العراقية دنيا ميخائيل «في سوق السبايا»: عمل حزين يروي حكايات مرعبة تفوق الخيال

هاشم شفيق

Mar 17, 2018

حتى اللحظة، لم يعرف المجتمع العراقي برمته والمجتمعات العربية، ومن ثم بقية الشعوب في العالم، من أرسل ما يسمى بـ تنظيم «الدولة الإسلامية»، أو ما يُعرف بـ «داعش» إلى العراق وسوريا، وفيما بعد إلى ليبيا ومصر. ثمة تساؤلات يطرحها الجميع، حتى أولئك الذين سهَّلوا دخوله وساعدوا على وجوده وتغلغله في نسيج المجتمعات العربية، هنا نرى الكلّ يتجاهل الأمر، بعضهم يجد مبررات إثنية ومسوِّغات براغماتية، ويسوق طروحات وتحليلات ثيوقراطية لذلك، ولكن الكل لا يعرف كيف قيِّض لشخوص غرباء في الغالب، وحثالات فكرية وأيديولوجية متخلفة وماضوية، محلية، وعربية، وأجنبية، أنْ تأتي إلى بلد حضاري مثل العراق، لتنتهك تخومه وحيثياته وطبائعه، من أجل أن تقوده صوب الجاهلية والعماء والأعصر المنحطة والمظلمة، ولا يطلع أحد ليمنع هذه الرموز البدائية والمتوحشة من التسلل إلى بلد الحضارات، كي تبني عليه نسقاً فاشياً، له كل المقوِّمات الحديثة من إنترنت وأدوات تواصل اجتماعي، وميديا حديثة ومتطوِّرة، لتكون فاعلة وعاملة بين يديها، بيد أن هذه الرموز الهمجية تأخذ من الحضارة ما ينفعها لتقدم في المآل إلى أهل الموصل من العرب، المسلمين والمسيحيين والإثنيات الأخرى كالإيزيديين المسالمين والطيبين، نظاماً نازياً في غاية التطرف والوحشية، لكن المُلفت في الأمر أنَّ كل ذلك يُبنى ويتم دون أن تعرف به المخابرات المركزية الأمريكية، والموساد والحرس الثوري الايراني والمخابرات التركية والمخابرات العربية التي تطارد العاملين على أرضها كونهم لا يملكون أوراق إقامة، كل هؤلاء يتبرأون وينأون بأنفسهم، حين يتم طرح أسئلة جارحة وممضة ومحرقة تدور على ألسنة كثيرة ولا تجد جواباً شافياً لها، يبلسم لواعجها ومواجدها وحروقها الداخلية. كيف جاء هؤلاء، ومن دعمهم وهيّأ الأجواء والمطارات وعبور الحدود الدولية لهم؟ من مهر جوازاتهم؟ من انسحب وأخلى المكان لهم؟ ووهب حواضر لهم كالموصل والرقة وحلب، من أعانهم من رؤساء وزراء وأعضاء برلمانات عراقية وعربية وأجنبية؟ ولماذا لم يحاسب أحد من هؤلاء؟ ثم أين هم الدواعش من القادة والمسؤولين الذين أرعبوا العالم خلال ثلاث سنوات؟ أين هم وكيف اختفوا بهذه السرعة؟ ومن هم؟ لم نرَ احداً منهم، لم يعترف قائد داعشي كبير بما اقترف من جرائم بحق الإنسانية، بل رأينا أطفالاً ونساءً قادمات من تركيا وأطفالاً من داغستان وأوزبكستان والشيشان وتونس، وعرضت صورة امرأة ألمانية وصورة أمريكي أشقر قد أعدما، وثمة فيديو تسجيلي لباصات من «عرسال» فيها دواعش أسرى، كان يوزع عليهم الماء والحلوى والعصائر وكأنهم ذاهبون في نزهة إلى مكان ما، وهم حقاً كانوا مُرحُّلين إلى مكان معين، ولكن إلى أين؟ ومن يقف وراء هؤلاء الدواعش المدلَّلين؟ وإلى أين أوصلوهم في رحلتهم الغامضة والمريبة؟
إنها أسئلة موجعة لا تنتهي، أثارها لي كتاب جريء ومهم، هو عبارة عن تحقيق مطوّل سوسيولوجي وأنثروبولوجي، تمَّ مع شخوص أحياء كانوا ضحايا لداعش، وشخوص آخرين كانوا أبطالا حقيقيين، عملوا في خدمة البشرية والإنسانية التي تعرَّضتْ في أزمنة داعش إلى المحو والإبادة والقتل الجماعي ودفن أحياء في مقابر جماعية، أما الأولاد والصبيان فبعضهم يُقتل، وبعضهم يغسل دماغه ليجنَّد معهم، أما النساء والفتيات فهنَّ مشروع بيع وشراء ومشاريع اغتصاب جماعي من قبل القبائل الداعشية المجرمة والمتوحشة.
هذا ما توضّحه الشاعرة والكاتبة العراقية دنيا ميخائيل، في كتابها الموسوم «في سوق السبايا»، وهو كتاب في غاية الدقة والاعتناء بكل تفصيل قامت به داعش ضد أُناس مسالمين، مثل المسيحيين والإيزيديين وبقية القوميات والطوائف والمذاهب العراقية، التي وجدت نفسها أمام القتلة وجهاً لوجه، ففضَّلت الهروب وعدم الانصياع لنهجهم الارتجاعي، المتخلف والفاشستي، وغير المستند إلى أي منطق وعلم ودين، ففرَّتْ بجلدها باحثة عن الأمان، واللقمة غير الملطخة بدم القتلة.
تتعرف الكاتبة وهي تقيم في أمريكا، على عبد الله، من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، فتظل على صلة معه عبر الهاتف، فهو إيزيدي، عائلته تعرضت للخطف والإبادة والملاحقة وللبيع والشراء مثل الآخرين، فتتواصل معه حيثما كان، وهو يواصل عمله الشاق والخطر والمُغامر، وأيضاً العظيم والإنساني والشهم، حيث يقوم بمساعدة من يستطيع مساعدته للتخلص من القتل على يد العصابة المتوحّشة.
ثمة في الكتاب قصص مرعبة ومبكية حقاً، لما تعرض له الإيزيديون والمسيحيون وحتى المسلمون العرب والأكراد والتركمان من ملاحقات وخطف وقتل ومضايقات. إنه كتاب يلقي المزيد من الضوء على مصير الضحايا مع هذا التنظيم القاتل.
البداية كانت مع هوشيار وأمه وإخوته. إنه صبي كان في الرقة السورية، بعد أن جاءوا بهم من سنجار، وتحديداً من منطقة كوجو، تخلصوا من الرجال بقتلهم، بقي هو وعائلته. يقول هوشيار: إن ابو جهاد كان يجبرني على صناعة الصواريخ، كان يعطينا كمية من المواد الكيميائية لصناعتها، وإن تلكأنا في العمل ولم ننجز كل الصواريخ التي أعطيت لنا، سيضربنا بالأسلاك الكهربائية أنا وأمي وأخواتي وكان معنا الكثير من العوائل التي تعمل مثلنا، وأبو جهاد هذا كان من روسيا، كان يجوِّعنا، ولم يعطني من طعام سوى العظام المتبقية من طعامه. أما رولا أخت هوشيار، فتقول: كنا نصنع لهم الصواريخ كل يوم من مادة «التي أنْ تي « وهناك في سوريا تم بيعنا عدة مرات من شخص إلى آخر.
يقول عبد الله المتبرِّع للعمل في مكتب شؤون الخاطفين دون مقابل: إنه كان يقيم علائق ودية مع مهرّبي السجائر، «إذ كنت أعتمد عليهم في العمل على إنقاذ العوائل الإيزيدية المختطفة الموجودة في سوريا، فعملهم هذا يرد عليهم موارد مالية أكبر من تهريب السجائر، هذا بالرغم من أن جميع سواق السيارات المهرِّبين هؤلاء كانوا أيضاً مدفوعين بدافع إنساني، لتخليص الضحايا من براثن داعش، طبعاً فقدنا بعض المهرِّبين المتعاونين معنا، بسبب وجود جواسيس لداعش من العاملين كسواق لنقل الركاب بين سوريا والعراق، أي بين دهوك وحلب والرقة».
ويستطرد عبد الله قائلا بصدد الحوادث المريعة والخيالية: «مرة اتصلت بي ابنة أخي مروة، وكانت موجودة في الرقة، محتجزة مع نساء أخريات، حارستها امرأة من داعش لا رحمة في قلبها، وهي مثلهم تهوى الضرب والتعذيب والقتل، كانت هذه سجَّانتها، ثم هربت مروة ملتزمة بتوصياتي، بعد أن سرقت مفتاح سجانتها وهي نائمة. كان الوقت في الرابعة صباحاً، في الطريق رأت سيارة مارة، فأوقفتها وانهارت في السيارة باكية، ولما سألها السائق عن أمرها، قالت إنها هاربة من داعش وتتمنى أن يقتلها ولا أن تعود إليهم، فقال لها السائق، أنا سأوصلك إلى مناطق فيها عشائر عربية، هناك اطرقي أي باب تصادفينه، وقولي لهم إني دخيلة عندكم، فالعرب لا يصدون من يأتي دخيلاً عليهم. أوصلها السائق حقاً ودارت في المنطقة، طرقت أحد الأبواب وكان بيتاً صغيراً فيه عائلة كبيرة، فتحوا لها، وحين شرحت لهم وضعها مع داعش تعاطفوا معها وبكوا لأجلها، وحين وجدت فرصة للاتصال بعمها من إحدى مقاهي الإنترنت، اكتشف صاحب المقهى اللعين هويتها، فهدد العائلة الطيبة، فطلب منهم فدية على سكوته وتهريبها سبعة آلاف وخمسمئة دولار، صُدمت العائلة بذلك، فهي عائلة فقيرة ولا تملك شيئاً، فهبّوا لمساعدتها بجمع المبلغ من العوائل والأقارب المنتشرة في قرى الرقة، حتى تم تأمين سبعة آلاف دولار له.
كل قصة في هذا الكتاب، هي موضوع رواية، تكمن في تفاصيلها، وفي نوع الدراما العالية والتراجيديا المتواترة، وبالغة التعقيد في تنوع هذه المآسي اللاإنسانية.
الكتاب ونحن نوغل في قراءته يفاجئنا بين قصة وأخرى، بثالثة أكثر مرارة وقسوة وعنفاً ودمارا من سابقتها، بفعل منسوب كلومها، وجروحها، كفنون التعذيب، ودفن الأحياء من النساء، أمام عوائلهم، ناهيك عن سوق السبايا، حيث العرض والطلب، مثل أي سلعة تباع وتشترى وتُستبدل، ومن ثم فنون الاغتصاب التي تفنَّنوا بها، وزادوا على الفاشية بأساليبهم الإجرامية.
ثمة قصص رهيبة منها إقدامهم على دفن 67 جدة بعد أن عزلوهنّ عن أحفادهن الذكور والإناث، ودفنوهنّ أحياء، هذا ما روته كامي التي لم يشترها أحد لتقدمها في السن، وتضيف: كان المشهد مرعباً ومروِّعا بالنسبة للجدات وهنّ يُفصلنَ ويُدفن أحياء، بإهالة التراب عليهن في مقابر جماعية. أما الرجال فيقول خالد وهو أحد الضحايا الناجين مثل كامي: «إنهم كانوا أكثر من أربعمئة شاب حين صفُّوهم واحداً جنب الآخر، بمحاذاة حفرة كبيرة حُفرتْ بالحفَّارات الكبيرة، ثم أطلقوا النار علينا، ولكني لم أمتْ، بل تظاهرت بالموت، كنت مصاباً في قدمي ويدي، أنا ساعدني مسلم سنِّي لم أعرفه، وقد أبدى اعتذاره عما فعله بنا داعش، لقد أنقذني بشرب عصير العنب الذي كان يعوِّض عن الدماء التي نزفتها»، بينما بديعة التي بيعتْ لصغرها وشدِّة جمالها، فقدَّمت ثلاث حيل لتتجنب الزواج من الدواعش، وهي: عدم التحميم، والظهور بمظهر الوساخة والرائحة غير الطيبة، والثانية الادعاء بأنها متزوجة، ليكون بيعها أبطأ من العذراوات، والحيلة الثالثة كانت التظاهر بأنها حامل، وحين اشتراها أمريكي واغتصبها عنوة واكتشف أنها ليست عذراء جن جنونه، وهدَّدها بالقتل لأنها قد كذبت عليهم، وذلك سيؤدي حسب قوله إلى قتلها. أما مادلين فلقد وقعتْ في متلازمة ستوك هولم، فأحبَّتْ جلادها، أو زوجها السعودي أبو سليمان، وقد تمّ إنقاذها أثناء سفر السعودي إلى السعودية، بتخديرها بحبة منوِّم وإحضارها عن طريق مهرب إلى بيت عمِّها في دهوك. كانت النساء دائماً في حالة بيع وشراء.
نعود إلى خالد الجريح الذي نجا فيقول: بعد أن قتلوا جميع أبناء منطقتي ونجوت بقدرة قادر، أخذوا الفتيات الصغار وكان عددهن 600. تقول الناجية مها: لقد باعونا بالجملة لتاجر سوري اسمه ابو علي، على الرأس 150 دولاراً، ولكن أبو علي باعنا بالمفرد بأكثر من ذلك. وتقول مها: أنا اشتراني طبيب سوري، يعمل في مستشفى في منبج في حلب، كان معي أولادي الأربعة بنتان وولدان، البنت الكبرى كانت في الرابعة عشرة، ولقد باعها خالد أمام عيني وعيون أخواتها، وحين أعددتُ خطة للهرب وهربتُ وشى بي صاحب مقهى، حتى استلمها خالد من جديد، أدماها ضرباً هي وأولادها، بعد ذلك وعقاباُ لها قتل أولادها الثلاثة أمام عينيها، صارت شبه مجنونة، ثمّ فقدت أي حس بالحياة، فحاولت الانتحار، إلى أن نجت بطريقة عجائبية، ليس ثمة مجال لسردها، أو لسرد المتبقِّي من الحكايات المرعبة، تلك التي تفوق الخيال والوصف في هذا الكتاب الحزين.

دنيا ميخائيل: «في سوق السبايا»
منشورات المتوسط، ميلانو،
ايطاليا 2017
223 صفحة.

رواية العراقية دنيا ميخائيل «في سوق السبايا»: عمل حزين يروي حكايات مرعبة تفوق الخيال

هاشم شفيق

- -

2 تعليقات

  1. ولاحول ولاقوة إلا بالله, يا الله ماهذا الكابوس الذي أصابنا. بالطبع لايختلف ذلك كثيراً عن ما يفعله النظام السوري وشبيحته أيصاً. فاقبية السجون ومجازر البيضا والقبير …. والغوطة, ولاحول ولاقوة إلا بالله

  2. الأستاذ الفاضل هاشم شفيق:
    أجمل وأقوى عبارة وردت في المقال،”لم نرَأحداًمنهم،لم يعترف قائد داعشي كبير بما أقترف من جرائم ضد الإنسانية….”إن الكتاب يُلقي الضوء على هذه الظاهرة والحركة المريبة التي شغلت الدول والمجتمعات والقت الخوف في قلوب الملايين على مدى أربع سنوات وما زالت تُستخدم كشماعة لتخويف شعوب المنطقة وأنظمتها من شبح يجوب في الليل ويختفي في النهار .سؤال مازال يؤرق الباحثين والمهتمين بشؤون الجماعات الإرهابية،من أين هبطوا؟ ومن وراءهم؟من هم الداعمين الأساسيين والُممولين؟وفي النهاية من هوالمستفيد الأكبرمن هذه الظاهرة التي مازالت لغزاً؟كان سقوط الموصل مُفاجأة كُبرى لكل مهتم ووطني غيور،سواءاً أكان عراقياً أم من أي قطر عربي شقيق آخر.ولم يُسأل المالكي حينها ولاحقاً، عن سبب سقوط كُبرى مُدن العراق،المدينة التي كانت تحوي أكبر وأحدث ترسانة عسكرية في العراق.وكذلك الأمر في سورية لغاية اليوم لم يتم تقديم تفسير منطقي عن سقوط الرقة وضواحيها وقراها بيد داعش .إن دروس التاريخ تعلمنا أن العمليات المُمولة من دوائر الغرف السوداء(أجهزة المخابرات العالمية والمحلية)لا تترك وثائق وليس لها سجلات.لذا فليس من المستبعد أن تكون ظاهرة”داعش”جزءاً من مخطط عالمي رفيع المستوى لضرب مفهوم الثورات في العالم العربي ،ولتشويه الفكرالتحرري المُعادي لأنظمة الأستبداد.لكل طرف دولي داعشه (روسياوامريكا)ولكل جهة أقليمية داعشها(إيران وتركيا) ناهيك عن الأنظمة التي مازالت تحتفظ تحت عبائتها ما يُخيف شعوبها من بعبع التطرف الإسلامي.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left