كيف يبني الرئيس قواعد المجد وحده؟

محمد جاد

Mar 17, 2018

رغم خلو الساحة إلا من صوت وصورة الرئيس المصري الواحد الأوحد، إلا أن هناك حالة من القلق تحيط بسيادته، فهو يبحث عن صورة الجماهير الغفيرة التي تقف بالطوابير أمام لجان الانتخابات، هنالك إصرار على صورة الشرعية المفقودة، وبالطبع ستكون الصورة زائفة، ولا سبيل إلا وسائل الإعلام المصري سيئ السمعة على طول الخط، والتسبيح بحمد سيادة الرئيس ليل نهار. هناك رأي عام عالمي ــ الرأي العام المصري لا وزن له، ويتم قمعه والسيطرة عليه بشتى الطرق ــ لابد من الظهور أمامه بمظهر السلطة الشرعية، والتي ينتوي صاحبها أن تمتد حتى يشاء الله، أو يقضي أمراً كان مفعولا. أيام قليلة تفصلنا عن المشهد الأكثر هزلية في تاريخ الانتخابات المصرية ــ الآن يتم اقتراع الجاليات المصرية في الخارج ــ والملصقات المؤيدة لسيادته تشوه شوارع القاهرة وجميع محافظات مصر، حتى الأموات يؤيدون سيادة الرئيس ــ هناك لافتات تتصدر اسم المرحوم فلان يؤيد سيادة الرئيس ــ فلا تستغرب أو تستعجب فأنت في بلد العجائب. أما فكرة المعارضة ولو على سبيل التفكير، فسيتم إلحاقك بمعسكر «قوى الشر» وسيتم التعامل معك فوراً، سواء بالاعتقال أو الاختفاء، أو أي وسيلة أخرى من وسائل الدولة الديمقراطية التي لا تعد ولا تحصى.
ولم يعد يقتصر الأمر على مجرد قنوات فضائية يتحرك معظمها من خلال أجهزة الدولة السيادية، ولكن من خلال رجال الدين، أو الموسومين بكونهم رجال دين، وهم طوال تاريخهم يتبعون أي نظام سياسي قائم، ففي عهد عبد الناصر بدأت مؤلفات ترصد العلاقة ما بين الاشتراكية والإسلام، وفي عهد الرئيس السادات وقف الشعراوي في البرلمان يؤكد أن المؤمن ــ السيد الرئيس ــ لن يُسأل يوم القيامة، والشعراوي نفسه ردد دعوته لمبارك أن يزيح عنه هَم الشعب، فراح الأول بالاغتيال والثاني أزاحه الشعب. ويعاود المخلصون للنظام الفعلة، فهذا يدعو الرئيس الحالي من نسل محمد (ص)، وآخر يُبشره بأعلى عليين، وأنه لو هناك نبوّة سيكون هو المختار بالتأكيد. وبخلاف البلاغة وشطحات خيال رجال الدين الأوفياء، تأتي الرسائل على أرض الواقع، فيدعو البابا تواضروس الثاني، جميع المصريين في الداخل والخارج إلى النزول والمشاركة بإيجابية في الانتخابات الرئاسية، وذلك «لممارسة حقهم الدستوري وللوفاء بالواجب الوطني والمجتمعي الذي يحفظ الوطن عاليا شامخا أمام العالم، ومن أجل حماية المكتسبات الوطنية التي تم إنجازها خلال الأعوام الماضية والتي هي ثمرة وحدة وتماسك المصريين». كما يأتي الداعية اليمني الإماراتي علي الجفري، خلال ندوة تثقيفية عقدتها القوات المسلحة، بمناسبة يوم الشهيد، في حضور السيد الرئيس، ليقدم خطبة حماسية عصماء، عن مكانة الشهداء ومقاعدهم في الجنة، والدور الخطير الذي تقوم به مصر، حيث تحارب قوى الشر والإرهاب بمفردها نيابة عن العالم، هذه الكلمات والدعوات التي سالت لها دموع الرئيس المحبوب أمام الكاميرات.
تتوزع أشكال الإعلام أو الأبواق الإعلامية ما بين الصحف اليومية (الملاكي) للنظام الحاكم، مانشتات تستعرض الإنجازات وقوى الشر التي يجب مواجهتها، والتي تريد إسقاط الدولة المصرية ــ لا تفرق وسائل الإعلام بين مفهوم الدولة ورئيسها كالعادة ــ ثم صفحات مواقع التواصل الاجتماعي واللجان الإلكترونية التابعة لجهات الأمن، وأخيراً والأكثر تأثيراً برامج «التوك شو» التي تستنزف بدورها وعي المصريين. هذه البرامج تبدو معظمها أنها تقرأ نشرة إخبارية مكتوبة مسبقاً وموزعة على مقدميها بالعدل، فقط تاركة مساحة لهذا المقدم ــ مقدم البرنامج وليس رتبة عسكرية ــ أو ذاك أن يقول ما أُمر به بأسلوبه الخاص، وبطريقته التي تستحوذ على فئة أو قطاع ما من المشاهدين، وهي فئات متنوعة تم رصد مقدمي البرامح للتأثير عليها حتى لو تبنت صوتاً مخالفاً للسائد، كمحاولة للابتعاد عن الدعاية المباشرة للنظام ورئيسه. فجمهور وائل الإبراشي يختلف عن جمهور عمرو أديب أو محمد الغيطي، وبالطبع يختلف عن كبير مؤيدي النظام أحمد موسى، الذي يهلل على مدى أكثر من ثلاث ساعات، متابعة وتلفيقاً لمشهد الناخبين بالخارج، ويمزح بأن طابور الناخبين المصريين في الكويت على سبيل المثال يمتد حتى الحدود مع قطر! ولكن، هل كل هذا يكفي؟ اعتقد النظام أن هناك خللاً ما في المنظومة الإعلامية، هناك نجم يمتد تأثيره ويسيطر بدوره على عقول الكثيرين، إنه نجم الصخب الأوحد ــ كما رئيس نظامه ــ الإعلامي توفيق عكاشة.
عاد توفيق عكاشة بعد توقف ما يقرب من العامين، عاد يرتدي جلباب الفلاح المصري، يجلس في الحقل، ويوصي المصريين بضرورة النزول والمشاركة في الانتخابات، وانتخاب السيد الرئيس حفاظاً على ما وصلت إليه مصر من نهضة ــ الكلمة مؤلمة ــ ورقي لم تصل له البلاد من قبل. استعان النظام بعكاشة في اللحظات الحرجة ــ نظام مرتعب رغم كل ما توافر له من وسائل قمع وسيطرة ــ نظراً لمدى تأثير الرجل على الناس، لكن من بلاغة عكاشة تبدو بعض المفارقات، فقد شبّه الرئيس بمحمد علي، وقد استتب له الأمر، الأمر يُذكّر بالطبع بمذبحة القلعة، لا يهم. ونتذكر بعد انقلاب 30 يونيو برنامج عكاشة وأنه كان الرجل الثاني في الانقلاب ــ يطلق عليه ثورة ــ وأنه والرئيس يشبهان كل من فرعون وهامان، في التاريخ المصري القديم، وتماشياً مع النص الديني، فقد أصاب عكاشة دون أن يدري، أنه ورئيسه بالفعل كفرعون وهامان. دون أن ينسى هامان أن يشير إلى أن الرئيس تم اختزال شعب بأكمله في شخص سعادته، وأنه الآن ــ الرئيس ــ يبني قواعد المجد وحده.
ورغم ما يبدو على السطح من صخب إعلامي يصل حد الهوس والصراخ، ورغم المراقبة الشديدة والقبض على البعض من خلال حساباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، إلا أن هذه الأصوات لم تصمت أو تهدأ بدورها، حتى أن البعض أصبح يقوم بعمل فيديوهات صغيرة تستعرض من خلالها العديد من الحقائق، أو تسخر مما يحدث، لم يزل البعض يجاهد ويجاهر بالرأي رغم المناخ القمعي غير المسبوق الذي تعيشه مصر، فمصر لم تعد كما في العهد الناصري رغم كل محاولات إعادتها لذلك العصر، كما في نية النظام إنشاء فيسبوك مصري ومقولات مثل مراعاة القيم وما شابه، ولا ننسى مقولة شهيرة لن تجدي نفعاً أيام الثورة على مبارك المخلوع «اعتبره أبوك يا أخي».

كيف يبني الرئيس قواعد المجد وحده؟

محمد جاد

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left