المعارض السياسي حارث سليمان: القوى السياسية التي تُحكم قبضتها على لبنان هي «قوى خارج» بامتدادات داخلية

حاورته: رلى موفّق

Mar 17, 2018

المعارض السياسي اللبناني حارث سليمان، ابن بعلبك مدينة الشمس، الأستاذ الجامعي في علم الكيمياء، يقارب الواقع السياسي والاجتماعي من فهمه العميق لمبدأ «التفاعل» وعوامله ومكوناته ونتائجه. شيعيّ الهوية، عربيّ الهوى، يُشكّل أحد الأركان الأساسية في حالة الاعتراض الشيعي في وجه إيران.
في رأيه أن القوى السياسية التي تُحكم قبضتها على البلد هي «قوى خارج» بامتدادات داخلية، فمن يُقرّر مَنزلة «حزب الله» وقوته في الداخل اللبناني ليس قدرته على استقطاب الشيعة، إنما إيران. وبالتالي فإن النكسات التي أصابت الزعيم السني سعد الحريري والفريق الذي يمثله، ليست نابعة من أن «حزب الله» والقوى المنضوية تحت لوائه استطاعت «ليّ عنق» سنّة لبنان، بل لأن السنّة لم يعودوا أولوية لدى راعيهم العربي منذ العام 2009. غير أن ذلك لا يبرّر الاستسلام تحت ذريعة غياب سبل المواجهة، إذ أن المواجهة يجب أن تكون خياراً أزلياً، فيما الإمكانات تحدد الوسائل ومستواها.
واثق من أن المشروع الإيراني وهميّ، ولا يمكن له أن ينجح، وفعاليته تقتصر على تدمير مجتمعاتنا العربية وليس على إيجاد البديل، لا بل إنه بدأ بالانكشاف، لكن مشروعا بُني على مدى 40 عاماً لا يمكن مواجهته بشكل ظرفي، وعلى أبواب استحقاق من هنا أو من هناك. وهنا نص الحوار:
○ إلى أي مدى يصح القول ان لبنان استطاع تحييد نفسه ليكون جزيرة آمنة رغم أتون النار المشتعل حوله؟
• لبنان ليس جزيرة معزولة، ولا «عجيبة لبنانية». نجا لبنان من النار المشتعلة حوله بفعل ثلاثة عوامل: أولها، أن الصراع الإقليمي والدولي في المنطقة خلق الحاجة لجعل لبنان «مخيماً آمناً» للنازحين السوريين، فأي حريق فيه سيدفع بالنازحين إلى أوروبا. وثانيها، الحاجة الإيرانية لبقعة راحة لمقاتليها ونقاهة لجرحاها العائدين من الحرب. وثالثها، وجود «اليونيفيل» في الجنوب المعنية بحفظ استقرار الجبهة الجنوبية مع إسرائيل، وهذه رغبة أمريكية ـ إسرائيلية بأن يبقى الوضع مستقراً هناك.
○ هناك في المقابل مخاوف من انهيار اقتصادي نتيجة تداعيات النزوح التي تشكل عبئاً مالياً كبيراً، والحصار غير المعلن على البلد نتيجة الأدوار التي يلعبها «حزب الله»؟
• لبنان يعيش وضعاً مستقراً نتيجة أسباب لا تتعلق به، بمعنى أن هذا الكيان ليست لديه ديناميات داخلية تؤهله للعب دور مهم. لبنان فقد وظيفته اللبنانية، وبالتالي هذا الوضع يزيد من خواء الداخل لمصلحة الخارج، ويُصيب لبنان بخواء اقتصادي، لأن قطاعاته الإنتاجية لا تعمل، ودولته فاشلة، ومديونيته عالية، وشبابه يُهاجر، وطبقته السياسية الحاكمة فاسدة، ولا تملك أي حلول.
○ هل يمكن للمؤتمرات الدولية لدعم لبنان أن تنجح في حمايته من أزماته، أم أننا سنصل حكماً إلى لحظة الانفجار الداخلي؟
• الانفجار يجب أن يكون بقرار خارجي. المؤتمرات هي فقط لمنع «إعلان الوفاة»، بمعنى أن ما يجري ليس هدفه إعادة تفعيل دوره الاقتصادي والسياسي ولإعادة الحيوية لقطاعاته الإنتاجية، بل استحضار «غرفة عناية فائقة» لمنع موت لبنان، هذه هي حدود كل المؤتمرات، وستنجح لأن كلفة «غرفة الإنعاش» أقل من كلفة تسرّب اللاجئين السوريين إلى أوروبا، وأقل كلفة من الفوضى التي ستُشعل الحدود الجنوبية مع إسرائيل. الاقتصاد اللبناني مستتبع وينزف، لكن عندما يصل النزيف إلى مرحلة تهدّد حياة البلد ستلجأ الدول المعنية إلى إمداده بالكميات اللازمة من الدم والأوكسجين.
○ إلى أي مدى يمكن الاستكانة إلى أن الأمور تحت السيطرة، فالوضع الداخلي مُهترئ وهناك قوى سياسية تُحكم قبضتها على البلد؟
• القوى السياسية التي تُحكم قبضتها على البلد هي «قوى خارج» بامتدادات داخلية، وليست «قوى داخل». إذا فصّلنا الواقع الراهن، فإن من يُقرر منزلة «حزب الله» وقوته في الداخل اللبناني ليس قدرته على استقطاب الشيعة، إنما راعيه الإقليمي، أي إيران. عندما تنتفي الحاجة الإيرانية له لا تعود هناك أي قيمة لما يحشده الحزب داخلياً. دول الخليج قررت منذ العام 2009 أن لبنان لم يعد مهماً لها، وبالتالي فإن النكسات التي أصابت الرئيس سعد الحريري والفريق السني الذي يمثله، ليست نابعة من أن «حزب الله» والقوى المنضوية تحت لوائه استطاعت «ليّ عنق» سنّة لبنان، بل لأن السنّة لم يعودوا أولوية لدى راعيهم العربي، لذلك اضطروا لتقديم التنازلات. في أواخر الستينات عند توقيع «اتفاق القاهرة» الذي كان يسمح بحرية العمل الفدائي الفلسطيني، حاول الجيش اللبناني ضرب القوة العسكرية الفلسطينية، لكن الدول العربية ضغطت على الرئيس اللبناني الراحل شارل الحلو للتنازل وأعادته إلى «بيت الطاعة». هذا يشي أن الطرف الداخلي الذي يتمتع برعاية عربية أو إقليمية، لا ينهزم.
مثال آخر، عندما ذهب الأفرقاء اللبنانيون إلى الطائف في العام 1990، من دون قوّة مسلحة، مالت كفّة الميزان لصالح السنّة لأن الرعاية كانت للسعودية، أي راعيهم الإقليمي، بالرغم من أن الزعيم الدرزي وليد جنبلاط كان الأقوى عسكرياً. وكذلك فعل السوريون في العام 1984 عندما ضمنوا حصة وازنة لحركة «أمل» رغم أن رئيسها خسر كل المعارك التي خاضها في لبنان.
هذا يُعيدنا إلى القول أن «حزب الله» لم يأخذ الشيعة بالإقناع، بل استولى على الطائفة الشيعية من خلال الحرب. حوالي 5000 كادر شيعي من الأحزاب اليسارية والليبرالية تمت تصفيتهم من قبل المنظومة الأمنية السورية ـ الإيرانية على مدى 40 عاماً، كان آخرهم هاشم السلمان (قتل في تظاهرة أمام السفارة الإيرانية في بيروت). هناك منظومة تم من خلالها إعادة تركيب الاجتماع السياسي الشيعي، عبر إمكانيات مالية وعسكرية وإيديولوجيات دينية هائلة. البعض في الخليج يقول بأنه قدّم الكثير للبنان، ولكنه ناكر للجميل، بينما الحقيقة أن اللبنانيين الذي يواجهون المشروع الإيراني يتعرضون للقتل، وحتى الذي تمّ تقديمه لهم لم يكن بحجم ما قدمته إيران لحلفائها.
○ الدول الخليجية لم تنعش المناطق السنية، إنما كانت المساهم الأكبر بإعادة إعمار الجنوب اللبناني بعد حرب 2006، وبرغم ذلك تُكيل تلك البيئة الشيعية الشتائم للخليجيين والسعوديين تحديداً، هل كانت تلك السياسة خطأ في إطار استراتيجية المواجهة؟
• هذا صحيح في مكان وخاطئ في مكان آخر. على السفراء الخليجيين أن يقولوا للرئيس نبيه بري (رئيس حركة «أمل» ورئيس مجلس النواب) أننا أعدنا إعمار الجنوب وأنت في الأخير سمحت للسيد حسن نصرالله أن يقول «الموت لآل سعود». هذا الكلام يجب أن يقال لبري وليس لباقي اللبنانيين الذين لا ذنب لهم بذلك. لا يجب تحميل الذنب للأطراف التي كانت تواجه المخطط الإيراني، بل للأطراف التي تُنادي وتحمل لواء المشروع الإيراني.
○ أنت تقول أن المواجهة تقتضي عدم التخلي عن الساحة اللبنانية والعودة لدعم القوى التي تواجه المشروع الإيراني؟
• نعم يجب دعم القوى الحقيقية التي تريد مواجهة المشروع الإيراني، لا القوى التي دخلت بالتسويات وقامت بتسمية ميشال عون رئيساً للجمهورية.
○ ولكن هؤلاء انطلقوا من المقولة نفسها، أنهم تُركوا وحيدين ولم تكن لديهم سبل للمواجهة؟
• الإمكانات التي نملكها تحدد وسائل المواجهة، ولكن ليس خيار المواجهة. المواجهة هي خيار يجب أن يكون أبدياً أزلياً، ليس له علاقة بالسعودية أو دول الخليج بل له علاقة بلبنانيتي. «حزب الله» وإيران لا يُشبهان لبنان، وبالتالي قَدَري أن أواجه هذا المخطط. وسائل المواجهة قد تتطوّر من فكرية وثقافية إلى سياسية وقد تصل إلى المقاومة المدنية والاشتباك المسلح. الذين يبرّرون لأنفسهم إسقاط خياراتهم بحجة عدم الدعم مخطئون لأنهم لم يوائموا بين وسائلهم وقدراتهم وأهدافهم.
هؤلاء فشلوا في المواءمة بين أهدافهم ووسائلهم لأنهم رفعوا السقف كثيراً بذريعة أن المحكمة الدولية، التي هي مطلب حق، ستحلّ كل شيء. ثم قالوا إن الثورة السورية تحل المشكلة، فانتظروا أن تهزم المشروع الإيراني وهم جالسون بانتظار «الفاكس» الذين يُخبرهم بانتصار الثورة. والآن «كسالى 14 آذار» يعوّلون على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. «حزب الله» لم يركن لسيطرة إيران على العراق، بل قام ببذل الجهد في الشق المتعلق به.
○ بمعنى أنك تقول أن المشروع الإيراني المتكامل الذي يُنفّذ خطوة خطوة، يقابله غياب خطة مواجهة عربية واضحة المعالم أو مشروع عربي؟
• هذا صحيح. وقد ظهر ذلك في سلسلة من الخطوات المتناقضة، تارة يستعيدون بشار الأسد إلى بيروت، وتارة يدفعون سعد الحريري لزيارة قاتل أبيك، وتارة أخرى يعاقبون الحريري لأنه سعى إلى تسوية تعفيه من المواجهة. أنا لا أبرّر لأحد، بل أدعو لخطة استراتيجية متكاملة.
○ تتوقع ذهاب لبنان كما العراق إلى الأسوأ خصوصاً أننا على أبواب انتخابات نيابية، وهناك رجحان في كفة الميزان لصالح المشروع الإيراني؟
• المشروع الإيراني وهميّ، ولا يمكن له أن ينجح، فعاليته تقتصر على تدمير مجتمعاتنا العربية، لا على إيجاد البديل. لقد حاول الأمريكيون عندما وضعوا يدهم على اليابان وألمانيا فرض شراكتهم الاقتصادية من موقع القوي والقادر، لكن هل استطاع الإيرانيون ذلك في العراق؟ فشلوا لأن الشعب العراقي يعلم أنه تمّ نهب 730 مليار دولار، وأن الناهب الرئيسي والذي يُدير اللعبة هو الإيراني، والشيعة العراقيون، بشكل خاص، يعرفون أنه كلما فُتح ملف فساد، يهرب الرأس الأكبر فيه إلى طهران. ثروة نوري المالكي (رئيس الوزراء السابق) خيالية وابنه هرب إلى أمريكا. هذا ليس مشروعاً سياسياً، بل مشروع «مافيا» بإمكانه السيطرة لفترة من الزمن لكنه سيتم انكشافه عاجلاً أم عاجلاً. وقد بدأ ينكشف.
○ لكن هناك مَن يقول أن المشروع الإيراني يتقدّم على حساب المشروع العربي، وأنه نجح؟
• أنا لم أقل انه بدأ بالانهيار، إنما قلت أنه بدأ بالانكشاف. لم ينجح لأنه لا يملك مقومات النجاح، وبدأ بالانكشاف أمام مَن يدّعي النطق باسمهم. ولاية الفقيه أفلست أقله على المستوى النظري، علينا أن نراقب ما يجري في إيران. على كل المشروع الذي بني على مدى 40 عاماً لا يمكن مواجهته بشكل ظرفي، وعلى أبواب استحقاق من هنا أو من هناك.
○ «حزب الله» يملك فائضا في قوته العسكرية ولذلك يحكم قبضته على لبنان.
• لندعه يقوم بانقلابه حتى نرى كم سيصمد. «حزب الله» لا يستطيع أن يدير البلد 15 يوماً، وإدارته تكشف لبنان كلياً. لقد حاول أيام حكومة الرئيس نجيب ميقاتي… فماذا كانت النتيجة وكم من الوقت استطاع الصمود؟ لقد ظهر عجز «حزب الله» وخوفه خلال أزمة استقالة الحريري التي أعلنها من السعودية.
○ وهل هذه المسألة غائبة عن بال فريق «14 آذار» أم أنها مرتبطة باليأس من المجتمع الدولي الذي يتفرّج ويتدخل حيث له مصلحة فقط؟
• ليست غائبة، لكن الكثير من سلوك هذا الفريق مرتبط بالفساد، الآن يريدون صفقات يمرّرها لهم «حزب الله»، بينما في الماضي كان يقتلهم. والمجتمع الدولي قام بشيء أسوأ، فبعد انتخاب الرئيس السابق ميشال سليمان التقى الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الرئيس بشار الأسد، وساهم بفك عزلته الدولية. عندما كانوا يطالبون بمواجهة «حزب الله» وسحب سلاحه، كنت أنا ضد ذلك، لأننا لا نملك الوسائل التي تمكننا من ذلك، أنا كنت مع «تخفيض السقف» لأنهم كانوا يتصرّفون لإرضاء المجتمع الدولي الذي تركهم عندما طالبوا بتنفيذ القرار 1559. هذا ما كنت أقوله عن المواءمة بين الأهداف والإمكانات. المواءمة تكون بأن أرفع سقف توقعاتي عندما أكون قوياً، وأخفضه عندما أكون ضعيفاً، وليس تغيير خياري بالمواجهة، هم انتقلوا من أول نقطة وهي خيارات خيالية بإمكانات متواضعة إلى إسقاط خيار المواجهة وبالتالي الخضوع. هم لم يأخذوا الخيار الصحيح.
○ عيون «الثنائي الشيعي» شاخصة نحو مجمل المقاعد النيابية الشيعية، لكي يقول أن طائفته كلها تؤيده، بينما المراقبون يقولون أن هناك امتعاضاً في البيئة الشيعية يسمح بخرق لوائحه في منطقة بعلبك ـ الهرمل تحديداً، ما رأيك؟
• بالطبع يمكن تحقيق خرق كبير. إنما المفارقة أن بعضاً من قوى «14 آذار» لا تحسن إدارة المعركة في المناطق الشيعية ولا تقبل بأن تصطف خلف إدارة الاعتراض الشيعي لهذه المعركة، فتخلق إرباكاً يصب الماء في طاحونة «حزب الله».
طريقة أداء قوى 14 أذار في كثير من المحطات أظهرت أن رفضها لتيار الاعتراض الشيعي أبعد من عدائها لـ»حزب الله». والسبب، في رأيي، أن هذه المعارضة تُحرجهم كونها معارضة مدنية عابرة للطوائف تريد دولة حقيقية وهم لا يريدون ذلك. في انتخابات 2005 و2009 فاز العديد من نواب «14 آذار» الشيعة: باسم السبع، غازي يوسف، أمين وهبي وعقاب صقر، ماذا فعلوا؟ لا شيء. أحدهم فُرز لتوزيع المساعدات في سوريا، والآخر للإدلاء برأيه كخبير اقتصادي، بينما الثالث أصبح مستشاراً! لماذا لم يتم صياغة دور لهؤلاء يحفر في الوجدان الشيعي ويطوروا حالة الاعتراض الشيعي، مع احترامي لهم جميعاً؟
○ هل إمكانية الخرق ممكنة؟
• هذا أمر أكيد، لكن إحداث الخرق ليس هو هدفنا النهائي، نحن نسعى لتكون هذه المعركة الانتخابية مناسبة لبناء تراكم يُؤسّس عليه «الاعتراض الشيعي» في الحياة السياسية اللبنانية، في سياق استعادة الشيعة إلى حضن العروبة. «حزب الله» لا يُشبه لبنان، ولا يُشبه شيعة لبنان، وليس مكوّناً لبنانياً. الشيعة هم مكوّن لبناني، أما تشيّع «الحزب» فلا يُشبه التشيّع التقليدي. بالأمس أعلن السيد نصر الله بأنه يتبع ولاية الفقيه ولا يخضع للدستور اللبناني.
○ لكن من خلال تعاطينا مع المكوّن الشيعي وجولاتنا الميدانية ضمن بيئته نرى نوعاً من «التقديس» لبري ونصرالله؟
• هذه لعبة الإعلام الكاذب. أتحداكِ أن تُجري مقابلة مع أي مواطن في الضاحية، من دون أن يأتي «أمن الحزب» ليجلس إلى جوارك. المواطنون الشيعة العاديون ضحايا «حزب الله»، وضحايا تجاهل الأطراف الأخرى لمعاناتهم. لقد استولى «الحزب» على أموال المواطنين التي قبضوها من «هيئة الإغاثة» في أعقاب «حرب تموز»، وبالتالي هو لم يُعيد بناء الضاحية من أمواله. في الجنوب، رفعوا بداية يافطات «شكراً قطر»، وبعد ذلك أنكروا الجميل لأن هناك من يغرس فكرة خاطئة في عقول الأهالي بأن «دول الخليج لا تدفع إلا إذا تعرّضت للشتم».
○ هذا يدفعكم إلى المطالبة باحتضان «الاعتراض الشيعي»؟
• لا نريد الاحتضان من أحد، جلّ ما نطلبه هو وقف التآمر علينا. قبول سعد الحريري بالنظام الانتخابي الجديد الذي يعتمد النسبية، معناه اعترافه بـ «الاعتراض السني» على «تيار المستقبل»، هذا كان يجب أن يترافق مع اعتراف «حزب الله» بـ «الاعتراض الشيعي» وأن تتعامل كل الأطراف معه كمعطى قائم، وليس تطويقه وعزله.
○ هناك نظريتان «مَن يربح في سوريا يربح في لبنان»، و»مَن يربح في لبنان يربح في سوريا» أيهما أصح؟
• النظريتان غير واقعيتين، لأنه يمكن للحزب أن يخسر في سوريا ويبقى رابحاً في لبنان. هذا الكلام كان لتبرير عجز «كسالى 14 آذار». والشيء نفسه ينطبق على النظرية الثانية، لأن لبنان أصغر من أن يحكم سوريا. تأثير سوريا على لبنان كبير، بينما تأثير لبنان على سوريا محدود.
بداية الثورة السورية كانت عندما طالب الشعب السوري بحريته من نظام استنفد كل مبررات وجوده لأنه نظام استبداد وتوريث، مستلهماً شعاراته من واقع التغيّرات التي كانت تجري في المنطقة العربية. النظام ادعى بأنهم إرهابيون، وقام «بهندسة» العدو الإرهابي الذي يناسبه وأوكل له تصفية ما يعتبره العدو الحقيقي، أي الشعب السوري، مدعوماً من الروس والإيرانيين وأذرعهم العسكرية. في بدايات الأزمة عندما ذهبوا إلى «جنيف 2» كانت السعودية موجودة وإيران تستجدي مقعداً، بينما الآن إيران موجودة والسعودية غائبة! لماذا؟ لأن إيران دفعت بمئتي ألف مقاتل إلى قلب المعركة في ظل غياب عسكري عربي مطلق كان سيحد من قدرة النظام على تصفية المعارضة الديمقراطية و»الجيش الحر».
○ بعد التحوّلات في مسار الأزمة السورية والتواجد الأمريكي شرق الفرات، كيف تنظر إلى الأمور؟
• أرى أن هناك تنفيذاً للمشروع الإسرائيلي بتقسيم سوريا وتوسيع سيطرة الأكراد والسيطرة على شرق الفرات وصولاً إلى دير الزور. المشروع الإسرائيلي ليس في الزبداني والقصير، وبالتالي فإن الأسد ونصرالله والأمريكيين يساعدون على تحقيق هذا المشروع.
○ إذاً ماذا يريد «حزب الله»؟
• يريد تشريع دوره الإقليمي، وتعزيز النفوذ الإيراني لتلبية أوامر الولي الفقيه. من خلال أكثريتهم النيابية التي يسعون إليها، سيجعلون من «الحزب» جزءاً من آلية الدولة اللبنانية، على خطى «الحشد الشعبي» في العراق، وسيعملون على تعديل قانون «مجلس الدفاع الأعلى»، وحضور وفيق صفا اجتماع «مجلس الأمن المركزي» مثال على ذلك.
○ كيف تنظر إلى «الواقعية السياسية» التي يعتمدها الحريري على وقع احتضان مؤتمرات الدعم الدولية للبنان؟
• هذه المؤتمرات الثلاثة هدفها تمويل دولة «حزب الله». المشكلة في عدم وجود خطة. الرئيس ترامب قال أنه يريد قطع الطريق بين طهران والناقورة. نرى أقوالاً ولا نرى أفعالاً. «حزب الله» يحشد في درعا، يريد الوصول إلى الحدود الأردنية. ماذا يفعل الفريق الآخر لمواجهة هذا الوضع؟ لا شيء. أنا أوجّه اللوم للحريري ولغيره، وإذا كنت ألوم غيره فهذا ليس معناه أن أبرّر له ما يفعله. قبول سمير جعجع (رئيس حزب «القوات اللبنانية») والحريري بتسوية انتخاب عون رئيساً للجمهورية معناه التخلي عن خيار المواجهة، واليوم هم يتكيّفون مع نتائج التسوية. هذه التسوية أنجزها البريطانيون والفرنسيون، وعندما اهتزت باستقالة الحريري من السعودية تم تجديدها بدخول الرعاة على الخط.
○ يعني هذا أننا دخلنا في فلك النفوذ الإيراني؟
• النظام الإيراني لا يملك القدرة على هضم اجتياحاته العسكرية، التقدّم الإيراني ليس لديه أي شرعية أخلاقية أو سياسية أو دينية، لقد اجتاح كل مدن الأنبار والمدن السورية… ماذا فعل بها؟ قام بتهديمها. مشروعه ساقط لأنه لا يستطيع دمج المهزوم بجسمه. الإسلام هزم شعوبا بفتوحاته، ولكنه أعطاها فرصة الاندماج بهذا المكوّن الجديد. ما يفعله الإيراني هو لتحسين شروط علاقته بالغرب، هو «يطرح» أسهمه السياسية بأسعار عالية، ولكن ماذا سيفعل إذا رفض الغرب الشراء؟

المعارض السياسي حارث سليمان: القوى السياسية التي تُحكم قبضتها على لبنان هي «قوى خارج» بامتدادات داخلية

حاورته: رلى موفّق

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left