مصر في ظل الانتخابات الرئاسية: مطاردة النشطاء وتأميم الجمعيات الأهلية وحجب المواقع الإلكترونية

إيمان عثمان

Mar 17, 2018

أيام قليلة ويبدأ العرض الهزلي لانتخابات الرئاسة المصرية، أو «الاستفتاء» بالمعنى الصحيح، ففكرة وجود مرشح كاريكاتيري منافس ومؤيد في الوقت نفسه للرئيس، تدعو للضحك. وفي محاولة لإبعاد أي شبح من أشباح المقاومة التي تتخايل أمام الرئيس، يبدو العمل على قدم وساق لإسكات أي صوت معارض أو حتى يفكر في المعارضة، والسبيل هنا ــ إن لم تجد الطرق الخفية نفعاً ــ أن يكون الأمر وفق القانون، الذي يقوم بسنه وتفصيله مجلس النواب الساهر على خدمة النظام الحاكم. ففي الأشهر الماضية يبدو أن الاستعدادات لعملية الاستفتاء كانت تحدث كما هو مُرتب لها، فبخلاف القبض العشوائي أحياناً أو المنظم دون وجه حق على النشطاء، أو ما تبقى منهم خارج السجون والمعتقلات، إضافة إلى السرعة في إصدار وتنفيذ أحكام الإعدام، كانت الهجمة على الجمعيات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني، من خلال قانون أشبه بعملية التأميم، إضافة إلى حجب العديد من المواقع الإلكترونية ــ الإخبارية والحقوقية ــ التي تضر بصحة وسُمعة النظام الحاكم، ليصل العدد في بداية شهر شباط/فبراير الماضي إلى 496 موقعا وقناة إخبارية على الأقل. ليصبح المجتمع المصري وكأنه يعيش في ثكنة عسكرية كبيرة، حدودها تماماً كحدود الدولة المصرية التي تتآكل الآن.
في ظل قانون 70 لسنة 2017 أصبح عمل الجمعيات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني من قبيل الأعمال المشبوهة، هذا القانون الذي تقدم به أحد أعضاء البرلمان، وأقرّه البرلمان بعد أسبوعين فقط، ويتضمن القانون عقوبات تقيّد حرية عمل هذه المنظمات وتفرض غرامات تصل إلى مليون جنيه في حال مخالفة بعض نصوصه، المتعلقة بتلقي تمويل من دون موافقة الحكومة، سواء كان التمويل أجنبيا أو محليا، إذ يحظر على أي جمعية أو هيئة الحصول على تمويل يتجاوز 10 آلاف جنيه من دون الحصول على موافقة مسبقة، وإذا لم تُمنح هذه الموافقة خلال 60 يوماً من تقديم الطلب يعتبر مرفوضاً، كما ينص القانون على تشكيل جهاز قومي لتنظيم عمل المنظمات الأجنبية غير الحكومية، ويحظر على أي جهة أو مؤسسة ممارسة العمل الأهلي دون الالتزام ببنوده. ويمنح القانون فرصة لمدة عام لتوفيق أوضاعها مع بنود القانون الجديد، وإلا يتم حلها وتحويل أموالها إلى صندوق دعم الجمعيات والمؤسسات الأهلية المنصوص عليه في القانون. كما يعطي القانون الحكومة وحدها سلطة تقرير من يحق له تأسيس جمعية أهلية وأهدافها، ويلزم الجمعيات بالعمل وفقاً لخطط الدولة للتنمية واحتياجاتها، ويوجب على الجمعيات الحصول على إذن من رئيس مجلس الوزراء والمحافظة المتخصصة بتنفيذ أي من أعمالها قبل البدء في التنفيذ. ويحظر العمل في مجال أو ممارسة نشاط يدخل في نطاق عمل الأحزاب أو النقابات المهنية أو العمالية أو ذي طابع سياسي أو يضر بالأمن القومي للبلاد أو النظام العام أو الآداب العامة أو الصحة العامة، كما يحظر على الجمعيات إجراءات استطلاعات الرأي أو نشر أو إتاحة نتائجها أو إجراء الأبحاث الميدانية أو عرض نتائجها قبل عرضها على السلطة المختصة للتأكد من سلامتها وحيادها. الأمر هنا يعد من قبيل التأميم لهذه الجمعيات ووضعها تحت رقابة مشددة من قبل الدولة وأجهزتها، والأمنية منها بشكل خاص، تماشياً مع وجهة نظر النظام بأن الجميع خائن وعميل إن لم يعمل من خلال عين وبصر الدولة. ورغم اعتراض العديد من المنظمات الحقوقية المصرية وبعض الأحزاب السياسية، إلا أنه لا حياة لمن تنادي، وبالطبع تبدو عبارات القانون الهلامية سامحة لوضع أغلب المعارضين في السجون. حتى أن منظمة «هيومن رايتس ووتش» اعتبرت القانون الجديد بمثابة (حظر للمجتمع المدني) في مصر. وبهذا تم التخلص من صداع منظمات وجمعيات المجتمع المدني.
وقامت الحكومة بحجب عدد من المواقع الإلكترونية تزامناً مع حجب مشابه لمعظم تلك المواقع قامت به الحكومتان السعودية والإمارتية. هذا في البداية، حيث اقتصر الأمر على حجب33 موقعا، ثم وصل الأمر إلى 496، والعملية متواصلة. لكن ذلك تم دون أي قرار رسمي بالحجب، فقد أعلنت «وكالة أنباء الشرق الأوسط» الرسمية، حجب عدد من المواقع نقلا عمّا أسمته الوكالة (مصدر أمني رفيع المستوى). بعدها قامت جريدة «المصري اليوم» بنشر تقرير صادر عن (جهة سيادية) يشير إلى حالات حجب في دول عربية وأجنبية، بهدف تبرير الحجب في مصر، معتبراً رقابة الدولة لشبكات التواصل الاجتماعي حقا مشروعا قانونا، دون ذكر لأي من نصوص الدستور والقانون المصري كتبرير لقانونية قرار الحجب. ثم يستعرض التقرير أسباب حجب المواقع في دول العالم ويحصرها في الإرهاب، الدعارة، الهجرة غير الشرعية، غسيل الأموال، في حين أن أغلب المواقع التي تم حجبها في مصر هي مواقع إخبارية وإعلامية. ويلاحظ أنه لم تصدر أي بيانات رسمية من قبل شركات الاتصالات المختلفة أو الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات أو وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، حتى أن بعض شركات الإنترنت أرجعت عدم قدرة المستخدمين الوصول إلى المواقع المحجوبة إلى وجود أعطال بالمواقع وليس قيامهم بحجبها. ويُذكر أن في الفترة بين 24 أيار/مايو 2017 حتى 1 شباط/فبراير 2018 تم حجب 496 موقعا.
وفي كل الأحوال يعتبر ما حدث مخالفاً لنصوص الدستور المصري، حيث ينتهك الحجب حرية عمل وسائل الإعلام وعدم جواز وقفها أو مصادرة أعمالها، وحق الجمهور في المعرفة والوصول إلى المعلومات. كما أن المواقع المحجوبة في أغلبها إخبارية وهو ما يمثل اعتداء وتقييدا لوسائل الإعلام، ويتعارض مع نص المادة 57 من الدستور «كما تلتزم الدولة بحماية حق المواطنين في استخدام وسائل الاتصال العامة بكافة أشكالها، ولا يجوز تعطيلها أو وقفها أو حرمان المواطنين منها، بشكل تعسفي، وينظم القانون ذلك». ويتعارض أيضا مع المادة 71 من الدستور «يحظر بأي وجه فرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام المصرية أو مصادرتها أو وقفها أو إغلاقها. ويجوز إستثناء فرض رقابة محددة عليها في زمن الحرب أو التعبئة العامة». هذه هي نصوص الدستور، والتي يمكن تعطيلها أو عدم الالتفات إليها في ظل قوانين الإرهاب أو الطوارئ، وما شابه من القوانين التي تحمي السلطة بالأساس، وتطمئن النظام الحاكم على نتيجة الاستفتاء المعروفة سلفاً.

مصر في ظل الانتخابات الرئاسية: مطاردة النشطاء وتأميم الجمعيات الأهلية وحجب المواقع الإلكترونية

إيمان عثمان

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left