حتى أهل القبور: «مين اللي ميحبش السيسي؟»

حسام عبد البصير

Mar 17, 2018

القاهرة ـ «القدس العربي»: مرشح رئاسي سابق تحصي عليه السلطة أنفاسه، ومرشحون آخرون خلف القضبان، وقبضة أمنية آخذة في التوحش بانتظار كل من يخرج عن المسار المخطط سلفاً كي يتم إرساله حيث «الجهة» الأكثر نشاطاً في طول البلاد وعرضها. وعلى الرغم من تلك القبضة الحديدية التي تقدم خدماتها لمختلف الأعمار، إلا ان السلطة تؤكد على حق الناخب ان يعبر عن نفسه ويمنح صوته لمن يريد في الوقت الذي استدعت فيه مرشحا منافسا للرئيس لم يكن حتى أيام مضت يعرف موعد بدء الانتخابات. يفرك المصريون عيونهم كأنهم استيقظوا من نومهم على وقع أقدام مبارك وقد تسلل للقصر الرئاسي من جديد، ويفتح الثوار أفواههم من فرط دهشتهم من ما يرونه، حيث لا موضع لقدم في العاصمة وغيرها من المدن إلا وللسيسي إعلان يبايع صاحبه الرئيس لولاية جديدة كما نافس «الأموات» بكثافة في مبايعة الرئيس. حيث زخرت شوارع وميادين العاصمة بلافتات كتب عليها اسم «المرحوم» مبايعاً هو وأهل بيته الرئيس. بينما تم استدعاء إعلاميين ورجال دين ولاعبي كرة سابقين وممثلين ظن البعض انهم انتقلوا للعالم الآخر من أجل المشاركة في الزفة الدعائية. لكل ذلك يفرض السؤال نفسه عن سبب اصرار النظام في استدعاء أدبيات دولة مبارك في الانتخابات، هل التدهور الحاد في شعبية مرشح السلطة هو الذي دفع الأجهزة الأمنية للاستعانة بالشيوخ والقساوسة، والفنانين والرياضيين وكل من يصلح لأداء أي دور للمشاركة في المولد الانتخابي؟ على مدار الأسابيع الماضية نشطت الآلة الإعلامية والأمنية والدينية بطبيعة الحال في استلهام أدوار تاريخية للسيسي على خطى أنبياء الله والأولياء الصالحين، فها هو رجل دين ينتمي للمؤسسة الرسمية يصفه بأنه من أولياء الله الصالحين، وفيما دخل أمامه المزاد قساوسة ورهبان حيث زعم أحدهم أنه «المخلص» ومن قبل بادر القس بافلي جاد، ممثل عن الكنيسة بالقول: «الله وهب مصر منذ 4 آلاف عام شخصا اسمه يوسف أنقذ مصر اقتصاديا وقتها، وحاليا وهبنا الله الرئيس السيسي لحماية البلد العظيم». فيما اعتبره وزير الأوقاف الحالي هدية السماء لنا، وأطلق مفتي مصر الأسبق تصريحاً حصد عليه الكثير من الثناء من قبل السلطة حينما قال: «مصر كانت على شفا حفرة من جهنم وأن السيسي أنقذها منها». وشبهه دعاة وإعلاميون بكبار صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كعمر بن الخطاب، وخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، أو التابعين من السلف الصالح كعمر بن عبد العزيز، أو عظماء المسلمين كصلاح الدين الايوبي، فيما بادر قساوسة بمنحه صفات روحية امتلكها قديسين بعد طول زهد وتقشف.
عندما يغيب العقل ويحضر اللامعقول فلا مجال للاهتمام بالانتخابات من الأساس، وعلى الرغم من لافتات الدعاية للرئيس التي زاحمت الأحياء وعرفت طريقها نحو الأموات في قبورهم في قلب القاهرة وأطرافها على حد سواء، فليس أمام الجماهير سوى الترحم على ثورة الخامس والعشرين من يناير وما نادت به. لذا فإن أي محاولة لإضفاء طابع عقلاني على العملية الانتخابية التي تدور رحاها مشكوك في جدواها، فما يجري من وقائع يكشف عن أننا أمام أجواء استفتاء ليس أكثر، حيث فقدت الانتخابات أبرز أدوات جاذبيتها والمتمثلة في غياب منافس قوي أمام السيسي، لذا باتت خالية من وهج من شأنه ان يجذب نحوها المزيد من المهتمين.
واهتم التلفزيون المصري والصحف التي باتت جميعها في قبضة السلطة أمس، بإطلاق الأفراح على الحضور اللافت الذي حظيت به عدد من اللجان التي استقبلت الناخبين في الدول المختلفة ومن أبرز تلك اللجان، الإمارات والكويت والمملكة السعودية وقطر وعلى الرغم من تسليط الأضواء على الطوابير الطويلة أمام السفارات المصرية في بعض الدول، إلا ان الأرقام التي أعلنتها اللجنة العامة للانتخابات عن عدد من يحق لهم التصويت في الخارج كشفت عن مفاجأة حيث يبلغ تعداد هؤلاء 600 ألف مواطن أي لا تتجاوز نسبتهم 3 في المئة ممن يحق لهم التصويت ولأجلهم تم افتتاح لجان في 124دولة. لكن لماذا توافد المصريون في الخليج تحديداً على التصويت؟ الإجابة لا تحتاج لمتخصص على أي حال، فهؤلاء هم أكثر من حصد ثمار السيسي الاقتصادية بعد تعويم الجنيه وفقد ثلثي قيمته أي في لحظة واحدة وجد المصريون في الدول الخليجية تضاعف أجرهم فيما الأغلبية في الداخل تردت أحوالها على نحو غير مسبوق.
كما برع عدد كبير من النشطاء من أصحاب الصفحات الخاصة بتصميم «الكوميكس» في اعداد صور تكشف عن تأييد شخصيات تاريخية أو شخصيات في أعمال فنية تظهر خلف صورة السيسي، كما ظهرت لافتة ساخرة يظهر فيها بطلا فيلم «تيتانك» الشهير وهما يؤيدان السيسي.
كان المصريون بحاجة لمثل هذا التصريح كي يتأكدوا انهم يعيشون حالة من العبثية السياسية غير المسبوقة، فالمرشح المنافس للرئيس السيسي قال مؤخرا انه لم يكن يعلم بموعد الانتخابات حيث كان يعتقد انها ستعقد في نيسان/ابريل لكنه فوجئ بها في اذار/مارس، وما بين آلة إعلامية تعرف طريقها حتى للراقدين في المقابر حيث ترفرف صور الدعاية الانتخابية فوق شواهد القبور، وما بين ترسانة أمنية تحصي على الجماهير أنفاسها، يبدو الحديث عن الانتخابات المقبلة هدرا للوقت، فالنتيجة وإن كانت معروفة سلفاً إلا انها تلقي الضوء على المحنة التي تعيشها النخبة الباحثة عن الحرية والأغلبية التي تفتش عن رغيف خبز.
لو كانت له انجازات حقيقية لما احتاج لكل تلك الطنطنة!! هكذا يغرد النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي التي تحولت لمنصات صواريخ ضد السلطة التي أممت الميادين بترسانتها الأمنية، لذا لم يكن أمام المعارضين سوى ان يصدحوا عبر هواتفهم منددين بالسلطة وباكين على الثورة التي خطفها «الغراب» وطار. السيسي لا يؤمن بانتخابات، السيسي مشغول فقط بالسلطة: كيف يصل إليها بكل وسيلة ممكنة؟ وقد وصل. ثم كيف يبقى فيها بكل وسيلة ممكنة ولأطول فترة ممكنة؟ هذه الشهادة لأحد أبرز أنصار السيسي حتى عام قبل ان ينقلب عليه ويهاجمه مؤخراً: «الانتخابات ليست من شواغل السيسي شخصيا هو يعرف هدفه ويعرف وسائله ولديه تحالفاته وأدواته وحتى هذه اللحظة الظروف كلها تمشي في صالحه وتصب في مصلحته».
هي مباراة اللاعب الواحد بكل تأكيد حيث استدعي المنافس من غياهب النسيان. وعلى الرغم من ان مصر في حاجة ماسة لعصا موسى عليه السلام لتخرج من محنتها الراهنة، إلا ان السيسي بأي حال من الأحوال لم يكن بحاجه لخصم ما زال يدعو في صلاته ان يفوز السيسي. معجزة، وبما اننا في عصر المعجزات الأمنية والإعلامية، فمن الطبيعي ان تطالب إحدى المذيعات بالقبض على السيسي؛ لكونه استحوذ على قلوب المصريين دون استئذان.

 

حتى أهل القبور يؤيدونه ومنافسه لم يعلم بموعد الانتخابات: «مين اللي ميحبش السيسي؟»

حسام عبد البصير

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left