كريستوفر سايمون سايكس في «الرجل الذي كوّن الشرق الأوسط»: جدي اعتقد أن الاتفاقية ستحفظ حقوق بريطانيا والعرب واليهود

سمير ناصيف

Mar 17, 2018

ماذا يحدث عندما يصبح مصير شعوب ومنطقة جغرافية محددة في يدي شخص واحد غير مستقر نفسياً وعائلياً رغم تمتعه بالذكاء والخبرة؟
هذا واحد من الأمور الهامة التي يطرحها كتاب صدر مؤخراً بعنوان: «الرجل الذي كوّن الشرق الأوسط» لمؤلفه كريستوفر سايمون سايكس ويحكي قصة جده مارك سايكس، الرجل الأساسي في «اتفاقية سايكس ـ بيكو» التي وقّعت في كانون الثاني/يناير عام 1916 بين مارك، ممثلا بريطانيا العظمى وشارل فرنسوا جورج بيكو، ممثلاً فرنسا، وتقرر فيها تقاسم المشرق العربي بين هاتين الدولتين العظميين في حال انتصار القوى الغربية الحليفة وبعد اسقاطها هيمنة الدولة العثمانية على المنطقة.
ويشير المؤلف ان مصادره ارتكزت في معظمها على الرسائل بين جده وجدته إيديث، خلال رحلات الجد في الشرق الأوسط تنفيذاً للمهمات التي كلفته بها الحكومة البريطانية، ومجموع هذه الرسائل 463 كتبت في مراحل مختلفة وشملت مواقف مارك سايكس السياسية والإنسانية والاجتماعية وقراراته والمواقف التي اتخذها.
ومن أهم ما يقوله المؤلف في مقدمة الكتاب ان مارك كان عنصرياً ولا ساميا في شبابه ولكنه بدّل مواقفه ليصبح الصديق المقرب جداً من قائد الحركة الصهيونية في أوروبا والعالم الصحافي ناحوم سوكولوف واستاذ العلوم وقائدها في بريطانيا حاييم وايتزمان، وانه بذل مجهوداً شخصياً كبيراً لدفع الحكومة البريطانية للقبول باتفاقية سايكس ـ بيكو وفي تحضير وإقرار «وعد بلفور» الذي وعد اليهود بإقامة دولة لهم في فلسطين.
ولعل من المفيد إدراج ما أورده الكاتب عن موقف جورج انطونيوس، المؤرخ العربي البارز وأحد أوائل طارحي فكرة نشوء القومية العربية وتقييمه كرجل فكر مارك سايكس. يقول جورج انطونيوس تعليقاً على مواقف سايكس بعد وفاته: «موته شكل كارثة لليهود والعرب والبريطانيين برغم ان اتفاقية سايكس بيكو أحدثت صدمةً ووقّعت نتيجة للجشع والتعامل المزدوج المشكوك فيه من جانب. ولكن مواقف مارك سايكس من اتفاقية سايكس ـ بيكو تبدلت في الفترة الأخيرة التي سبقت وفاته عندما أدرك صعوبة تطبيقها، مما جمّد هذه الاتفاقية لفترة. أما المشكلة فهي انه حتى لو ثبت ذكاء والتزام سايكس بمواقفه، فمن الخطير أن يؤثر شخص بمفرده على وضع نصوص وتوقيع معاهدات واتفاقيات تقرر مصير شعوب كالاتفاقيات التي وقّع عليها سايكس أو ساهم في وضع بنودها وتوقيعها. ولعله كان سيؤثر على مجرى اتفاقية معاهدة فرساي لو ظل حياً وساهم في طرح شكوكه وتحفظاته على المشاركين فيها، ولربما كانت بنودها ستصبح أكثر حكمة». (ص332).
وعندما يطلع القارئ على الفصول الأولى من الكتاب عن حياة مارك سايكس العائلية وعيشه كطفل وحيد مع والد غني وذي نفوذ كبير قمع زوجته إلى درجة انها تحولت إلى امرأة مدمنة، ثم رفعت دعوى طلاق ضد زوجها وحاولت استمالة ابنها مارك للشهادة ضد والده في المحاكم، سيدرك ان شخصية سايكس المتحمسة والمتسرعة والمتبدلة والتي تتسم بالتطرف ربما عادت إلى حد كبير إلى حياته الصعبة والمشوشة كطفل وكصبي، وأن أول ما فعله عندما وصل إلى سن المراهقة كان السفر من بلد عربي وآسيوي إلى آخر ربما للابتعاد عن أجواء بيته وللانغماس بعالم المشرق العربي في حضاراته المختلفة مما نقله من شعور باللاسامية والعنصرية إلى تأييد مفرط للقضية اليهودية، ومن محاولة استمالة الشريف حسين ونجليه الأميرين فيصل وعبدالله إلى التآمر بالتعاون مع فرنسا على مستقبل المنطقة وتقديم الوعود الكاذبة للقادة العرب والمتواطئة لليهود.
المؤسف ان أمثال مارك سايكس تواجدوا في الماضي وربما ما زال بعضهم يتواجد في الحاضر في بلدان فاعلة وهم يمسكون بالقرارات المصيرية. فعلى سبيل المثال عندما وقف مارك سايكس أمام حكومة الحرب البريطانية في عام 1916 ورسم بقلمه على خريطة كيف يجب ان يكون تقسيم المشرق العربي واضعاً خطاً بين الجزء الشمالي الذي سيكون تحت سيطرة فرنسا (سوريا ولبنان) والجزء الجنوبي الذي سيكون تحت سيطرة بريطانيا (فلسطين والعراق) والجزء الأوسط وأقصى الجنوب الذي سيكون تحت سيطرة الشريف حسين، ربما فعل ذلك بدوافع بعضها شخصي. وبالرغم من أن هذه الخريطة لم تُطبق كلياً بعد اتفاقية معاهدة فرساي عام 1919 وبعد تخلي القوى الاستعمارية (وخصوصا بريطانيا) عن اتفاقية سايكس بيكو، فأنها وضعت الأسس لما حدث لاحقاً من تقسيم للمنطقة ومما (حسب ما يقول بعض المحللين) ما زال يحدث في مشاريع تقسيم المنطقة حالياً من أجل الحصول على حصص أكبر في النفط والغاز الكثيف التواجد فيها.
وفي الصفحة (338) يقول المؤلف ان وزير المستعمرات البريطاني آنذاك ونستون تشرتشل أعاد تقسيم المنطقة بشكل يبسطُ نفوذ بريطانيا بشكل أكبر على المناطق الغنية بالنفط على حساب فرنسا، وخصوصاً في شمال العراق وان توزيع القيادات والعروش في العراق والأردن وجنوبهما استوحاه من ذلك المنطلق.
وأهم ما في الفصل (11) ان سايكس أقنع المفوض البريطاني السامي في مصر بالإيعاز إلى الحكومة البريطانية بضرورة التعاون مع فرنسا في تقسيم المنطقة، فقبلت الحكومة في لندن ذلك وبالتالي أرسلت فرنسا قنصلها العام في بيروت شارل فرنسوا جورج بيكو المطلع على شؤون المنطقة للتفاوض مع سايكس. والتقى الرجلان وشعرا بتفاهم كبير بينهما، لكن مارك واجه صعوبة في اقناع الحكومة البريطانية بقيادة اللورد اسكويث بتفهم مطالب فرنسا. فالتقى سايكس حكومة الحرب البريطانية ورسم خريطته الشهيرة أمامها، فاقتنع اللورد كيتشنر (المسؤول الحربي الأول) بالأمر وسلمه مهمة التفاوض مع فرنسا شخصياً وأوكل إليه مهمة التعامل مع بيكو على هذا الأساس (ص 256). وفي هذه المفاوضات، رضخ سايكس لشرط بيكو عدم إدراج لبنان في المناطق التي قد تذهب للسيطرة العربية وإبقاء هذا البلد تحت الانتداب الفرنسي مع بعض الاستقلالية بسبب معارضة مسيحيي لبنان الخضوع لسلطة الشريف حسين وأبنائه ونتيجة لتعاطف بيكو معهم. (وهنا أيضا يبرز العامل الشخصي في المفاوضات). وتم توقيع اتفاقية سايكس بيكو في 3 كانون الثاني (يناير) 1916 التي أوضحت مناطق النفوذ لكل من بريطانيا وفرنسا لدى سقوط الدولة العثمانية. كما تم الاتفاق على إعطاء دولة عربية للشريف حسين مقابل تعاونه مع المقاومة العسكرية بواسطة ثورة عربية ضد الحكم العثماني وسلطته في المنطقة. كما اُعلمت روسيا بتفاصيل الاتفاق، مما أضر لاحقاً بهذه الاتفاقية، إذ انه بعد سقوط النظام القيصري في روسيا فضح الشيوعيون البلشفيون بواسطة ليون تروتسكي، تفاصيل هذا الاتفاق السري ما أغضب الشريف حسين عندما أدرك ان فرنسا ستظل مهيمنة على مناطق كان مارك سايكس قد وعده انها ستصبح تحت سيطرته (خصوصاً في سوريا). علماً ان تفاصيل الاتفاقية، أُخفيت عن الشريف حسين (ص 259). كما أصرت الحكومة البريطانية على ان تنفيذ اتفاقية سايكس بيكو لن يتم إلا بعد ان يطلق الشريف حسين ثورته ميدانياً. وقد اعترض مسؤول كبير في الاستخبارات البريطانية على ان الاتفاقية في عرضها الأول على الحكومة لم تتطرق إلى دور اليهود المستقبلي في المنطقة (ص 265) وإلى انهم (أي اليهود) قد يعارضونها ويعارضون أي وعود تُعطى للعرب. وهنا أدرك سايكس ان لدى اليهود مؤيدين فاعلين في الحكومة البريطانية وبينهم اللورد سامويل واللورد آرثر بلفور وزير الحربية. وبعد انتقال رئاسة الحكومة إلى ديفيد لويد جورج، كان على مارك سايكس أخذ مواقفهم بجدية. وطرح اللورد سامويل فكرة انه ستحدث خلافات بين الدول المنتصرة في الحرب حول فلسطين ووضعها إذا لم يتم توضيح من سيفرض نفوذه عليها فلماذا تدويلها؟ ولم لا تعطى لليهود كما تطالب المنظمات القومية اليهودية العالمية؟ كما طرح أهمية سيطرة بريطانيا العظمى على فلسطين مباشرة بعد الحرب كي لا تحدث حرب أهلية تفوق فيها عدد العرب على اليهود وتُرتكب المجازر بحقهم (بحق اليهود) (ص 268). وحظيت الفكرة بتأييد المنظمات اليهودية فيما عارضها فرنسوا جورج بيكو مطالباً بتدويل فلسطين أو إعطاء فرنسا منطقة نفوذ فيها أيضا (ص 269)، أو بانتداب فرنسي ـ بريطاني على دولة بقيادة الشريف حسين. ورُفضت طروحاته من بريطانيا. وتم تعريف مارك سايكس على القيادات الصهيونية في بريطانيا والعالم في نيسان (ابريل) 1916 وهم الحاخام موزيس غاستر (حاخام بريطانيا) وحاييم وايتزمان (رئيس الرابطة الصهيونية البريطانية) وناحوم سوكولوف، رئيس الرابطة الصهيونية العالمية.
ولدى تعيين لويد جورج رئيساً للحكومة، تم تأليف لجنة للتعامل مع قضية اليهود وفلسطين ضمت مارك سايكس ومسؤولين اثنين مؤيدين للصهيونية، وبالتالي لم تعد الأمور بيديه منفردا. (ص 279).
وبعد ذلك، اقتنع سايكس ان اليهود ربما سيفيدون المصلحة البريطانية إلى درجة أكبر من العرب (ص 280) وان فلسطين يجب ان تخضع للسلطة البريطانية بعد اخراج الدولة العثمانية منها. وهنا يتبين في الكتاب، تنقل سايكس بين المواقف بنسبة 180 درجة، وصار مارك يبرر ترويجه للمشروع الصهيوني لأنه في مصلحة بريطانيا وتنفيذا لأوامر لويد جورج، ولكنه كان دائماً يطرح ان هذا البيت القومي الذي سيُعطى لليهود يجب ألا يتعرض فيه السكان غير اليهود لأي معاملة تنكيل أو اعتداء أو تهجير (ص 281) ولكن الأمور حدثت عكس ذلك لاحقاً.
وبعد مطالبة المنظمات الصهيونية العالمية بوضع ما ورد في اتفاقيات سايكس وبيكو وتعديلاتهما في قالب اتفاقية مكتوبة وبسبب نفوذ بعض الوزراء البريطانيين، تمت كتابة «وعد بلفور» على يدي ناحوم سوكولوف ورفاقه بالتعاون مع مارك سايكس. وساهم سايكس مساهمة كبيرة في وضع مسودة الوثيقة، ثم جرى اختصارها وقدمها كاتبوها إلى زعيم رابطة العائلات اليهودية في بريطانيا اللورد روتشيلد الذي قدّمها بدوره لبلفور وجرت مداولات لأشهر في الحكومة البريطانية تمت بعدها الموافقة على «وعد بلفور» في 2 تشرين الثاني (نوفمبر) 1917 بعد الحصول على موافقة الحكومة الفرنسية (ص 295).
وأكد مارك للأمير فيصل في رسالته ان «اليهود يمكن ان يصبحوا حلفاء للعرب». وباعتراف سوكولوف في مذكراته كان سايكس «طيب القلب ولكن ساذجاً ببراءة». (ص 297).

Christopher Simon Sykes: The Man Who Created the Middle East
William Collins, London 2016
384 pages.

كريستوفر سايمون سايكس في «الرجل الذي كوّن الشرق الأوسط»: جدي اعتقد أن الاتفاقية ستحفظ حقوق بريطانيا والعرب واليهود

سمير ناصيف

- -

2 تعليقات

  1. قناة البريطانية رويترز ملك لعائلة روتشيلد الصهيونية ، واشنطن ولندن هم عواصم السياسية لإسرائيل الكبرى والله الستعان

  2. كل انهار الدنيا لن تغسل افعالكم..كل افعالكم مبنيه على رؤى توراتية وانجيليه لتدمير المنطقه وشعوبها للوصول إلى لحظه نزول المخلص..واي كلام غير هذا فهو غير صحيح ولا يفسر حقيقة سياسة الغرب في الشرق الأوسط وخاصه سياستهم في العراق وسوريا وفلسطين

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left