انتخابات مصر 2018: ديكتاتور خائف يتمسك بحفنة مستشارين وأبناء عائلته حتى لا يسقط

إبراهيم درويش

Mar 17, 2018

تساءلت مجلة «إيكونوميست» بداية الشهر الحالي عن مزاج الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي العصبي أو «البارانويا» فرغم تحييده كل المرشحين المهمين، بتهديدهم، وسجنهم أو ملاحقتهم قضائيا إلا أن مزاج الرئيس كان متعكرا وهو ليس مزاج شخص متأكد من الانتصار في الانتخابات التي ستجري بين 26-28 آذار (مارس) الحالي. فالسيسي يبدو خائفا، وهناك همس دائر بين المصريين عن مؤامرات في القصر الرئاسي، مثل عزل مدير المخابرات خالد فوزي، الذي لم ير منذ شهر كانون الثاني (يناير) وأصبحت نبرة السيسي أكثر قتامة وفيها تهديدات وحديث عن نظريات مؤامرة، وعادة ما يتحدث عن «قوى الشر» التي تصطف ضد مصر التي أضاف لها هذا الشهر هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، التي بثت فيلما وثائقيا قصيرا عن التعذيب والاختفاء القسري بشكل دفع النائب العام نبيل صادق لانتقاد الإعلام الأجنبي. وأوقفت الدولة التعاون مع «بي بي سي» (مع أنه لم يكن موجودا في المقام الأول) وحاول دحض ما جاء في الفيلم وإجراء مقابلة مع سجينة اسمها زبيدة على التلفزيون، لنفي أن تكون قد تعرضت للتعذيب، وبعد ذلك اعتقلت والدتها واختفى محاميها. وأصبحت مصر السيسي من أكثر الدول في العالم التي تسجن الصحافيين وتقمع حرية الرأي، بل بات عدد من الصحافيين يعملون كمخبرين للدولة. وهناك قناتان تلفزيونيتان يديرهما مسؤولون عسكريون سابقون. كما وسيطرت مؤسسة مالية مرتبطة بالحكومة على عدد من المؤسسات الإعلامية. وأمر النائب العام بمراقبة الصحافة والبحث إذا نشرت تقارير (تضر بالمصالح القومية)، وربما طلب من الصحافيين حضور دورات تثقيف في الأكاديمية العسكرية. ورأت المجلة في مقال سابق أن لغة التهديد لا تعبر عن قوة بل عن حالة من الضعف والتوتر.

كومبارس

ويبدو السيسي الواثق من فوزه مرة ثانية منشغلا بشرعيته وبالمشاركة الشعبية في الانتخابات، حيث دعا المصريين للمشاركة الجماعية فيها فيما يأمل أنه «تفويض» جديد خاصة أن الأحزاب المعارضة دعت لمقاطعة الانتخابات. وعلى العموم تبدو الانتخابات المصرية سوريالية ليس من ناحية استبعاد كل المرشحين القادرين نوعا ما على تحدي الرئيس ولكن من اختيار المؤسسة المصرية وفي الدقائق الأخيرة مرشحا صار يعرف بـ «الكومبارس» لدخول السباق الرئاسي وهو نفسه من المؤيدين الكبار للرئيس. واسم هذا المرشح «المجهول» موسى مصطفى موسى، الذي سألته مقدمة البرامج المعروفة لميس الحديدي عن جدوى خوضه انتخابات لن يفوز فيها وموقف عائلته من إنفاق 25 مليون جنيه مصري على حملته، ونصحته بالخروج من السباق، وتعرف الحديدي أنه لن يستطيع الخروج فهو مرشح الضرورة لإعطاء شكل من الديمقراطية للعملية الانتخابية، موجهة للغرب والرأي العام العالمي بأن هناك عملية سياسية وتداولا للسلطة، تماما كما يحدث في روسيا وسوريا وغيرها من الدول الديكتاتورية، خلافا للصين التي كانت واضحة في انتخاب رئيس للأبد في اجتماعات الحزب الشيوعي الصيني الأخير.

بدون صورة

في الوقت الذي تمتلئ فيه شوارع المدن المصرية ويافطاتها الإعلامية بصورة الرئيس السيسي «يا الله سيسي» و «حكاية وطن» و «عشان تبنيها» لا حس ولا صوت لموسى الذي رفض الظهور بمناظرات تلفزيونية. وعندما عقد أول تجمع انتخابي له في 4 آذار(مارس) لم يحضره سوى 25 من أنصاره. وهو على ما يبدو ليس بحاجة لتجمعات وجولات انتخابية خاصة أنه عبر قبل أسابيع عن رغبته ببقاء السيسي في منصبه، وأخبر برنامجا في التلفزيون الرسمي إنه لا يريد مناظرة السيسي «فهو لا يتحدى الرئيس». ووصف محمد أنور السادات، الذي قرر عدم خوض الانتخابات، موسى أنه «جزء من المسرحية» و «يعرف أن حظوظه في الفوز هي صفر» حسبما قال لصحيفة «واشنطن بوست» (11/3/2018).
وتعلق الصحيفة أن «حملة» إعادة انتخاب السيسي هي صورة عن انتخابات «مهزلة» فمن خلال التأكد من انتصاره يقوم الرئيس الحالي بتوطيد سلطته على البلاد بطريقة لم تحدث في عهد سابقيه. ففي الوقت الذي رافقت الانتخابات الرئاسية في عهد حسني مبارك عمليات تزوير وحشو صناديق الإقتراع بالأصوات والمخالفات، إلا أن مرشحين حقيقيين كانوا يدخلون المنافسة، وطالما حقق الإخوان المسلمون نتائج جيدة جعلتهم الكتلة الأكبر في البرلمان وفاز مرشحهم محمد مرسي عام 2012 بالرئاسة ليتحرك الجيش بقيادة السيسي عام 2013 ويطيح به. ويرى محللون أن التاريخ الماضي هو سبب تزايد استبداد السيسي، فهو يرى أن موافقة مبارك تحت الضغط الأمريكي عقد انتخابات شاركت فيها عدة أحزاب عام 2005 هي التي قادت للإطاحة به عام 2011. وحسب أتش إي هيللير، الزميل الباحث في «المجلس الأطلنطي» قال «إن حكومة السيسي ليست هشة ولا على حافة الإنهيار ولكنها قلقة من الإنفتاح» و«بالتأكيد فهي ترى أن خطأ مبارك القاتل هو قرار الإنفتاح» السياسي. لكل هذا مارس نظام السيسي حملة قمع ضد المعارضين سواء من خلال حجب مئات المواقع على الإنترنت وملاحقة المعارضين وسجن الألوف واستهداف القوات الأمنية لهم باسم مكافحة الإرهاب خاصة مع نشاط الفرع القوي لتنظيم الدولة الإسلامية في سيناء. وتلاحظ الصحيفة أن خطوات النظام ضد المرشحين المحتملين لم تؤد لشجب أو توبيخ من حلفاء مصر في الغرب خاصة الولايات المتحدة التي رحب رئيسها دونالد ترامب بالسيسي وفرش له العام الماضي البساط الأحمر. وهو شرف لم يحظ به الرئيس المصري أو حلم به في ظل إدارة باراك أوباما. ويزعم المسؤولون الأمريكيون أنهم يتحدثون مع النظام المصري في لقاءاتهم الخاصة بشأن حقوق الإنسان، ويشيرون لقرار حجب 290 مليون دولار من المساعدة السنوية. مع أن البعض يرى أن القرار لا علاقة له بحقوق الإنسان بقدر ما هو عقوبة للقاهرة على علاقتها العسكرية مع كوريا الشمالية. بل على العكس دعت مجموعة من منظمات حقوق الإنسان بعد زيارة وزير الخارجية السابق ريكس تيلرسون القاهرة الشهر الماضي الحكومات الأمريكية والأوروبية التحدث علنا بعدما تلاعبت مصر حتى بأدنى المتطلبات لعقد انتخابات حرة ونزيهة. وطالبت بحجب الدعم عن حكومة السيسي حتى تحسن من سجلها في حقوق الإنسان. ومع أن الهيئة القومية للانتخابات وعدت بانتخابات حرة إلا أن أنور السادات يعلق للصحيفة «هذه ديمقراطية مضبوطة وهي ليست التي نتوقعها كلنا»، فبعد أيام من زيارة تيلرسون اعتقلت السلطات الأمنية زعيم حزب مصر القوية، عبدالمنعم أبو الفتوح لانتقاده السيسي، وبعد أسبوع وضعته على قائمة الإرهاب. وعلق مسؤول في «مصر القوية»: «في النهاية نحن نتحدث عن نظام قمعي تعتبر السياسة تهديدا له». فالنظام ليس مهتما بالديمقراطية بقدر ما هو بحاجة إلى إقناع الرأي العام الدولي أنه عقد انتخابات تنافس فيها شخص ضد الرئيس. ويقول هيللير «بدون اسم آخر في صناديق الإقتراع تصبح الانتخابات استفتاء وهو أمر ليس جيدا أمام الرأي العام الدولي» و «مع ذلك فالنتيجة واضحة خاصة أن موسى من الداعمين المتحمسين للسيسي». ويعتقد الكثير من المصريين أن الحكومة هي التي تقف وراء ترشيح موسى لإقناع الدول الغربية المانحة لمصر. ووصفه بعضهم بالدمية.

مؤامرات

وعلى العموم فالفوز في انتخابات «مهزلة» ستعقد شيء وفرص نجاح السيسي أمر آخر. فقد توقع مدير مركز دراسات حقوق الإنسان في القاهرة بهي الدين حسن في صحيفة «واشنطن بوست» (15/3/2018) ان لا تطول الفترة الثانية لحكم السيسي، مشيرا إلى أن شعبيته منذ الخريف الماضي في تناقص مستمر وليس فقط بين الرأي العام والمثقفين العلمانيين والإسلاميين ولكن داخل القاعدة المؤيدة له. ويقول حسن إن السيسي شن حملة قمع لم تشهد مصر مثلها في تاريخها الحديث، ولكنها لم تحقق المأمول منها خاصة أن هناك حالة من السخط داخل الطبقة الحاكمة وبالتحديد الجيش ما يشكل تهديدا على الرئيس نفسه أكثر من المعارضة الإسلامية والعلمانية. ويقول إن السيسي الذي فشل في تعديل الدستور وتمديد فترة الرئيس لستة أعوام بدلا من أربعة حتى يتجنب الانتخابات الحالية، قام بحملة قمع للمعارضين شملت رئيس الوزراء السابق أحمد شفيق، الذي أعلن خروجه من السباق الرئاسي وتبعه رئيس هيئة الأركان السابق سامي عنان الذي اعتقل هو الآخر. وعزل مدير المخابرات العسكرية خالد فوزي ومحمود حجازي، رئيس هيئة الأركان. ويقول حسن إن صراعا على السلطة جرى حيث كان عنان يدعم خطة تخفف من حدة سيطرة الجيش على السلطة، وقامت على نقاشات مع مسؤولين سياسيين علمانيين وقادة سابقين وحاليين في الجيش وتقدم رؤية بديلة عن النظام السياسي الحالي الذي يتم فيه توزيع السلطة بين قادة الجيش الكبار. ويرى الكاتب أن حالة السخط داخل الجيش نابعة من ثلاثة مصادر.أولها تسليم جزيرتي صنافير وتيران للسعوديين. والثاني التقارير الأجنبية التي قالت إن السيسي مستعد للتخلي عن أجزاء من سيناء في أي تسوية فلسطينية – إسرائيلية. أما الثالث، فهو فشل الحكومة في الرد على التهديد الإرهابي حيث استخدم كل من عنان وشفيق كلمة «خيانة» عندما علقا على الفشل الأمني. ويرى حسن أن مدى الحنق بدا من سلسلة تسريبات انعكست سلبا على السيسي والمخابرات العسكرية، الداعمة الأولى له وهو أمر لم يكن ليحدث في عهد مبارك. فقد تبع اعتقال عنان اعتقال 23 من ضباط الجيش الذين دعموه ما أثار غضبا داخل المؤسسة العسكرية لدرجة اضطرت فيها لإصدار بيان يمنع مناقشة الموضوعات السياسية في داخل مؤسسات الجيش، رغم أن هذا ممنوع في العادة. فمنذ وصول السيسي إلى السلطة تم عزل مئات من ضباط المخابرات المصرية العامة. ولم يتم ملء المراكز الشاغرة من داخل المؤسسة ولكن عبر قائمة قدمها نجل السيسي محمود إلى عباس كامل، رئيس مكتب السيسي. ويشرف محمود على الأمن الداخلي داخل المخابرات وقد لاحظت الولايات المتحدة الدور البارز الذي يلعبه نجل السيسي. وهناك نجل آخر للرئيس يلعب دورا وهو مصطفى، الضابط الذي أصبح شخصية مؤثرة في المؤسسة التي تقوم بالموافقة على ترفيع المسؤولين البارزين في الحكومة بمن فيهم الوزراء. ويعلق الكاتب إن السيسي حظي في بداية شعبيته بدعم 90 في المئة من المواطنين والتزام قوي من الليبراليين والتجار وبيروقراطية الدولة والجيش، وبعد أربعة أعوام لم يعد يدعم السيسي سوى مجموعة من المستشارين وأفراد عائلته. ولهذا السبب فقد انشغل الرئيس في الأسابيع الماضية بزيارات للقوات العسكرية وحفلات عسكرية وظهر بالزي العسكري على أمل دعم المؤسسة الأمنية والعسكرية له مع أن أفرادهما لا يسمح لهما بالتصويت. ولو مضت خطط السيسي كما يريد فستكون فترته الرئاسية المقبلة أكثر اضطرابا، وهو ما يطرح أسئلة عن الثمن الذي ستدفعه مصر أثناء محاولاته تأمين حكمه وتداعيات كل هذا على البلد وموقعه في العالم العربي. بالتأكيد سيواصل السيسي الضرب والحديد ساخن، في أي لحظة يراها خطيرة، لكن سجله في تأكيد موقع مصر الإقليمي ومواجهة الإرهاب في سيناء الذي كشفت «نيويورك تايمز» (3/2/2018) عن تعاون مع إسرائيل وغارات جوية فوق سيناء، وفشله في حل مشكلة سد النهضة مع إثيوبيا واستيراده الغاز الإسرائيلي مع انه افتتح حقل «ظهر» كلها تكشف كما تقول رانيا المالكي في «ميدل إيست آي» (13/3/2018) عن مستبد جامح يحكم أهم دولة في المنطقة لا يعطي إشارة ثقة أو براغماتية «إنها الذيل المهتز للوحش الذي ضبط في مصيدة أكاذيبه بدون نهاية قريبة للعبة، بل مكاسب قصيرة الأمد ستؤخر نهايته، فلم ير مبارك النهاية قادمة ولكن السيسي لن يبقى 30 عاما».

انتخابات مصر 2018: ديكتاتور خائف يتمسك بحفنة مستشارين وأبناء عائلته حتى لا يسقط

إبراهيم درويش

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left