اعتباطياً، ميتران كان يعرف رمزية التاريخ وثقله، إنه اليوم نفسه الذي اغتيل فيه فرنسوا فرديناند في سراييفو، وأُعلنت فيه الحرب العالمية الأولى، هكذا كان لا بد للحرب أن تستمر بدءًا من ذلك التاريخ، ويواصل الغرب استخفافه بمصائر الشرق. الحرب العالمية الأولى كانت غذاءً لحرب البلقان، التي دارت في التسعينيات. فتلك الأرض لم تعرف استقراراً سوى في الحرب. إنها مسكونة بالحروب كوباء لم تشف منه.
تحويل حرب، مُكتملة الأركان، إلى مسألة إنسانية، واختصارها في مساعدات غذائية، كما قال ميتران، هو هروب آمن للأمام، تنصل من المسؤوليات، وضحك على الأموات. من المهم أن نتوقف عند الدرس البوسني، كي لا نكرر الأخطاء نفسها، لأن ما حصل هناك يحصل اليوم هنا، ويجوز لنا إسقاط الصورة على سوريا، وكيف تحولت إلى قضية مُجتزأة، تختصر في البحث عن مساعدات إنسانية وغذائية، وتوفير ممرات آمنة لعبور اللاجئين والمشردين. لقد غير القاموس من مُصطلحاته، بدل الحديث عن العنف والعنف المُضاد، والتفكير في حلول لوقف الدم، بات أصحاب الحل والعقد يختصرون القضية في أحاديث مكررة عن مساعدات غذائية، بينما تستمر آلة الموت في تهشيم العظام، وقتل الأبرياء، كل يوم.
يبدو أن الحروب الداخلية، في بعض الدول العربية، بدل أن تُولد رغبة في إنهائها، ووقف النار، ولدت حالات نفسانية أخرى، رغبة في تناسيها، تجاوزها، وخوفاً منها، بدل التوقف عندها وإيجاد حلول لعدم تكرارها. وصارت كل نهاية حرب تعني بداية حرب أخرى مُقبلة، وليس بيان سلم ونهاية لها. هناك مثل شعبي يقول: «من يصنع الحرب هو نفسه من يصنع السلم» لكن هذا المثل لا ينطبق على كثيرين، ففي الحالة العربية، من يصنع الحرب يصنع بالضرورة أبطالاً لها، أبطالاً مزيفين، يركبون جماجم الضحايا ويتسلقون الظهور، لكسب مزايا وتحقيق أرباح ستستمر عوائدها طويلاً. ولا أحد يبحث عن نهاية للفظاعات، فما يهم المتحاربين هو تحقيق انتصارات، وفي حمى التفكير في انتصارات ستستمر الحرب، بشكل مباشر أو غير مباشر، تخمد قليلاً، تستريح، لتعود للظهور لاحقاً.
لقد حصل أمر مُشابه، في الجزائر، قبل سنوات، فبعدما خاض البلد حرباً داخلية، مع جماعات إسلامية متطرفة، راح ضحيتها أكثر من مئة ألف شخص، انتهى الأمر بطي الصفحة، وإجراء استفتاء مصالحة وطنية، كما لو أن شيئاً لم يحصل، لكن الرماد لم يخمد كلية، وصرنا نُشاهد واحداً من الإسلامويين يتحدث ـ بلا حرج ـ في تلفزيون عن قتله لجنود، وآخر يفكر في بعث حزب الإسلامويين، والدخول إلى الانتخابات، وتحولت – تدريجياً – حرب قديمة إلى قضية إنسانية، لم نتعامل معها من منظور دساتير الحرب، بل تعاملنا معها باعتبارها قضية للنسيان وكفى.
أسس فرنسوا ميتران، عقب زيارته التاريخية إلى سراييفو، نظرية جديدة، تقول إن للحرب باباً، الوصول إليه والخروج منه، يعني نهايتها، بدون تفكير في التبعات. فرنسوا ميتران، الذي لن يمحو التاريخ «عاره في الجزائر»، سنوات الخمسينيات، أسس، قبل أن يرحل نظرية جديدة، طُبقت في البلقان ورواند والجزائر وأمكنة أخرى، علمنا مثلما علم الغراب قابيل كيف يدفن الميت، بدون مُحاسبة الجاني. لذلك فإن غالبية الحروب، التي تلت حرب البلقان الأخيرة، صار يُنظر إليها كحالات مستقلة، نهتم فيها بإحصاء أعداد الموتى والجرحى، نطلق فيها حملات التبرع وجمع الأغذية – وهي عملية طبيعية وضرورية – ونغض الطرف عن الحفر في مُسبباتها، وكيفية الخروج منها فعلياً. كل حرب لا تُردم، بمعاقبة المتسببين فيها، ستتولد عنها مستقبلاً حرب أو حروب أخرى. هذه هي سيرة التاريخ، إنه يلهو بتكرار نفسه. كل حرب ستنتج ـ لا محالة ـ جيل ما بعد الحرب، الذي لن يخرج مُعافى منها، بل سيحمل معه عاهاته وأحقاده ويكبر معها، وهذا ما يحدث في سراييفو اليوم. صار من النادر أن نجد زيجات بين مسلمين وصرب، كانوا إخواناً إلى وقت قريب، ولا بين مسلمين وكروات أو بين كروات وصرب، والمشكلة الأهم تتمثل في كتابة تاريخ ما بعد الحرب، كل فريق له نظرة مختلفة عن الآخر، وفرضية مُناقضة لجاره، هكذا يجد الأطفال أنفسهم في مدارس مقسمين بين أكثر من منهج دراسي، فالحرب التي اندلعت بعنف، وأنهيت، تحت الضغط، تثمر صراعات في الداخل، لا نراها بالعين المجردة، لا في الشوارع ولا في الساحات العامة، لكنها تنمو في الظل، وستنضج وتحيلنا لحرب أخرى، لسنا نعرف شكلاً لها، ومن المؤكد لن تكون نُسخة مُطابقة للحرب السابقة، لكنها ستزيد من عزلة البوسنيين، وتوسع الفوارق بينهما. هذا هو الدرس البوسني الذي فاتنا التوقف عنده، ورحنا نُعيد إنتاجه، عربياً، بدون تفحص ولا فهم.
كاتب جزائري

كيف ندفن حرباً ونتخلص من ضحاياها؟

سعيد خطيبي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left