صفد عروس الجليل شاهدة على نكبة ما زالت تنزف

وديع عواودة

Mar 17, 2018

الناصرة ـ «القدس العربي»: كانت الطريق إلى صفد توحي بكل شعور طيب يخطر على بال زائر تدهشه مشاهد الطبيعة الخلابة في الجليل الأعلى وتسحره ملامح الربيع المتفتح بكل أصناف الزهور، وكانت أشجار اللوز بأزهارها الشفافة زهرية اللون قد حولت المشهد إلى لوحة طبيعية أخاّذة. يبقى الزائر مسكونا بشعور حلو حتى يصل المدينة الفلسطينية التاريخية عاصمة الجليل الأعلى، فيرى يد التهويد تطال المساجد والكنائس والمقامات والبيوت والقلاع التاريخية وتسميات المكان ولافتات الشوارع. يشار إلى أن مدينة صفد شمال فلسطين التي اشتهرت بصناعة الصوف والقماش كاشتهار شقيقتها الساحلية عسقلان بالنسيج، تعتبر القضاء الثاني في فلسطين من ناحية المساحة والكثافة السكانية، ويضم 93 قرية. لم تشهد مدينة فلسطينية عمليات تهويد وطمس لهوية المواقع الأصلية كما هو الحال في صفد حيث تنتشر عشرات الكنائس القائمة في أغلبيتها في مبان فلسطينية مهجّرة منذ 1948. وتتجلى رمزية التهويد والسلب والنهب للمقدرات الفلسطينية في بيت الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي هجّر من مدينته وهو في الثالثة عشرة حيث كان يستخدم حتى الماضي القريب مقرا للحزب الحاكم في إسرائيل، «الليكود». وهذا مرتبط على ما يبدو بكون صفد تمتاز اليوم بتزمت سكانها اليهود المتدينين أتباع مختلف المدارس الدينية خاصة الأرثوذوكسية التي بنت لها عشرات المقرات والكنس في كل شارع وزقاق وزاوية وهم يعتدون باستمرار على من يزورها من العرب. والمفارقة أن هذا الواقع مختلف عما كانت عليه المدينة قبل أن يعصف بها تسونامي الصهيونية عام 1948 حيث امتازت علاقات العرب باليهود الذين شكلوا ثلثي سكانها بالتعاون والجيرة الحسنة.

أحن إلى صفد

بجوار كشك لبيع أوراق اليانصيب جلست مجموعة من المسنين اليهود يتحدثون بلغة هجينة بين العبرية والعربية العامية. من بينهم دافيد ابو المولود في صفد عام 1943 الذي لم يعجبه مزاح زملائه بلغة قاسية فقال لصديق له من الناصرة جاء لزيارته، إن هؤلاء يلتقون هنا يوميا ويتقنون العربية فمعظمهم قدم من بلدان عربية بعد قيام إسرائيل في 1948 أما هو فقال عن نفسه «أنا صفدي أبا عن جد وأرى نفسي ابن عرب» رغم أن والد جده قدم من القوقاز في القرن التاسع عشر. وقال دافيد لصديقه على مسامعنا إنه ما زال يتحدث العربية فقط داخل بيته كما كان كل اليهود قبل النكبة لافتا إلى أن والده عمل حلاقا في صفد ويعرفه كل أهلها. ويقول إن اليهود تمتعوا بأمن وحرية وجيرة حسنة حتى تدفقت الهجرات اليهودية فبدأ التوتر يسود العلاقات بين الجانبين في كل البلاد. ويتابع متوددا «كان اليهود يعيشون عيشة طيبة ودون مضايقات بشكل عام، بل أن أهالي المدينة كانوا يخشون بعض اليهود القادمين من القوقاز خاصة من عائلة شفشك، ممن اعتادوا على التجول وهم يحملون سلاحا وشاع قول على لسان العامة: «ابعد عن بيت شفشك واعمل شو بدك». وتابع «حتى اليوم نحافظ على عادات وتقاليد كانت مشتركة بيننا وما زلنا نتمسك بزفة العريس والرقص على أنغام الموسيقى الشرقية في كل حفل زفاف». ويشير أن اليهود الأصليين تقربوا من العرب وعاشوا معهم كجيران بخلاف اليهود الغربيين ممن هاجروا في العقود الأولى من القرن العشرين من دول أوروبا المعروفين بالاشكناز. كما يقول إن يهود صفد أحيوا حفلات زفاف على الطريقة العربية ولم يطربوا إلا للموسيقى الشرقية ولم يكن سوى شارع يفصل بين أحياء العرب وأحياء اليهود. أما اليوم فباتت المدينة خالية من أصحابها العرب وحتى الشوارع العربية صارت تسمياتها صهيونية وبات على سبيل المثال شارع طبريا شارع «البلماح» القوى الضاربة التابعة للهغاناه. لكن دافيد هو حالة استثنائية، فالأغلبية الساحقة من الإسرائيليين في صفد متدينون متزمتون وأقواله لا تعكس واقع الحال وكنا خلال إعداد هذا التحقيق مضطرين للتجول بحذر شديد خاصة أن الكثيرين تعرضوا للضرب لمجرد محاولتهم التقاط صورة لمسجد أو كنيسة أو بيت فلسطيني.

شاهد على النكبة

ومدينة صفد خير شاهد على نكبة 1948 ومأساة أهلها. فور دخولها يلحظ الزائر منازلها العربية المسكونة بمستوطنين يهود ومساجدها التي حولت لحظائر وخمارات وتصعقه حالة المقابر الإسلامية والأبقار تعبث فيها وتدوس عظام موتاها.
في المدخل الغربي للمدينة يطل مسجد قرية عين الزيتون وهو ينذر بما ينتظر الزائر من مشاهد مأساوية، بعدما كان واحدا من أجمل مساجد صفد ويمتاز بوجود ينبوع غزير داخله كانت استخدمت مياهه للوضوء وما زالت تتدفق حتى اليوم، يستخدم طابقه الأرضي حظيرة للحيوانات والطابق الأول كمخزن فيما حولت مقبرة صفد «البرانية» الملاصقة له إلى مرتع للخيول والأبقار. يتضح أن اللوحة الرخامية المثبتة في واجهة المسجد وحملت تفاصيل بنائه قد سرقت ضمن مسلسل الاعتداءات المتصاعدة على المقدسات الإسلامية. وتزداد مشاهد انتهاك المقدسات إيلاما حينما يدرك الزائر القيمة الوجدانية والحضارية لمساجد تاريخية بنيت في عصور إسلامية زاهرة، كما يشير المؤرخ جميل عرفات. وفي تعبيره عن غصة الزائر لصفد اليوم يوضح لـ «القدس العربي» أن الأشد إيلاما هو المسجد الأحمر الذي بناه السلطان الظاهر بيبرس في العصر المملوكي وبات وكرا للشواذ والزعران.

المسجد الأحمر

هذا المسجد الذي يستمد تسميته من حجارته الحمراء له اليوم عدة استعمالات لكنه موصد أمام المسلمين الذين يتعرضون لاعتداءات المستوطنين فور الاقتراب منه. المسجد نادر بقيمته التاريخية والمعمارية، فقد بناه الظاهر بيبرس غداة احتلاله صفد في 1266 وتفيد لافتة حجرية مثبتة في مدخله أنه بني في 1276. ويستخدم المسجد الأحمر اليوم كناد ليلي وقاعة للمناسبات ومخزن للملابس وسبق أن اتخذه حزب «كديما» مقرا انتخابيا خلال انتخابات الكنيست عام 2006. وهذا هو حال المسجد اليونسي الذي حوّلته بلدية صفد الخالية من العرب اليوم لمعرض للفنون وتحظر فيه الصلاة. أما جامع الغار فهو الآخر تكاد حجارته تنطق اشتياقا لأهله بعدما صار كنيسا وهذا حال مسجد «بنات حامد» الذي يستخدم مركزا ليهود المجر. وربما حاله أفضل من جامع الصواوين المهجور أو من الجامع الجوقنداري الذي هدم قبل عشر سنوات أو مسجد الجورة الذي هدم ولم تنج منه سوى مئذنته التي سرق هلال من البرونز كان مثبتا في قمتها قبل سنوات وهو يعرف أيضا بمسجد «الشيخ عيسى» مسجد عائلة الرئيس الفلسطيني محمود عباس وقد تعرض لعمليات نبش خطيرة في أسفل مئذنته فيما حولت كنيسة الكاثوليك إلى معرض.

المهجر أبو مازن

وقال المؤرخ د. مصطفى عباسي ابن مدينة صفد المهجرة والمقيم في قرية الجش المجاورة، إن المسجد يتعرض منذ النكبة إلى اعتداءات متوالية وهو يعرف أيضا بـ»جامع السويقة». موضحا لـ «القدس العربي» أنه كان جامع الحي المركزي في محلة الجورة، الحي الذي ولد وترعرع فيه الرئيس الفلسطيني محمود عباس. وكانت بعض قاعات المسجد استنادا إلى الصور التاريخية قد هدمت بعد احتلال مدينة صفد عام 48 حينما عّد سكانها نحو 12 ألف نسمة، وفي العام 1988 هدمت بالكامل ولم يبق منه سوى مئذنة يتيمة وشق مكانه طريق فيما استخدمت حجارته في بناء الجدران. وأشار د.عباسي الذي وضع كتابا عن تاريخ مدينة صفد في عهد الانتداب، إلى أن سكان حي الجورة والصواوين بمن فيهم عائلة الرئيس أبو مازن اعتادوا على صيانة المسجد والصلاة فيه ومنهم والد الرئيس أبو مازن، رضا الحاج شحادة عباس. وأضاف «وأشرف على المسجد وتولى الإمامة في أيامه الأخيرة الشيخ أحمد الأسدي». أما بيت أسرة محمود رضا عباس فهو على بعد مسافة قصيرة ويستخدم اليوم في طابقه الأرضي محالا تجارية والطابق العلوي شقة سكنية وهو بيت حجري جميل سطحه مغطى بالقرميد البني. يشار إلى أنه بعد تسلم محمود عباس رئاسة الحكومة الفلسطينية أتيحت الفرصة لكاتب هذه السطور للحديث معه في صيف 2003 فقال معقبا بلهجة بين جد ومزاح على سؤال حول تدشين حزب «الليكود» مقره داخل بيته في صفد مسقط رأسه قبل النكبة: «سأطالب بالتعويض والأجرة». لكن حينما عرضنا عليه هدية اصطحبناها وقتها عبارة عن لوحة لمدينة صفد غالبته الدمعة وهو يحدق في ملامحها. وقد تسنى لأبو مازن زيارته في 1995 سرا بواسطة النائب احمد الطيبي ما أثار حفيظة أهالي صفد اليهود وقتها بعد الكشف عن الزيارة.

مسجد عثماني هام

وأشار عباسي إلى أن المسجد المبني على الطراز العثماني قد شّيد في أوائل العهد العثماني على مساحة دونمين، وكانت بوابة في الناحية الشرقية تفضي إلى صحن المسجد الفسيح والمحاط بغرف تدريس، فيما كان باب في الحائط الجنوبي يؤدي لداخله. كما أوضح د. مصطفى عباسي أن الرحالة التركي أوليا شلبي، زار المسجد عام 1648 وكتب في مذكراته أن شيخا يدعى عيسى، دفن بجوار المسجد ومنه اكتسب المسجد اسمه. وتابع «في كل مرة كنت أزور فيها بلدي صفد يفجعني بشكل خاص المشهد المحزن للمئذنة اليتيمة التي تيتّمت من مسجدها بعد هدمه بهدف شق شارع قبل عقود». وأشار إلى أن نكبة قضاء صفد بدأت عام 1947 حينما شنت القوات الضاربة للهغاناه هجوما في الأول من أيار/مايو في ساعات الصباح وارتكبت واحدة من أكبر المجازر في تاريخ النكبة، لافتا إلى ان موشيه كيلمان أراد تفجير منازل قرية عين الزيتون والقرية المجاورة، بيريا، في وضح النهار كي يرى أهالي صفد ما ينتظرهم. وهذا ما سيؤكده المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس في كتابه «تصحيح خطأ» بالتوضيح أن « البلماح» لم يكتف بعمليات ثأرية بل أسر 70 رجلا لم يعرف مصيرهم. كما اقتبس ما كتبته ضابطة المتفجرات في «البلماح» نتيفة بن يهودا، أن أفراد الكتيبة الثالثة جمعوا الأهالي وقيدوهم ورموهم في وادي الليمون أسفل القرية الجبلية غربي صفد، فيما طلب كيلمان تصفيتهم خلال ساعتين. وفعلا تستذكر بن يهودا وقائع المجزرة التي شهدتها بأم عينيها فتقول في كتابها «نتيجة القتل تكون بحر من الدماء بل شهدت حمام دم قبل أن يدفنوا الجثث في عين الورد المجاورة».

السرايا العثمانية

وتمتاز صفد بوفرة معالمها العربية الإسلامية وتتربع على أعلى قمة فيها عمارة السرايا العثمانية التي بناها في منتصف القرن الثامن عشر ظاهر العمر الزيداني مقرا لابنه علي حاكم المدينة، ولاحقا استخدمت مقرا للحاكم التركي وصارت تعرف بالسرايا. وفي 1900 وضمن الاحتفالات الخاصة بالسلطان عبد الحميد الثاني، بنيت بجوار العمارة وكجزء منها أبراج مماثلة لما في حيفا وعكا ويافا وغيرها من المدن الفلسطينية. وما لبث الاستعمار البريطاني أن حول السرايا مقرا لحاكم الانتداب في الجليل، وفي 1948 استخدمته القوات العربية مقرا لها وبعد النكبة استولى عليه الجيش الإسرائيلي واليوم حول إلى مركز ثقافي يهودي وهو صرح معماري حجري عملاق وجميل حرصت بلدية صفد الحالية على رفع راية إسرائيلية على سطحه ضمن عمليات التهويد. كما تتجلى عملية السلب والنهب في جرار وطواحين قمح بيتية وحجارة رحى تراثية من معاصر صفد أخذت من الأحياء العربية وتستخدم للزينة في مداخل المؤسسات العامة.

صفد عروس الجليل شاهدة على نكبة ما زالت تنزف

وديع عواودة

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left