«القوات» و«المستقبل» والاستحقاق

وسام سعادة

Mar 19, 2018

على مسافة أيام قليلة من الموعد النهائي للتقدم باللوائح، المقفلة لأول مرة في التاريخ الإنتخابي اللبناني بعد اعتماد نظام التصويت النسبي على قاعدة الدوائر المتوسطة لأول مرة أيضا، تظهر أكثر فأكثر تداعيات التفاوت في أثر هذا القانون على الطوائف والقوى السياسية والعلاقات التي سادت بين هذه القوى في السنوات الماضية.
ففي الوقت الذي انعكس فيها أثر القانون استعجالا لدى الثنائي الشيعي أمل ـ حزب الله لإعلان التحالف الانتخابي الشامل كتجسيد لاستمرار التفاهم بين الطرفين على كيفية ادارة المشاركة الشيعية في مؤسسات وأجهزة الدولة، وكعمل حثيث من الجانبين من أجل «صفر مفاجآت» على مستوى الحصة البرلمانية للطائفة الشيعية، فان تظهير مآل اللوائح الأخرى، خصوصاً تلك التي تعني أطراف اللفيف المجتمع سابقا في جبهة «14 آذار»، كما الاستفسار عن مآل «تفاهم معراب» بين تيار الرئيس ميشال عون وحزب «القوات»، مرهون إلى حد كبير بأجواء وحسابات الأيام الأخيرة قبل انتهاء مدة تسجيل اللوائح.
سمة القانون، بلوائحه المقفلة واتباعه مبدأ الصوت التفضيلي على مستوى القضاء، تضعّف امكانية انتهاج هذه القوى سياسة تحالفات مركزية شاملة، على غرار تحالف أمل وحزب الله، أو تحالف 14 آذار في الانتخابات السابقة، قبل تسع سنوات. وهكذا، وبعد التفاؤل بأن الاعلان عن تحالف انتخابي ثلاثي في الشوف بين «التقدمي الاشتراكي» (الحزب الاكبر في الطائفة الدرزية، الاساسية تاريخيا في التركيبة اللبنانية، والمنحسرة ديموغرافيا)، وبين «القوات» و«تيار المستقبل»من شأنه ان يستكمل بتحالفات في عدد من الدوائر بين القوات والمستقبل، الطرفين الرئيسيين، المسيحي والسني في جبهة 14 آذار المنفرط عقدها، عادت الأمور وتدهورت بين هذين الفريقين، هذا على الرغم من اشتراك كل من تيار الرئيس سعد الحريري والحزب الذي يقوده سمير جعجع في كل من التسويتين الرئاسية والحكومية، وفي الحكومة الحالية، وفي تحمل كل منهما قسطاً من ملامات الشخصيات والمجموعات الاكثر راديكالية في 14 آذار، الثابتة في رفضها وصول العماد ميشال عون إلى الرئاسة وفي معارضتها لعهده ولحكومة العهد الاولى.
ما هو مصير «اعلان النوايا» و«تفاهم معراب» وكل نغمة المحاكاة القواتية العونية لتجربة الثنائي الشيعي امل وحزب الله؟ هل كانت التسوية الرئاسية خطأ أو هبوطا اضطراريا في لحظتها، بالنسبة إلى «القوات» ولم يعد من الممكن التعامل معها هكذا اليوم؟ هل تختلف الحكومة العتيدة بعد الانتخابات عن تلك القائمة حاليا، من حيث المعايير المعتمدة لتشكيلها؟ كلها أسئلة لا تهتم «القوات» بالاجابة عنها، ويبدو الاندفاع للاحتكاك السلبي مع «المستقبل» ملاذا مفضلا لتفادي التطرق إلى هذه الاسئلة. «المستقبل» يدافع من جهته عن الحاجة إلى التسويتين الرئاسية والحكومية، والحاجة إلى صيانتهما لاكسابهما راهنية اليوم أيضا، ويواجه مناخات عديدة معترضة على هذا الخيار، كما يواجه واقعا يفيد بأن انعدام التوازن بين «حزب الله» وبين بقية المكونات تعمق في اثر هاتين التسويتين، وهذا لا يدارى بمقولات «ربط النزاع» و«النأي بالنفس» وبوازع «تفادي الحرب الأهلية»، فقط. يبقى ان «المستقبل» منسجم مع انخراطه الأساسي في عقد التسويتين الرئاسية والحكومية، وفي فكرة تقول بأن انضاج وجه مستقل نسبيا للشرعية اللبنانية، من شأنه الحد من انعدام التوازن المتزايد لصالح الحزب، وبأن العلاقات بين تيار الرئيس عون وبين «حزب الله» لم تعد علاقات جبهة متراصة كما كانت الحال سابقا.
أما «القوات»، التي عبرت حملتها الانتخابية عن مقدار عال من التنظيم لديها، والتي تتعامل مع القانون الانتخابي الحالي انه في صالحها كحزب، وان يكن في صالح خيارات الممانعة و«حزب الله» في الحصيلة الاجمالية، فان انضباطها الحزبي يترافق مع نقص متزايد في الانسجام السياسي الانتخابي. هل هي داخل التسويتين الرئاسية والحكومية ام خارجهما، او تعتبرها مرحلة سابقة وقد انتهت؟
هناك منطقة رمادية عبثا يمكن خوض السجال على تخومها وعدم نقله إلى داخلها. هناك «14 آذار» المقتنعة بربط نزاع مع «حزب الله»، و«14 آذار» المقتنعة بتأجيج النزاع معه، لكن أين «القوات»؟ ربط النزاع وتأجيجه في نفس الوقت؟ اعداد العدة لمرحلة تتجاوز ثنائية ربط النزاع وتأجيجه هذه؟ ما يحصل، ان «التنظيمي» يأكل من حصة «السياسي» هنا، مثلما يأكل «السياسي» من حصة «النظري».
يتجه «حزب الله» لتحقيق فوز واسع في الدوائر الشيعية. ويكاد التحدي الاعلى سقفاً بازائه هو خرقه بمقعد او مقعدين كحد اقصى. يتجه التيار الوطني الحر لتحقيق نتائج جيدة له في الدوائر المسيحية، ويريحه بالطبع انقسام مسيحيي 14 آذار، والخلاف بين الطرفين الابرز في 14 آذار السابقة، «المستقبل» و«القوات»، بحيث يستفيد من اصوات الطرف الاول، ويكرس الطرف الثاني حملته ضد حليفه الآذاري السابق وليس ضد تيار الرئيس عون. في المقابل، إلى اين يتجه «تيار المستقبل» و«القوات اللبنانية»؟ «المستقبل» استبق الموسم الانتخابي بتوقع خسارة معتبرة لعدد من مقاعده النيابية لكن اهم عامل في صالح هذا التيار هو وضوحه «بالاستمرار» في مسار التسويات، وان يكن على قاعدة تجميلها اكثر مما يحتمله الواقع. أما «القوات»، فانتقلت من انتظار تسونامي مشترك ثنائي قواتي عوني سرعان ما تبخّر، إلى التفاؤل بزيادة عدد اعضاء كتلة «القوات» النيابية. في نفس الوقت، الارجح ان يحتفظ «المستقبل» بالصدارة السنية، رغم تراجع حصته البرلمانية، في حين ان «القوات» التي تبدو ذاهبة للاحتكاك الكلامي اكثر فاكثر بحليفها الآذاري السابق، عوضا عن تحديد مآل علاقتها مع عون وتياره وعهده، تفعل هذا فيما هي تخوض الانتخابات في اغلب الدوائر ضد لوائح عون. لا تزال تعتقد بأنه يمكن خوض الانتخابات بنجاح من دون ايضاح الموقف والموقع، من التسويتين الرئاسية والحكومية. هذا الغموض ينفع تكتيكيا في كل شيء الا الانتخابات!

٭ كاتب لبناني

«القوات» و«المستقبل» والاستحقاق

وسام سعادة

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left