تطوير الزراعة يحدُ من أزمات الاقتصاد التونسي

رشيد خشانة

Mar 17, 2018

تتضافر الضغوط الاقتصادية مع «الخضات» السياسية لتجعل من إدارة مؤسسات الدولة في تونس أمرا عسيرا ومُعقدا. وأخفقت ثماني حكومات تعاقبت على الحكم، منذ الإطاحة بالنظام السابق في 2011، في تعديل التوازنات المالية والاقتصادية الكبرى، والحد من البطالة وحفز التصدير، ما أدى إلى اندلاع احتجاجات اجتماعية عنيفة لم تسلم منها أية حكومة. ولعب شح الاستثمار الخارجي وتراجع الصادرات دورا حاسما في تعميق عجز الميزان التجاري وارتفاع مستوى التضخم الذي بلغ حوالي 7 في المئة. وما زاد الأمر تعقيدا الإشاعات المتواترة حول إعفاء وشيك لرئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد من مهامه، كما سلفه حبيب الصيد، الذي أقاله أكبر حزبين في البرلمان «نداء تونس» و»حركة النهضة»، وشكلا حكومة ائتلافية في آب/أغسطس 2016 مع أحزاب صغيرة، من دون أن تكون لها خطة اقتصادية مختلفة عن سابقتها.

تضخم القطاع العام

في مقدم المعوقات التي تُعطل عجلة الاقتصاد تضخم القطاع العام وعبء الرواتب التي تنفق على مؤسسات أكثريتها خاسر. وتراجعت الإيرادات الإجمالية لنحو 95 مؤسسة ومنشأة عمومية بنسبة 30 في المئة، في السنوات الأخيرة. فيما سجلت 52 مؤسسة خسارة صافية، وفي مقدمها الشركة الوطنية للكهرباء والغاز وشركة النقل الوطنية والخطوط التونسية والشركة التونسية للبنك (أكبر مصرف في البلد) والمجمع الكيميائي التونسي.
ويشير الخبراء إلى مصادر نزف مالي تُرهق موازنة الدولة، من بينها تأخير استقبال السفن التجارية في ميناء رادس القريب من العاصمة، ما يُرتب على الدولة تسديد ضرائب بقيمة 1.2 مليار دولار شهريا، أي ما يُعادل نصف إيرادات العملة الصعبة التي يدُرُها القطاع السياحي. ويعتقد اتحاد أرباب العمل أن إصلاح الوضع في الميناء الرئيسي والموانئ التجارية الأخرى، سيُوفر على الدولة أموالا طائلة تُنفق حاليا من دون مقابل. وحاول أكثر من رئيس حكومة معالجة الوضع من خلال زيارات ميدانية للميناء، إلا أن شبكة المافيات المتنفذة حالت دون اتخاذ أي إجراء إصلاحي.

تعطيل تصدير الفوسفات

وظهر نفوذ المافيات بشكل أوضح في تعطيل تصدير الفوسفات من مناجم محافظة قفصة (جنوب) نحو المصانع الكيميائية في مدينة قابس (جنوب)، ما أدى إلى توقف الأخيرة عن الإنتاج في الفترة الماضية. ويُعتبر الفوسفات نفط تونس، ذات الموارد المحدودة من المحروقات، خلافا لجاريها الجزائر وليبيا. ويُعتبر الفوسفات مادة استراتيجية إذ يتبوأ موقعا مركزيا في اقتصاد البلد، الذي يعتمد على الصادرات الصناعية والخدمات والسياحة وتحويلات المغتربين. وأدى انهيار الإنتاج من الفوسفات إلى تفاقم العجز التجاري بعد تراجع الصادرات من هذه المادة بنسبة 50 في المئة في 2017 قياسا على 2016. والأخطر من ذلك أن تونس خسرت زبائن كثيرين بعد تأخير إرسال شحنات الأسمدة الفوسفاتية إلى الخارج، وسيكون من الصعب استعادتهم، ما حمل المُجمع الكيميائي على البحث عن زبائن آخرين، لكن الأسعار ستكون على الأرجح أقل من السابق. وسيكون تحقيق نسبة النمو التي حددتها موازنة السنة الجارية بـ3 في المئة، متوقفا على مدى القدرة على تعزيز نمو الصناعات الكهربائية والالكترونية والاستخراجية (الفوسفات والنفط والغاز) والتي تعرف في مجملها تراجعا منذ أكثر من سبع سنوات. وطبقا للمشروع السنوي للقدرة على الأداء لسنة 2018 ينبغي مضاعفة الاستخراج وتحسين الإنتاج وتسهيل نقل المادة الأولية إلى المصافي والمغاسل والمصانع الكيميائية، وهذا الأمر ليس مؤكدا.
ويُتوقع أن يصل العجز العام إلى أكثر من 10 في المئة من المنتوج الداخلي الخام فيما تجاوز الدين الخارجي 80 في المئة من الدخل الخام، ما يقضي على الاحتياطات. وقالت مؤسسة التصنيف «موديز» إن استئناف الطلب الخارجي على المنتوجات الصناعية والخدمات والزراعة سيُساعد في الحد من العجز الجاري تدريجا، ما سيحول دون تضعضع الاحتياطي من العملات. وتوقعت «موديز» ارتفاع الدين العمومي إلى 73 في المئة في 2019 بعدما كان في مستوى 70 في المئة في 2017 و62 في المئة في 2016. والخطير في الأمر أن ديون مؤسسات القطاع العام بالعملات الأجنبية ما انفكت ترتفع حتى بلغت 13 في المئة من المنتوج الداخلي الخام. وتجدر الإشارة إلى أن تراجع سعر صرف الدينار مقابل الدولار بين 2010 و2017 تجاوز 50 في المئة.

ضغوط النقابات

وبالنظر لتراجع القدرة الشرائية طلبت النقابات العمالية الترفيع من الرواتب وتجاوبت معها الحكومة فقررت زيادتين متواليتين بنسبة 6 في المئة بين 2016 و2017. ويُعزى التجاوب إلى أن «الاتحاد العام التونسي للشغل» (نقابات العمال) شكل حتى مطلع الشهر الجاري أهم سند لحكومة الشاهد. وسار الشاهد على طريق «الانسجام» مع قيادة النقابات مثلما فعل أسلافه، تفاديا لأي صدام بين الطرفين، غير أن القطيعة حلت أخيرا بين الجانبين، ما أضعف موقع الشاهد.
وأدت زيادة الرواتب وارتفاع الطلب إلى تفاقم التضخم وتدني قيمة العملة (الدينار). واعتبر خبراء تونسيون أن «لولب التضخم» انطلق مع الترفيع من الرواتب وزيادة الضغط الجبائي، وتعزز بالعجز الخفي الذي يتغطى بالقروض التي حصلت عليها الدولة من دون أن تُوازيها زيادة مماثلة في الثروة، بل على العكس من ذلك تزامنت مع هبوط في قيمة الدينار. وحضت «موديز» والبنك الدولي على تأمين الاستقرار وتشجيع التوفير المالي من أجل وضع حد لانزلاق الدينار. ولعبت الحكومتان الانتقاليتان اللتان قادتهما «حركة النهضة» (إسلامية) بين 2011 و2013 دورا مهما في إغراق القطاع العام بموظفين غير مؤهلين، وهم من أنصار الحركة الذين تعرضوا للفصل من العمل في عهد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، واستفادوا بعد ثورة 2011، من سن عفو عام، ليستعيدوا مواقعهم في مهنهم. وتُقدر مصادر حكومية أعداد الزائدين عن الحاجة من هؤلاء إلى 75 ألفا، أي نصف الموظفين في القطاع العام.

صفقات … وفساد

تُشكل ترسية المشاريع الكبرى التي تقررها الحكومة على مقاولات وشركات بعينها مصدر شكوك، ما حمل السلطات على تفويض اتخاذ القرارات إلى «اللجنة العليا للصفقات الكبرى»، ومقرها في رئاسة الحكومة. وطبقا لتقديرات «الهيئة العليا لمكافحة الفساد» (حكومية) تُكلف الصفقات العمومية هدر 800 مليار دولار سنويا، فيما تُقدرُ قيمة الأموال المهدورة بسبب خسائر شركات القطاع العام بـ 2800 مليار دولار. ويُعاني قطاع الوظيفة العمومية من تضخم المنتدبين الذين لا حاجة إليهم، وتُقدر إحصاءات رسمية اعداد الموظفين الذين لا يُعرف ماذا يفعلون تحديدا بـ120 ألف موظف. ووجدت الحكومة حلا لإسكات الشباب الغاضب بانتداب 30 ألف عاطل عن العمل في مخيمات شغل من دون أن يُقدموا، أو يُطالبُوا بتقديم أية قيمة مُضافة.
على أن أخطر ما في الواقع الراهن في تونس هو استشراء الاقتصاد الموازي الذي بات يُغطي ما بين 52 و55 في المئة من اقتصاد البلد، وهو يعتمد على شبكات من المهربين المتواطئين مع موظفين في الجمارك والدوائر الحكومية. ويبرز دور هذه الشبكات وقوة نفوذها في وجود الآلاف من غالونات البنزين والديزل المستوردة خلسة من ليبيا والجزائر، والمعروضة على قارعة الطريق، على مرأى من قوات الدرك، وهي تجارة استنزفت اقتصاد البلد.
مع ذلك بدت الحكومات المتعاقبة عاجزة عن ضرب شبكات التهريب والتجارة الموازية لأنها مرتبطة بأباطرة قادرين على شل حركة الاقتصاد، كما أن الوزراء الذين يعملون تحت ضغط إشاعات يومية بتغيير الحكومة، لا يتجاسرون على اتخاذ إجراءات صارمة في حق المُحتكرين والمضاربين.

الزراعة ثروة مهدورة

بالرغم من أن التونسيين طوروا الزراعة منذ عهد الفينيقيين ما زال القطاع مريضا، وهو لا يساهم في إنتاج الثروة بالحجم الذي تُؤهله له الامكانات الطبيعية. وعدا عن التمور والحمضيات وزيت الزيتون، لا تساهم الصادرات الزراعية سوى بنسبة ضئيلة في تعديل الميزان التجاري. ويُعاني المزارعون من عدم القدرة على سداد الديون إلى المصارف التجارية، بسبب الجفاف الذي ضرب القطاع، وهو ما جعل المصارف ترفض إقراضهم من جديد، ما يُلقي ظلالا كثيفة على الموسم الزراعي، مع ما يترتب عليه اللجوء لاستيراد بعض المواد الزراعية بالعملة الصعبة. وألحق التهريب أضرارا كبيرة بقطعان الماشية، إذ تُهرب الأبقار عبر الحدود إلى الجزائر، كما تُستورد الأغنام خلسة من ليبيا، ما أدى إلى اضطراب كبير في الأسواق وارتفاع في أسعار اللحوم، بعدما أمسكت مافيات التهريب بمفاصل القطاع. وتملك تونس فرصا كبيرة لتطوير زراعة القموح والأشجار المثمرة بعدما استعادت الدولة مساحات كبيرة تُقدر بـ250 ألف هكتار من المزارع، التي أهداها النظام السابق لمن لا يستحق، إلا أنها ما زالت غير مستثمرة منذ أكثر من خمس سنوات. ولو تم تأجير تلك الأراضي والمزارع إلى مهندسين زراعيين من الشباب وخريجي الجامعات العاطلين عن العمل، لتحسَن حجم الصادرات ودرت المنتوجات الزراعية من الأموال ما يحدُ من عجز الميزان التجاري وانخفضت نسبة التضخم. لذا يجوز القول إن الاهتمام بهذا القطاع والاستثمار في إمكاناته اللامحدودة يمكن أن يُنعش الاقتصاد ويُخفف من الاحتقانات الراهنة، وتداعياتها الاجتماعية والسياسية، التي باتت تُهدد استقرار البلد.

تطوير الزراعة يحدُ من أزمات الاقتصاد التونسي

رشيد خشانة

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left