«وجوه» و«حواديت بنات»: عن تفاصيل الطفولة وحياة المهرجين

Mar 17, 2018

القاهرة ـ «القدس العربي»: الروح الطفولية هي النغمة التي تسيطر وتتحكم في مفردات العمل الفني، هذه الروح التي تبدو من بعيد بريئة للغاية، لكنها غير متسامحة بالمرّة، كاشفة عن عالم أكثر عمقاً يكاد يصل إلى المأساة التي تتجسد عبر تفاصيل اللوحة أو العمل النحتي. وبالمصادفة جاء بالتزامن معرض كل من الفنانين جمال عبد الناصر وخالد سرور، ليحمل الأول عنوان «وجوه» والثاني «حواديت بنات». ورغم التباين من حيث الموضوع والتقنية، إلا أن كل منهما يردد نغمة مأساوية ساخرة، سواء عن عالم ولّى وانتهى ــ عالم الطفولة ــ أو من خلال وجوه أصبحت تفصح عن أرواح أصحابها، حتى تناسوا بدورهم وجههم الحقيقي، الذي اختفى كما يختفي وجه المهرج خلف المساحيق المصنوعة، ليثير ضحك الجمهور. لكن الأمر هنا أكثر من إثارة الضحك، بل تنويعات لوجوه وملامح أصبحت هكذا دون أن يدري أصحابها، وكأنهم أمام مرآة حقيقية هي عين المتلقي، لكنهم ــ أصحاب ملامحهم والحريصون عليها ــ لا يدرون عن الأمر شيئاً، وهي المفارقة الأكثر تأثيراً والأكثر مدعاة للسخرية.

«حواديت بنات»

من خلال تفاصيل الحياة الشعبية، الحواري والأزقة، الألعاب والاحتفالات والموالد، يصوغ الفنان خالد سرور حواديته أو حكايات أطفاله البنات، بداية من فعل الاستيقاظ الصباحي ولحظات الغضب الطفولي المعهود، حتى تفاصيل اليوم العادي، كاللعب في البيت أو الشارع أو زيارة المولد وما شابه من الاحتفالات الصاخبة. ومن خلال بطولة الطفلة المتصدرة كل لوحة، تصبح بدورها العامل المشترك الجمالي بين تفاصيل توحي بواقع وأخرى أكثر رحابة كحلم، فتقوم بتحريك العرائس الخشبية أو تجتلس سطح بيت، أو تتعلق في أرجوحة مولد شعبي، وتحلم بالأسماك من حولها ــ أسماك تصعد إليها في السماء ــ وصولاً إلى اجتلاسها هلالاً يتوسط السماء، ويبدو أحد الديكة يناديها ويحادثها وحدها. هكذا ترسم البنات حيواتهن أو حكاياتهن بمعنى أدق، وهكذا يبدون دوماً من خلال تفاصيل الوجه والملابس كمساحات لونية متباينة ومبهجة، دونما تعقيد أو تفاصيل وخطوط حادة، فجميع العوالم المتباينة ممكن أن تجتمع معاً في لوحة واحدة، دونما اغتراب أو تنافر، هكذا ترى الطفلة وتعيش من خلال هذا العالم الذي يحاول أن يليق بمخيلتها، قطط وأسماك وعرائس ملونة وحصان خشبي ودراجة، أشجار ونخلات عالية، بلياتشو السيرك الشعبي، الذي يستمد بعض ألوانه من ألوان ملابس الطفلة.
ورغم الحِس الشعبي الطاغي على تفاصيل اللوحات، إلا أن الفنان يبتعد عن التجسيد المباشر عن هذا العالم ــ عين السائح الغريب المنبهر ــ فيصوغه في تركيبات لونية وتشكيلات للحداثة أقرب، متوسلاً طريقة رسم الأطفال، حيث التجريد وزخم التفاصيل معاً، وهي مسألة غاية في الصعوبة، من حيث خلق إيقاع طفولي يعرفه الطفل وحده، دون استطاعته شرحه أو التعبير عن كنهه، فقط هكذا يرى ويُعبّر، وهو ما جسده الفنان من خلال جميع لوحاته.
ولكن رغم كل هذه البهجة والاحتفالية الممتدة عبر اللوحات، هناك الكثير من الأسى والوحدة، حتى لنظن أن الأمر يرتبط بفتاة كبرت، وما تفعله مجرد ذكريات تتوسلها في صبر، وتعرف تماماً أنها لن تعود مرّة أخرى.

وجوه

ما بين اللوحة ذات البعدين والتجسيد من خلال فن النحت تتواتر وجوه الفنان جمال عبد الناصر، هذه المراوغة في التقنية تمتد إلى الموضوع نفسه، فيصبح كل من العمل وتقنياته تعبيراً عن فكرة متكاملة جسدها الفنان عبر منحوتاته المختلفة. ومن البداية يبدأ تحوير الوجه للكشف عن سلوك وشخصية صاحبه ــ من الممكن أن نرى بعض سلوكنا في ملمح هذا الوجه أو ذاك ــ الأمر اللافت أن الوحيد الذي لا يرى وجهه ــ كما أراد له الفنان ــ هو صاحب الوجه نفسه، فوجوهنا ليست ملكاً لنا كما نظن، وهي الشيء الذي يراه الآخرون أكثر من أنفسنا، وهكذا نصبح هنا ونحن نتمثل دور المتلقي المرآة الأكثر صدقاً من أصحاب الوجوه أنفسهم.
لك أن ترى الكثير من التفاصيل الساخرة لهذه الوجوه، فهي أقرب للحيوانات تارة، وأخرى أقرب للكائنات الفضائية كما في عالم أفلام الخيال العلمي، أو مخلوقات رخوة وكائنات خارجة من عالم الكوابيس. طريقة وضع التمثال، ونظرة التباهي التي تعلو ملامحه المشوّهة ــ هو لا يدري أنه مشوّه ويثير السخرية ــ تتماس مع العديد من الساسة أو فكرة السلطة ــ أياً كانت ــ قد نستشعر أن صاحب الوجه يعتلي منصة خطاب، وأنه يتباهى ويثق ثقة مطلقة في ملامحه وبالتالي كلماته التي يوجهها إلى الجميع، هنا يراه الجمهور/ المتلقي على وجه الحقيقة، فيزداد الأمر ضحكاً وسخرية، فما بين جدية الخطاب ــ شخوص عبد الناصر توحي وكأنها تتحدث باستمرار ــ وملامح صاحبه، تستقيم نغمة المفارقة تماماً، وتصبح بدورها أشبه بالإيقاع الذي يحكم الأعمال الفنية كلها.
وبما أن السخرية ليست من الأفعال البريئة كما تدّعي، فإن حسها الانتقامي لا يخبو، بل يتزايد ولا يرحم أحداً. من خوذة تخفي ملامح صاحبها، إلى امرأة تبالغ في زينتها، فقط شفاه مشوّهة، إلى تاج يعلو رأس صاحبه، أو آخر يتمثل وجه أحد الدِيَكة، حالة مزمنة من التباهي المزعوم، وصولاً لآخر تختلط تفاصيل وجهه، ولا توضع في مكانها الصحيح، كما في ملامح الوجه المعتادة. فالمبالغة لا تقتصر على تفاصيل الوجه فقط، بل تمتد لتغيّر من ترتيب عناصر الوجه نفسه، من عين وأنف وأذن وشفاه، هي أكثر ما نلمحه في معظم الوجوه، ومن هنا تأتي حالة الحديث المستمر لكل وجه، وما يريد قوله ــ لنا الحرية في تخييل هذا ــ بل والمستميت في قوله، ويقينه في أهميته، بل وعلينا أن نستمع لما يوحي إليه من كلمات. ومن هذه القداسة المتخيلة لصاحب الوجه وكلماته، والتي تتنافى تماماً مع ملامحه، تتولد حالة لا تنتهي من الكوميديا السوداء.

«وجوه» و«حواديت بنات»: عن تفاصيل الطفولة وحياة المهرجين
معرضان أقيما في غاليري الزمالك للفن في القاهرة
محمد عبد الرحيم
- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left