لينا خوري: صعب على الرجل فتح باب أحاسيسه والذل مفتاح الانكسار الذكوري

مسرحها يعري الإنسان وصولاً إلى حقيقته «حكي رجال» بعد «حكي نسوان»

زهرة مرعي

Mar 17, 2018

بيروت ـ «القدس العربي»: سنة 2006 فاجأت المخرجة والكاتبة المسرحية لينا خوري جمهور المسرح بـ»حكي نسوان» سيما وأنها تطل للمرة الأولى. عرض جريء استوحته من نص للكاتبة الأمريكية ايفا انسلر بعنوان «مونولوغ المهبل» شكل نقطة تحول في المسرح اللبناني في اقتحام المحرمات المجتمعية. لاحقاً خطر لخوري أن تقيم توازناً في لعبتها المسرحية فقررت الإبحار في عالم الرجال وصولاً إلى «حكي رجال». سبع سنوات من المحاولات لفك الأقفال عن الأسرار الدفينة لدى رجال قابلتهم بالعشرات، ولم تصل للحقيقة. بعدها كانت الاستعانة بأكثر من صديق، للوصول إلى نص حقيقي عن هموم عالم الذكور.
«حكي رجال» صارت حقيقة بدءاً من الأول من آذار/مارس على مسرح المدينة، عرض مضحك موجع، يدفع للشفقة في لحظات على رجل يحكم العالم، يشعل حروبه ويدير اقتصاده، يذله قمع سلطوي تسلسلي، أو مرض ينهك فعل الرجولة. أو حزناً على رجل يهرب من المواجهة لعجز اقتصادي، أو لخيار عاطفي جسماني يدينه المجتمع.
مع لينا خوري هذا الحوار:
○ بعد سنوات من البحث عن بوح ذكوري ينطلق من المطارح الدفينة في الروح، هل لك تحديد نسبة الأجوبة الحقيقية التي وصلت إليها؟
• المقابلات التي أجريتها لم تتعد الحقيقة التي وصلت لها نسبة 10 في المئة. لم يتكلموا، لكن تحليل الحوارات أعطى حقيقة جزئية. وكان حضور رجلين في كتابة هذا النص وهما فؤاد يمين ورامي الطويل ضرورياً. يمين ممثل مسرحي، والطويل روائي وهما كرجلين ساهما في ايصال النص للحقيقة المطلوبة. بدأت أبحاثي من سبع سنوات، وبدأ فؤاد يمين تعاونه معي قبل خمس سنوات، ورامي الطويل قبل سنتين، وكان لغبريال يمين ككاتب أن يضيف أفكاراً صغيرة خلال التمارين. ويبقى أساس النص لفؤاد يمين ولي.
○ هل أحصيت عدد الرجال الذين قابلتهم لوضع سيناريو مسرحية «حكي رجال»؟
• لم أفكر في العد، فمشروعي استغرق سنوات. ولأن الصيف عطلتي أستثمرته بالبحث والكتابة. البحث ليس وظيفة، عندما كنت ألتقي رجلاً أحركش وأطرح السؤال على رجال أعرفهم، أو لا أعرفهم، في التاكسي، أو السرفيس دائماً كان سؤالي حاضراً ليُطرح.
○ هل واجهك ما هو غير متوقع خلال البحث عن رجال يتقنون صوغ مشاكلهم بالكلام؟
• البعض يرغب بالكلام، لكن تعبيرهم محدود قياساً للنساء. بعض الرجال رحبوا بالسؤال عن مشاكلهم ومشاغلهم، خاصة وأن أحداً لم يسبق سمع السؤال. ومنهم من ليس لديه هم «كلّو تمام». رجال آخرون صدوني لأنهم لم يُعجبوا بطرحي للسؤال. وعند بلوغ التفاصيل مع ثلاثة رجال سبقتهم الدموع ومن ثم البكاء، وطلبوا التوقف. في المحصلة الرجل ليس معلّباً، وليس نوعاً موحداً، لاشك في مشاكل تتخلل حياته، لكنه لا يحكي بها كما المرأة، والتفاصيل غير مطروحة لديه. بل غالبية الرجال يعبرون عن مشاكلهم بجملة واحدة.
○ بعد استنتاج في سياق العرض طرحت سؤالاً يشغل الكثير من البشر «عشوا كل هالحروب»؟ هل وصلت إلى جواب؟
• وحده غبريال يمين أجاب «ما في شي خرج لهيك بيتلهى الرجال بالحروب». هذا جواب واحد وحيد، قد تكون الحروب ناتجة عن مشكلات «إيغو». إنما على الصعيد السياسي والاجتماعي لا شك بوجود مصالح واقتصاد وغير ذلك. انطلق السؤال لأن قادة العالم رجال، وليس طرحاً سياسياً.
○ »فريز عالأحاسيس» لدى الرجال هل هو مشترك أم يختص بفئة مححدة؟
• الأكثرية تلجأ للـ»فريز» لا يعبرون عن أحاسيسهم الحقيقية بل عن جزء يسير منها. في نشأتنا أن الرجل لا يبكي، فهذا عيب. موروث اجتماعي انفصل عنه عدد قليل. نعرف أن العنف على النساء من فعل الرجال، وهذا لا ينفي وجود رجال معنفين من قبل نسائهم. في الخلاصة نحن إنسان. قدمت مسرحية لأفهم مشكلات النساء، وإن لم تكن أخرى عن الحقيقة لدى الرجل، ستكون الرؤيا مجتزأة. كانت الصعوبة في أن الرجل لم يعتد على سؤال «كيفك؟» فهو قبضاي دائماً. هنا بيت القصيد. تعرية الرجل هي تعرية للإنسان كي ينظر لذاته وللآخر، وليس بدافع النقد أو السخرية.
○ كانت شبه مساواة بين معاناة الموظف البسيط ومدير البنك. لماذا هذه المقارنة؟
• يعلق البعض مشكلاتهم على انعدام المال والفشل في تأمين متطلبات العائلة. مباشرة يقول مدير البنك أنه غير مرتاح لأسباب أخرى. ويبدأ البوح بأسبابه. كثر الرجال الذين أجابوا مباشرة أن مشاكلهم مالية. المتطلبات على عاتق الرجل لهذا يأتي الوضع الاقتصادي بهذه الأهمية، كما الجنس وغيره من أساسيات الحياة. تناولت الموضوعات التي تحز في نفوس الرجال من وجهة نظرهم، إنها قصص من قابلتهم.
○ كثر البوح وتخلصت الأحاسيس من «الفريز» بعد رحيلك عن الخشبة. هل يطلب الرجل الستر أمام المرأة خشية منها أم خوفاً على صورته؟
• الإثنان معاً. بالنسبة لهم أنا امرأة غريبة تسألهم. لماذا يحكون لها؟ أحدهم قرر أن «يشدني». آخر استفزني. واحدهم استقوى عليَ. فعلياً يحكي الرجال لوحدهم. ستار وحيد ينسدل عندما أترك الخشبة، ولا تُحكى الحقيقة كاملة. لهذا يتشقق ويتقطع الجدار من خلفهم. الحقيقة الفعلية تظهر في الدقيقة الأخيرة، مع وصول الرجل السوبر مان «طارق تميم». عندما سمعوا بالذل الذي عاشه الرجل السوبرمان هانت عليهم مصائبهم. غابريال يمين أكثر من هاجمني، وكان أكثرهم انكساراً. فكما المرأة الرجل مُعلب كذلك.
○ الحصيلة التي بلغتنا أن معاناة الرجل لها أكثر من وجه. أي الوجوه هي الأشد إيلاماً للذات الذكورية؟
• اعتقد أنه الشعور بالذل. وجدت ذلك في أكثر من نموذج. ذل أمام الذات، الابنة، العائلة أو في القدرات الذكورية.
○ لماذا قررت أن النساء الأمهات مسؤولات عن سلوك الرجال الذين تنشئنهن؟
• لا أهوى الشعارات، بل أحدهم ذكرها. في هذا العرض لا أناهض المرأة، وفي «حكي نسوان» لم أكن بمواجهة الرجل. بل أطرح وجهة نظر لشخصية معينة. وتلك الشخصية قالت بمسؤولية المرأة عن المجتمع الذكوري فهي تنشئ الولد بخلاف الفتاة. الفكرة صحيحة، وهذا لا يعني ولا يشمل الجميع، بل وجهة نظر. والرجل غير مسؤول عن كافة المشاكل. مسرحياتي تتناول الإنسان في هذا المجتمع، والهدف طرح الأسئلة على الذات وليس التراشق بالاتهامات.
○ نخلص من العرض بمشاعر شفقة على معاناة الرجال الذين مثلوا أمامنا. هل هو شعور طبيعي وحقيقي؟
• تستصعب المرأة رؤية والدها وهو قدوتها يبكي. أن يكبر ويعجز إنسان مهم في حياتنا وينتهي أمر صعب. من نتصوره قوياً ويضعف يصيبنا بالأسى. لم يكن هدفي الزعل أو الضحك، بل الإضاءة، لمزيد من الفهم. في رأيي النساء أكثر جرأة من الرجال. امرأة أخرجت «حكي رجال» وليس رجلاً. مسرحي يهدف لمزيد من التفكير وطرح المشاكل. «حكي نسوان» بدأت في 2006 وكانت فكرة «حكي رجال» مطروحة أمام الجميع ولم يبادر أحدهم.
○ بالمناسبة هل شكلت «حكي نسوان» فاتحة جميلة وحظاً موفقاً لك؟
• لست أدري. أؤمن بكل عرض أقدمه، ولا أفكر بأنه سيأتي بجمهور أم لا. عندما يقلقني هاجس و»يحرقصني» حتى أقوله على المسرح. لماذا في رأيك انتظرت لسنة ونصف لأنال إذن الرقابة على عرض «حكي نسوان»؟ فقط هو الإيمان. أحكي عن المسرحيات كما تحكي المرأة عن أطفالها. أحب كافة مسرحياتي، لكن نعم «حكي نسوان» هي الأولى التي قدمتها بعد عودتي من الدراسة في الولايات المتحدة وحققت فيها النجاح الكبير. دون شك تعني لي الكثير.
○ المرأة المستنطقة وحدها دخلت من الكواليس فيما الذين لبوا نداء «مطلوب رجال» دخلوا من بين الجمهور. هل الدلالة فنية أم أبعد؟
• الفكرة المباشرة في توليفة المسرحية هي إعلان «مطلوب رجال» يعرفون أنني لينا المخرجة تلعب نفسها، بمساعدة صديقها فؤاد. هو وحده دخل من المسرح لأنه يعرف دوره، والآخرون دخلوا من فوق. في ابعادها أني غادرت المسرح تركت الكاميرا شاهداً على ما يقال. لتلك التوليفات أبعادها.
○ العرض يشهد الإقبال كما مسرحك على الدوام. لينا خوري بعد العمل الطويل ع «حكي رجال» في رأيك ما هو أسوأ كابوس يمكن أن يصيب الرجل؟
• قال غبريال يمين أنه كابوس الذل. وفي حالته كانت المشكلة جنسية. الذل متعدد الوجوه مادي ومعنوي. من لديه نقص في ذاته ينتقده في سواه. أقول هذا من خبرة حصلتها من المسرح والناس والبسيكولوجي. الجميع يلجأ للستر.
○ ماذا عن الرقابة و»حكي رجال»؟
• استغرقت يومين فقط، ربما يكون السبب أنه حكي رجال؟ أو ربما لأني «فشيت خلقهم» لا أدري. فقط كتبوا أنها لعمر «+18».
○ كامرأة وفنانة ماذا يقدم لك المسرح؟
• أجد نفسي في المسرح، في التحليل، وفي التعاطي مع فريق المسرح من ممثلين ومصممين. نصبح عائلة تتشارك الحياة والأفكار. محظوظة لأني وجدت المهنة التي اعبر فيها عن ذاتي، وأفكاري حيث أطرح ما أؤمن به. ولا أقدم تنازلات في المسرح.
○ بين التدريس الجامعي والاخراج المسرحي هل تحصلين على الرضا نفسه؟
• نعم لأني أنقل الأفكار التي أؤمن بها. التعليم هو بناء الإنسان، وهو مؤثر أكثر من المسرح لأننا نبني عقولاً ما زالت طازجة. للمسرح أن يطرح تساؤلات وهذا ما أحبه. إنه مرآة الحقيقة وهذا ما أحبه في نوع المسرح الذي اخترته. المسرح للتسليه، والمسرح الجميل هو الحقيقي.
○ بعيداً عن المسرح هل كان لديك خيار آخر في الحياة؟
• عندما انهيت المدرسة وتقدمت بطلب لدخول كلية بيروت الجامعية كان أمامي ثلاثة خيارات مطلوب تعبئتها كتبت في الخانات الثلاث مسرح. أعدتني لتلك اللحظة.

لينا خوري: صعب على الرجل فتح باب أحاسيسه والذل مفتاح الانكسار الذكوري
مسرحها يعري الإنسان وصولاً إلى حقيقته «حكي رجال» بعد «حكي نسوان»
زهرة مرعي
- -

1 COMMENT

  1. تظل لبنان هي أم الثقافة العربية بنشاط ابنائها وابداعهم الثقافي, والفنانة لينا الخوري هي مثالاً صادقاً على ذلك.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left