النجمة الرابعة وقود شرارة «الفيرغي تايم» أم سيبقى الأهلي بلا منافس؟

بعد حسم لقب الدوري المصري

عادل منصور

Mar 17, 2018

لندن ـ «القدس العربي»: كالعادة المتُعارف عليها في مصر منذ انطلاق مسابقة الدوري العام في أواخر الأربعينات، لم يُغادر درع الدوري مكانه في وسط العاصمة، باحتفاظ النادي الأهلي بلقبه المُفضل في كل العصور، قبل انتهاء المسابقة بست جولات كاملة، في تجسيد عملي للمقولة الشهيرة «لا جديد يُذكر ولا قديم يُعاد»، للمرة الثالثة على التوالي، والأربعين في تاريخ النادي، لتتسع الفجوة بين عملاق القاهرة وكل خصومه المحليين بدون استثناء أكثر من أي وقت مضى، ومعها تزايد الحِمل على الأجيال القادمة، خصوصا أجيال نادي الزمالك، التي ستَحمل على عاتقها «مهمة القرن» الحقيقية، بتقليص الفارق الصادم في عدد بطولات الدوري مع الغريم الأزلي.

كيف حدثت الفجوة؟

لنبدأ باقتباس لاسم عنوان البرنامج الشهير «شاهد على العصر»، والشاهد هذا طفل كان يبلغ من العمر ثماني سنوات في بداية فصل الربيع عام 1992، ولتوه تّحول من تشجيع الأهلي إلى الزمالك، عكس شقيقه الأكبر ووالده، وذلك بتأثير من الجار المُثقف الأستاذ أحمد، الذي يعمل كمترجم لأكثر من لغة، وله قدرة هائلة على الانفراد بالأطفال «خلسة»، لإغرائهم بكل ما طاب من «السوبر ماركت»، ناهيك عن قصص المدح في أساطير ناديه، مع تفنن في إظهار الخصم في صورة «المارد القبيح» بروايات كاذبة 100%، على أمل أن تنجح محاولته كما نجحت من قبل، لكن بعد أشهر قليلة جدا، تّحول السحر على الساحر، باعتراف جماعي خطط له مُسبقا «الشاهد»، لكشف ما يدور خلف الكواليس (من وراء الآباء) لتغيير انتماء رفاقه الكُثر. هنا تغيرت نظرة الكبار للأستاذ أحمد، لدرجة وضعه في مقارنة مع ممثلي الجماعات التي تستغل فقر أطفال الشوارع لتغيير دينهم. في تلك الأثناء، تقمص خال «الشاهد» دور الأب كما يقول المثل «الخال والد»، بأخذ عهد ووعد تاريخي، بموجبه سيتحول الخاسر لتشجيع الفريق الآخر، أي لو سقط الأهلي أمام الزمالك في نهائي كأس مصر في ذلك العام، سيُعلن شقيق الوالدة «زملكويته»، والعكس صحيح، مع امتيازات من الخال تفوق إغراءات الأستاذ أحمد، إذا فاز العملاق الأحمر، علما أن كل التوقعات كانت تصب في مصلحة أبناء ميت عقبة، لقوة هذا الجيل بالذات متمثلا في أسماء من نوعية رضا عبدالعال وجمال عبدالحميد وأشرف قاسم وأيمن منصور وبقية الأسماء التي ساهمت في حصول الزمالك على لقب الدوري مرتين على التوالي، للمرة الثانية في تاريخ النادي آنذاك، في المقابل، كان الأهلي يعيش واحدة من أسوأ فتراته على مر التاريخ، بعد انتهاء جيل الأسطورة محمد الخطيب، واحتراف أبرز الأسماء الشابة التي لمعت في كأس العالم، مثل حسام حسن وشقيقه إبراهيم ومعهما هاني رمزي ومجدي عبدالغني. ومع ذلك، تمكن الأهلي من تحقيق الفوز على الزمالك في مباراة تسديدة طاهر أبو زيد، التي ارتدت من يد الحارس حسين السيد، ليُتابعها أيمن شوقي داخل الشباك في الدقيقة 90، ليُفعل الاتفاق «الجنتلمان» بين الخال والطفل، لكن الأمر الذي لم يَغب أبدا عن ذهن ولا ذاكرة الأخير، حتى مع اقترابه من منتصف الثلاثينات في 2018، فقط محاولات التكذيب وتزييف التاريخ، التي كان يسمعها من الجار الزملكاوي قبل عصر التكنولوجيا والانترنت. مثل الزمالك يملك بطولات أكثر من الأهلي، جماهير الزمالك الأكثر انتشارا في كل ربوع مصر. لا أحد في الإسماعيلية وخط القناة يرفع الشعار الأحمر، وأشياء من هذا القبيل هدفها تشويه صورة وتاريخ المنافس، وهذا يُمكن اعتباره محاولة «رخيصة» لزيادة شعبية النادي على أرض الواقع، لتكون على مسافة قريبة من شعبية الأهلي، الذي تقدم خطوة تاريخية بفضل الجماهيرية التي أضافها بيبو في أواخر السبعينات والنصف الأول من الثمانينات. ولعل من عناصر تلك الحقبة يعرف جيدا أن جيل الخطيب هو الذي وضع حجر أساس الفجوة الهائلة مع الآخرين، بهيمنة شبه مُطلقة على الدرع منذ عودة النشاط بعد حرب أكتوبر 1973 وحتى 1987، باحتكار اللقب 10 مرات، مقابل مرتين للمنافس المباشر، ومرة للفريق الاستثنائي المقاولون العرب بقيادة حارس القرن في أفريقيا أنطوان بيل موسم 1982-1983.

مفترق الطريق الحقيقي

لا ينكر الراوي، أن المنافسة بين الأهلي والزمالك كانت مناصفة، حتى منتصف التسعينات، بل داخل الملعب، كان المعسكر الأبيض الأقوى من حيث الأسماء، وهذا يظهر بوضوح في الشعار المعروف عن النادي «مدرسة الفن والهندسة»، عكس الطرف الآخر، الذي كان يَعول أكثر على الصرامة واللعب الجماعي، متمثل في المدارس الإنكليزية والألمانية التي تعاقبت على تدريبه بداية من آلان هاريس مرورا بهولمان وراينر تسوبيل، وبالمناسبة هؤلاء من أعادوا زمن البطولات، أو بالأحرى لقب الدوري، بالاحتفاظ به سبع مرات متتالية بداية من موسم 1993-1994 وحتى الموسم الأخير في الألفية، كثاني أفضل إنجاز بعد احتكاره في أول تسع مواسم نُظمت تحت رعاية الاتحاد، بُمسمى الدوري، بدلاً من المُسمى القديم «دوري مناطق القاهرة». الاستثناء الوحيد في تاريخ الزمالك بحصوله على الدوري ثلاث مرات في غضون أربع سنوات، حدث بمساعدة قائد الأهلي السابق حسام وتوأمه إبراهيم حسن في صفقة انتقالهما التي هزت الرأي العام في البلاد مطلع الألفية الجديدة، وباعتراف أشد المتعصبين. تلك السنوات كانت أزهى عصور الفريق على الأقل في العصر الحديث، بسبب الروح التي وضعها الهداف المُخضرم وشقيقه في لاعبي الزمالك، كي ينتقم لطرده من قلعة «الجزيرة»، لإصرار الرئيس الراحل صالح سليم على عدم التجديد لإبراهيم بُحكم تقدمه في السن، وكان لهداف مصر في تلك الحقبة ما أراد، وصلت لحد دك الشباك الحمراء أربع مرات، بخلاف التفوق الكاسح في مباريات القمة، ما عدا مباراة الـ6-1، لكن في حقيقة الأمر، كان الوقت فات، بعد اتساع الفجوة وفارق الألقاب لأكثر من 20 لقبا، والأهم من ذلك هدية السماء إلى الأرض، بإعلان اسم الأهلي كنادي القرن في القارة السمراء من الاتحاد الأفريقي (كاف)، اللقب الذي كان وما زال له مفعول السحر في المنافسة بين الناديين. سواء كان الزمالك الأحق بلقب القرن أو الأهلي بالفعل هو الأحق. فالواقع يقول أن هذا اللقب صنع الفارق الكبير بين العلامة التجارية لصاحبه وبين البيت الأبيض، والدليل على ذلك تهافت الرعاة على القميص الأحمر، بوصولهم لأكثر من 13 راعيا هذا العام، اضافة إلى الأرقام الخيالية التي تدخل الخزينة من عقد رعايا «اسم النادي» سواء مع مؤسسة الأهرام في السابق أو المؤسسة الحالية التي دفعت ربع مليار جنيه للفوز بحق رعاية نادي القرن، في المقابل باع الزمالك حق الرعايا مقابل أقل من 100 مليون لشركة مصرية، بجانب كل هذا، قامت الإدارة بقيادة حسن حمدي، بتغيير سياستها، بشراء ألمع نجوم الدوري المحلي، ومن حسن الحظ تواجد أبو تريكة ومحمد بركات وعماد متعب ووائل جمعة ومحمد شوقي وعصام الحضري في فريق واحد بداية من صيف 2004، بالتزامن مع بداية عصر تفكك الطرف الآخر، بمشاكل لا حصر لها بين الرئيس السابق ممدوح عباس والرئيس الحالي، وهي تقريبا سبب تدمير الفريق في العشرية الأخيرة. كيف لا وهي السبب في الحجز على أرصدة النادي في البنوك منذ قرابة أربع سنوات.

أكذوبة القرن

بالعودة إلى «الشاهد على العصر»، فهو ينظر لجمهور النادي على أنه الشريك الرئيس مع الإدارة في الحال إلى ما هو عليه الآن (12 لقبا مقابل 40 للمنافس)، كيف؟ لاعتقاده بأن الغالبية العظمى لا تتكاتف من أجل الفريق، فقط يكتفون بالشعارات المحفوظة التي تّحول لجمل ساخرة على مواقع التواصل الاجتماعي مثل «الزمالك قادم، باقون على حبك، سنظل أوفياء لنادي الصفوة»، فقط للتقليل من شعبية المنافس، التي تضاعف بشكل مُذهل في آخر 15 سنة بالذات، ناهيك عن حجج تحيز الحكام للخصم (في كل العصور) ومحاولة إظهار فريقهم في ثوب المظلوم الذي تُحاربه كل أطياف الدولة، ودائما وأبدا يتعرض لمؤامرة «كونية» تُعيقه حتى على تحقيق ولو فوز يتيم على العدو اللدود في آخر 11 سنة على مستوى البطولة ذاتها! ربما بسبب السحر (بصوت رئيس النادي عندما يقول بصوته الغني عن التعريف «ده سحر يا بيه»).
على المستوى الشخصي، قد لا أختلف مع وجهة النظر التي تُحمل الزمالك جزءا من مسؤولية التأخر بعقود عن الأهلي، وهذا لاحظته في التركيز الكبير على المنافس، وانتظار تعثره حتى لو في لقاء ودي، لعمل «حفلة» تعليقات ساخرة على مواقع التواصل، وكأنهم يكرهون المنافس أكثر من حبهم لفريقهم، لكن لا خلاف أبدا على أن مجالس الإدارة السابقة والحالية هي السبب. فمنذ عام 2005 واسم النادي لا يُفارق ساحات المحاكم في القضايا المتبادلة بين الرئيس السابق والحالي، والتي لا يدفع ثمنها إلا اسم الزمالك الكبير، الذي وصل به الحال لتصديق أكذوبة «صفقة القرن»، التي أطلقها رئيسه لشغل الرأي العام عما يحدث داخل النادي، بعد تحفظ الرقابة الإدارية على خزائن النادي، لحين الانتهاء من التحقيق في واقعة فتح حساب في أحد البنوك باسم عضو مجلس الإدارة هاني زادة، لتسيير أعمال النادي بدلاً من حساب النادي المُجمد بقرار من المحكمة. عموما، لا أحد يحزن على انتكاسات الزمالك أكثر من جمهوره، ولا أحد يدفع ثمن الوعود الكاذبة إلا الجمهور الذي استنفد كل أنواع الحجج والبراهين لصد الموج الأهلاوي، الذي لا يعرفه سوى «زملكاوي» وسط أكثر من 5 أو 6 أصدقائه المنتمين للأهلي. فقبل أكذوبة «صفقة القرن» عن توقيع عبدالله السعيد للمعسكر الأبيض، قال باسم مرسي في عام 2015: «يا ترى مين يعيش ويشوف الأهلي يكسب الدوري تاني»، بالكاد أعاد إلى ذهني مقولة أسطورة مانشستر يونايتد سير أليكس فيرغسون، عندما أخذ على نفسه عهدا، بتخطي ليفربول في عدد مرات الفوز بالبريميرليغ، وهو ما فعله قبل تقاعده في نهاية موسم 2012-2013، أما في مصر، فلم يُظهر مرسي ولا فريقه حتى نية الاقتراب من النجمة الثانية، بل أضاف الأهلي النجمة الرابعة بحصوله على لقب الدوري الـ40 في تاريخه، مع مؤشرات تُنذر بأن القادم لن يكون مختلفًا كثيرًا عن الحاضر والمستقبل، خاصة إذا لم يتخلص العملاق الأبيض من الصداع المُستمر منذ 2005 وإلى الآن، ذلك الصداع الذي أسفر عن تغيير 22 مدربا في ظرف أربع سنوات، عكس الطرف الآخر الذي تعاقب على تدريبه أسماء تُعد على أصابع اليد الواحدة في المدة ذاتها، وهم غاريدو وفتحي مبروك وبيسيرو ومارتن يول وحسام البدري، فهل ما زال باسم مرسي على قناعة بأن فريقه سيعود على طريقة «الفيرغي تايم» وعلى الأقل يُقلص الفارق للنصف بعد عقد من الزمان؟ أم سيبقى الأهلي بلا منافس لفترة أطول؟

النجمة الرابعة وقود شرارة «الفيرغي تايم» أم سيبقى الأهلي بلا منافس؟
بعد حسم لقب الدوري المصري
عادل منصور
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left