أدب المخابرات ومسلسل التنفيس في سوريا

صبحي حديدي

Mar 19, 2018

خلال السنوات السبع التي انقضت من عمر الانتفاضة الشعبية السورية، صدرت ـ في لغات شتى، عربية وأجنبية ـ عشرات الأعمال التي تناولت جوانبها المختلفة؛ وإنْ كان الاهتمام الأشدّ قد تركز على الجوانب الاجتماعية والسياسية والإنسانية الداخلية، وكذلك الأبعاد الخارجية الإقليمية والدولية. الثقافة، من جانبها، لم تحظ إلا بمتابعات محدودة؛ ذهب الكثير منها صوب استقراء المعطيات الإثنية والطائفية، وكان مسُّ الآداب والفنون عابراً غالباً.
وبين النماذج النادرة، على الالتفات المعمق إلى الثقافة، هذا المؤلف الجماعي الذي صدر بالإنكليزية سنة 2015، عن جامعة سيراكيوز ـ نيويورك، بعنوان «سوريا من الإصلاح إلى الثورة: الثقافة، المجتمع، والدين»؛ بتحرير مشترك من كريستا سالامندرا وليف ستينبرغ. تضمن الكتاب مساهمات من ماكس فايس: «ما يكمن في الأسفل: النقد السياسي في القصة السورية الراهنة»؛ سالامندرا: «انهمار الدراما السورية، بين التواطؤ والنقد»؛ دوناتيلا ديلا راتا: «’ستراتيجية الهمس’: كيف يصوغ صنّاع الدراما السورية القصةَ المتلفزة في سياق التسلط والتسليع»؛ شاينا سيلفرستين: «اللبرلة الثقافية أم التهميش؟ ثقافة السياسة في الرقص الشعبي السوري خلال إصلاح السوق الاجتماعي»؛ لورا رويز دي ألفيرا: «جمعيات الإحسان المسيحية ونظام البعث في سوريا بشار الأسد: تحليل مقارن»؛ أندريا بندك: «أداء الأمّة: المسيحيون السوريون على خشبة المسرح»؛ توما بييريه: «خلفية التاجر، أخلاق البرجوازي: علماء سوريا واللبرلة الاقتصادية»؛ وستينبرغ: «المنظمات الإسلامية في سوريا بشار: تحوّل مؤسسة الشيخ أحمد كفتارو».
ليس هنا المقام المناسب لمراجعة الكتاب على أيّ نحو تفصيلي، حتى بإيجاز شديد؛ لأنّ كثافة المادة وتشعّب الموضوعات وتعدد المقاربات، فضلاً عن تفاصيل منهجية وبحثية أخرى عديدة، تقتضي قراءة مفصلة، إذا شاء المرء إنصاف العمل، بما له وما عليه بالطبع. غاية هذه السطور، إذن، هي التنويه بالكتاب في الذكرى السابعة للانتفاضة، من جهة أولى؛ والإشارة إلى أطروحتين على وجه التحديد، من جهة ثانية: «رواية المخابرات»، التي يناقشها فايس؛ ومسلسل «التنفيس»، كما تشخصه سالامندرا؛ وكلا الفصلين ينطلقان، في يقيني، من مسلّمة مشتركة مفادها أنّ ممارسة النقد السياسي عبر السرد القصصي أو الدراما لا تتمّ إلا في باطن الموضوعات، وفي الدلالة المستترة رغم وضوح الترميز فيها.
فايس، الذي يستعير تعبير «رواية المخابرات» من تعليق للشاعر اللبناني عباس بيضون، يختار نموذجين: فواز حداد، في روايته «عزف منفرد على البيانو»، 2009؛ ونهاد سيريس، في «الصمت والصخب»، 2004؛ مع إشارات متفرقة إلى مصطفى خليفة، في «القوقعة»، 2008؛ وسمر يزبك، في «لها مرايا»، 2010؛ وروزة ياسين حسن، في «بروفة»، 2011. ولعلّ لائحة الأعمال هذه هي المشكلة الأولى، المنهجية، في أطروحة فايس: أنه يبدأ الفصل من شرط «الانتفاضة الراهنة»، أي ما بعد آذار (مارس) 2011، ولكنه يبلغ خلاصات (عريضة تماماً في الواقع، رغم أنها سليمة) مستمدة من رواية صدرت قبل سنتين، وأخرى قبل سبع سنوات؛ ثمّ يقرّ بأنّ الخلاصات ذاتها ليست جديدة، لأنّ الموضوعة السياسية تهيمن على الرواية السورية منذ عقود. كذلك فإنّ من الإجحاف الشديد أن يقتصر التحليل على هذه الأسماء، وتُهمل أسماء أخرى ذات أهمية حاسمة، في المرحلة ذاتها قبل الانتفاضة؛ ثمّ يتواصل القصور من خلال تجاهل التحولات الكبرى التي شهدتها الرواية السورية، في طبيعة مضامين الموضوع السياسي تحديداً، على نحو إيجابي أو سلبي، خلال سبع سنوات من عمر الانتفاضة، سواء عند الأسماء التي اختارها فايس أو تلك التي لم يتناولها.
سالامندرا تساجل بأنّ مسلسل «بقعة ضوء» كان عتبة تعبيرية عن أطوار «الانفتاح» التي شهدتها سوريا خلال سنوات الأسد الابن الأولى؛ مذكّرة بأنّ فريق العمل، في اعتماد السخرية والكوميديا والترميز، استلهم أعمال دريد لحام، وجماعة «مسرح الشوك»، و«مرايا» ياسر العظمة. ورغم إقرارها بأنّ «بقعة ضوء» يندرج في سياق «التنفيس»، تستنتج أنه ساعد في توسيع هوامش النقاش العام. مشكلة سالامندرا منهجية، هنا أيضاً، في أنها تقبل بالدور الذي لعبه مخرجون كبار مؤسسون (أمثال هيثم حقي وعلاء الدين كوكش وغسان جبري)، في نقل الخبرة والمهارة وأفق التطوير إلى الأجيال اللاحقة من المخرجين؛ لكنها لا تضع هذه الخلاصة في سياق سوسيولوجي فنّي أعمق، مفاده أنّ المؤسسين (ومعظمهم من خريجي الاتحاد السوفييتي وأوربا الشرقية) رسخوا أيضاً مدرسة واقعية اجتماعية في المسلسل السوري، فبات السقف مسيّساً بالضرورة. بهذا المعنى، فإنّ «التنفيس» لم يكن بدافع دغدغة حسّ الاحتجاج لدى الجموع، فحسب؛ بل كان استجابة لذلك السقف الذي ترسّخ واستقرّ حتى بات مطلباً جماهيرياً يصعب إغفاله، بالمعنى التسويقي الصرف. أمزجة الاستقبال الجَمْعية هنا تختلف، أغلب الظنّ، عنها في ثلاثية نجدت أنزور الشهيرة، «الحور العين»، المارقون»، و«سقف العالم»، على سبيل الأمثلة.
ويبقى أنّ هيمنة السياسة على الرواية السورية المعاصرة جزء من عطش السوري إلى التاريخ، أو تعطشه إلى صناعة التاريخ، في موازاة الحال العالقة التي يظلّ يصنعها نظام سياسي يحظر أيّ تاريخ شعبي خارج منظومة الاستبداد. حتمية الانتفاضة كانت، من جانبها، مبتدأ سردية كبرى تتابع ريّ ذلك الظمأ، وروايته.

أدب المخابرات ومسلسل التنفيس في سوريا

صبحي حديدي

- -

9 تعليقات

  1. 7 سنوات انتفاضة شعبية …؟ او سبع سنوات حرب أهلية مدمرة الخاسر الأول فيها هو الشعب السورى ….تحيا تونس تحيا الجمهورية

    • لا ثورة في بلدنا بغض النظر عن رأيك لان واحد زائد واحد يساوي اثنين حتى لو قال تلفزيون الجمهورية و رئيس الجمهورية و ….الجمهورية إنّو الجواب ١١ !!!

    • أخي تونسي ههه, لدينا مثل سوري يقول “كل واحد بيغني على ليلاه” أي حتى في بعض الحالات الشديدة المأساوية ترى أن بعض الناس لايكترثون إلا بعالمهم الخاص بهم, مع خالص تحياتي لك وللتونسيين جميعهم.

  2. طبعاً جميل جداً هذا السرد البسيط لكن من الواضح أن الثورة السورية تستحق اهتمام عالمي واسع على المستوى الفكري والانساني كقوة للتغيير التاريخي مهما حاول الاستبداد الوقوف في وجه التاريخ كعقبة أمام التغيير . الثورة مستمرة ولاتراجع عن أهدافها إن شاء الله, مهما تكاثرت القوى الفاشية والاستبدادية والمتطرفة والاستعمارية على الوقوف في وجه الشعب السوري. ولنا الله ومالنا غيرك ياالله.

  3. (سناالعالول)مفخرةلشعبي،وشمس الحق من درب لدرب/ولم أكذب إذاماقلت دهرا:(سناالعالول)تنبض نبض قلبي.أبوتاج الحكمة.شاعرسوري مقيم في باريس

    الى المغرب الشقيق
    من الذي جعل جدار برلين في بيتي واناسوري! المغرب الشقيق حظر دخول السوريين للمغرب حتى لو كان السوري رضيعا وحتى لو كان السوري متزوجا بمغربية منذبداية الأزمة السورية هذاعوضاعن تعاطف المغرب معنا!
    قال لي مديرمسجد مغربي بباريس المغرب لن يسمح للسوريين بدخوله فهو بلد آمن!
    هل اصبح بلدكم تحت حجة مكافحة الإرهاب يوزع التهم على الناس ويطلب المزيد!
    السوري المسكين مابين جريح وشريد وشهيد وبلدك يتشفى منالماذا!
    رحم الله أمير المؤمنين عبدالقادر الجزائري الهاشمي عندماقال للتاريخ عن من خانوه من المغاربة
    الشعر ينبت في رأسي والكف لا.
    الفاتحة هدية لروحه الشريفة ولأمواتكم.

  4. ايها الاخوة السوريون و خاصة السيد اوسامة الذى احترمه كثيرا انا اخر من يعطى الدروس للسوريين او يتهكم عليهم !!! لكن عبرت بما أفكر به و احس به تجاه الشعب السورى …..للاسف هى انتفاضة شعبية سلمية و كنت معها لأننا فى 2011 كنا نحلم بالحرية للجميع لكن عندما تحولت لخراب و دمار….. انا اسف لقد تحولت إلى حرب أهلية مدمرة …و الضحية الأولى هى الشعب السورى هل هذا ليس صحيح …؟ …
    اسف مرة أخرى ان فهم قصدى خلاف ذالك …..تحيا تونس تحيا الجمهورية

    • أشكرك أخي تونسي ردك الجميل. الحرب ليست أهلية, وأنما صراع من نظام استبدادي دوموي استعان بكل قوى التطرف والاجرام والاستعمار والاستبداد, وحتى إسرائيل نفسها هي أكثر من يرضى عن أفعاله. أما أنها مأساة كبيرة لسوريا والشعب السوري فهذا صحيح. ولكن هل أراد السوريون مأساتهم, هل أراد الفلسطينيون مأساتهم, هل أراد اليمنيون مأساهم, هل أراد الليبيون والمصربيون ….. مأساتهم, للأسف لايوجد مخرج ناعم! كما حصل في تونس, ولكن لايمكن الخروج من هذا المأزق الحضاري إلا بالتخلص من الاستبداد العربي عاجلاً أم آجلاً. ولنا الله ومالنا غيرك ياالله.

  5. قرأت رواية «القوقعة» للكاتب المغمور مصطفى خليفة عدة مرات.. وفي كل مرة أبكي بكاء مريرا على مشاهدها المأساوية وعلى ما كان يحصل لأولئك المعتقلين السوريين من تعذيب وانتهاك وجرائم تقشعر لها لأبدان.. أيام الدكتاتور العسكري المستبد حافظ الأسد..
    وإذا كان هناك جنس أدبي قائم بذاته على المستوى المحلي والعالمي اسمه «أدب السجون».. كما حاول بعض النقاد العرب وغير العرب في هذه التسمية التي ما زالت قابلة للجدل.. فإن رواية «القوقعة» للكاتب المغمور مصطفى خليفة ترقى بالفعل إلى مصاف «قرآن» هذا الجنس الأدبي أو «كتابه المقدس» لما يتمتع به نصها السردي من قوة تأثيرية خارقة على النفس البشرية.. قوة تأثيرية قلما يتواجد لها مثيل حقيقة في الأدب الروائي المحلي والعالمي على حد سواء..
    على الرغم من أن الكاتب المغمور مصطفى خليفة لم يكتب سوى هذه الرواية اليتيمة.. ليس غير.. وكأنه قال فيها كل شيء مما شهده على أرض الواقع بين جدارن السجون وخارجها.. في لحظات الاجترار التصوُّري للماضي.. وفي لحظات الاسترسال التصويري للحاضر.. وفي لحظات التداعي التكهُّني أو حتى التنبُّؤي للمستقبل..

  6. إلى الأخت النبيهة آصال أبسال،
    كنت أريد أن أكتبَ شيئًا مماثلاً لما كتبتِهِ عن رواية «القوقعة» لمصطفى خليفة، ويا لتواردِ الأفكار الجليل!
    والحق يُقال، فما قلتِهِ هنا عن هذه الرواية لَهُوَ، في يقيني، من أجمل ومن أعمق ما قيل عن هكذا رواية فريدة من نوعها، فعلاً.
    حيَّاكِ الله من القلب، يا آصال!

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left