عن «أسبوع الفرنسية» و«السجن اللغوي» الجزائري

توفيق رباحي

Mar 20, 2018

خلال الأسبوع الجاري تحتفي فرنسا بلغتها وثقافتها، وتقيم لهما الاحتفالات والفعاليات، داخل وخارج فرنسا.
الأسبوع ذاته يصادف احتفال الجزائر بالذكرى 56 لانتهاء حرب التحرير ضد الاستعمار الفرنسي. هذه المناسبة، التي تعود إلى 19 آذار/مارس 1962، تسمى عند الجزائريين، ذكرى وقف إطلاق النار. أما 5 تموز/ يوليو فهو إعلان الاستقلال رسميا.
الجزائر ملعب أساسي وخصب للغة الفرنسية. فلا غرابة أنها شهدت هذا الأسبوع من الفعاليات ما قد يفوق ما تشهده فرنسا ذاتها.
السفارة الفرنسية بالجزائر هي التي ترعى الفعاليات، بينما توكل مهمة التنظيم للمعاهد الثقافية الفرنسية بالجزائر. هذه الأخيرة هي التي تتولى الحفاظ على اللغة والثقافة الفرنسيتين في الجزائر، وفي غيرها من المستعمرات الفرنسية السابقة.
بـِلـُغتهم هم، يهدف «أسبوع اللغة الفرنسية والفرنكوفونية» في الجزائر إلى نشر الثقافة والتقريب بين البلدين والشعبين الجزائري والفرنسي (على أساس أن هناك أسبوعا في فرنسا لنشر الثقافة واللغة الجزائريتين!!).
لكن الهدف الحقيقي، وهو ليس سراً، هو الحفاظ على اللغة والثقافة الفرنسيتين بالجزائر، بعد تراجعهما الحاد في العقود الأخيرة، وإبقاء فرنسا حاضرة في يوميات عامة الجزائريين (النخبة مضمونة، لا تدين بالولاء إلا لفرنسا). والمحصلة هي إبقاء الجزائر مستعمرة ثقافية تابعة لا فكاك لها من فرنسا، مع ما يترتب عن ذلك من تبعية اقتصادية وأمنية وتجارية يفرضها «السجن اللغوي».
ظاهريا تبدو «معركة» الفرنسية للبقاء حاضرة في حياة الجزائريين، شبه مضمونة. هناك أكثر من إشارة على ذلك، منها أن الحكومة ودوائر الحكم والنفوذ الجزائرية تسبِّح بحمد فرنسا وترعى مصالحها في الجزائر، عن عمد ومن دون قصد.
المسؤولون الجزائريون، على رأسهم الرئيس بوتفليقة، يخاطبون الجزائريين بالفرنسية، ويخاطبون المحافل الدولية وكل العالم بالفرنسية كأنها اللغة الرسمية الجزائرية (عندما يحتاج المسؤول الجزائري إلى مترجم يؤتى له بمترجم من الفرنسية إلى لغة الضيف الذي يخاطبه).
كذلك تبدو النخب السياسية والإعلامية والثقافية صاحبة الصوت الأعلى في الجزائر مشدودة إلى فرنسا بشكل لافت حفاظا على مصالحها الثقافية والعقائدية، وخوفا من تمدد لغة وثقافة أخرى في أوساط الأجيال الجديدة من الجزائريين، عربية كانت أم غيره عربية. هذا ناهيك عن وجود فئات وقوى جزائرية تحنُّ صراحة إلى فرنسا وتتمنى لو أن الجزائر لا تزال مستعمرة فرنسية.
لكن المعركة ليست بهذه السهولة. هناك واقع آخر لا يخدم الوجود الثقافي الفرنسي في الجزائر، هو أن المنظومة التعليمية في الجزائر تُخرِّج جهلة غير متمكنين من أي لغة، لا الفرنسية ولا غيرها. ولن يفيد كثيرا الجهد الذي تبذله المعاهد الثقافية الفرنسية في الجزائر، لأنها نخبوية ومحدودة الانتشار على الرغم من فتح فروع لها في عدة مدن، واعتزام السفارة فتح أخرى في مدن الصحراء.
ولسوء حظ فرنسا في الجزائر، أن هذا الواقع يتكرس سنة بعد أخرى. والفرنسية، لغة وثقافة، تنحسر يوما بعد يوم. ففي مقابل الشبان (والكهول) الذين يشعرون بالتفوق لتمكنهم من الفرنسية وتباهيهم بالحديث بها في الأماكن العامة، هناك إدراك يتكرس في هدوء هو أن الفرنسية ليست مفتاحا من مفاتيح النجاح في العالم. وهناك وعي بأن الإنكليزية هي جسر العبور نحو العولمة والوظائف في الأسواق الدولية، إضافة إلى الصينية والإسبانية ولغات أخرى. يكفي أن يتخطى الجزائري حدود بلاده ليكتشف وهْمَ أن تعتقد أن الفرنسية لغة عالمية تفتح لك أبواب المستقبل. وما أكثر الجزائريين الذين سافروا وهاجروا في العقود الأخيرة، واكتشفوا حقيقة أن اللغة الفرنسية ليست كما كانوا يعتقدون.
مشكلة الفرنسية (مع) الجزائريين أنها لغة المستعمر. وأي نقاش عام حولها في الجزائر، غالبا ما يكون مشحونا بالعواطف وقلّما يتسم بالموضوعية. الفرنكوفونيون يبجّلونها كأن لا لغة فوق الأرض غيرها، والمعربون يكرهونها كأنها سبب كل مآسي البلاد.
الفرنسيون أيضا يغلِّبون العاطفة والماضي الاستعماري في النقاشات حول لغتهم ومستقبلها في المستعمرات الفرنسية السابقة. نُخَبهم المثقفة لا تختلف في هذا الصدد عن نظيرتها الجزائرية. هي في الغالب مدفوعة بالخوف من انحسار اللغة والثقافة الفرنسيتين في معاقلهما التقليدية، خصوصا في شمال أفريقيا والجزائر بالذات بالنظر إلى جاهزيتها للتبعية.
لكن بعيداً عن «شحناء المستعمرات» يكون الفرنسيون أكثر استسلاما للواقع الذي ليس في صالح لغتهم.
صحيفة «لوفيغارو» اليمينية الفرنسية (عدد 18 مارس) خصصت ملفا لـ«أسبوع اللغة الفرنسية». غلبت على الملف الحسرة على واقع الفرنسية والبكاء على تراجع الاهتمام بها حتى بين الشباب الفرنسيين.
في 2014 كشفت إحصاءات رسمية أن 400 ألف فرنسي يعيشون في لندن وحدها، ما جعل العاصمة البريطانية توصف بأنها سادس أكبر مدينة فرنسية! كما أن الطلاب الفرنسيين يتصدرون قوائم البعثات التعليمية القصيرة إلى بريطانيا، والتي تنظم في إجازات الصيف وهدفها تحسين مستوى اللغة الإنكليزية لدى طلاب المدارس والثانويات الفرنسيين.
أكيد أن أولياء أمور هؤلاء الطلاب وكذلك القائمين على شؤون التعليم في فرنسا، لم ينحوا هذا المنحى حُبا في بريطانيا أو في لغتها. بل فعلوا إدراكا منهم أن لغتهم أصبحت خارج السباق العالمي.
من المؤسف أن بعض الجزائريين لم يدركوا ذلك بعدُ.

٭ كاتب صحافي جزائري

عن «أسبوع الفرنسية» و«السجن اللغوي» الجزائري

توفيق رباحي

- -

6 تعليقات

  1. الدكتور وليد محمود خالص أستاذ جامعي عراقي مقيم في الأردن

    شكرا للأستاذ توفيق رباحي المحترم على هذا المقال المهم المفعم بالصراحة والواقعية وتشخيص الحالة اللغوية المرة في الجزائر العزيزة فها هي الفرنسية والانكليزية تتنازعان أيهما يكسب المعركة ولكن المعركة تدور على أرض عربية قدمت الكثير الكثير من الشهداء الأبرار مع أهوال والام تجرعها هذا الشعب الصابر بسبب الاحتلال الذي طال ليله وجثم بكلكله على صدر البلد وأهلها وأتذكر هنا ما ذكره الدكتور أبو القاسم سعد الله الباحث الجزائري المرموق حين تحدث عن الصحافة في الجزائر في كتابه الممتاز (تاريخ الجزائر الثقافي) من أن الفرنسيين بعد الاحتلال هم الذين أنشأوا الصحافة في الجزائر وظلت الصحف تصدر بالفرنسية لمدة طويلة وهي تنقل أخبار الاحتلال وما يجري في فرنسا من أحداث بينما يظل الجزائريون بعيدين عن ذلك كله مع أنهم هم أهل البلد الأصلاء وهذا من المفارقات المضحكة المبكية في وقت واحد ومثلها حين صدر قرار المحتل باعتبار اللغة العربية لغة أجنبية في الجزائر مع أنها لغة الجزائريين والقائمة تطول أكرر الشكر للأستاذ رباحي والشكر موصول للقدس العربي الغراء الدكتور وليد محمود خالص

  2. لا فظ فوك حقا من المؤسف أن بعض الجزائريين وكذلك المغاربة لم يدركوا ذلك بعدُ
    -
    لا ادري كيف تشعر النخبة المتحكمة في البلدان المغاربية و هي تقف على حقيقة ان الفرنسية
    -
    التي تعتبرها عامل تمايز و علو على بقية عموم المواطنين لا محل لها من التدوال بين بقية
    -
    شعوب العالم لقد ادرك الناشئة من الشباب ان الانجليزية لغة التواصل الاكثر انتشارا في المعمور
    -
    لذلك تجد المراكز اللغوية التي تقدم دروسا في تلقين لغة شكسبير بمقابل مالي الاكثر رواجا و اقبالا
    -
    تحياتي

  3. من يعتقد بجدية الاستقلال فليراجع حجم التنازلات في معاهدة افيان …بعد نهاية الحرب العالمية الثانية و انشاء الأمم المتحدة كان لازما منح الاستقلال لكل الدول لأن ميثاق الأمم المتحدة مبنى علی أساس دول العالم دات سيادة و فرنسا رتبت أمورها و تركت الجيل االدي ربته علی فكرها و ثقافتها و مصالحها و الانقلاب دليل مدی كره الجنرالات الی كل ما هو إسلامي و عربي و حتی اللغة البربرية كتبوها بحروف لاتينية و من يتساءل علی الثورة فليقم بجرد المكتسبات مثلا انهيار العملة و تبدير الف مليار دون بناء اقتصاد بديل و حجم الهجرة السرية و منع حرية التظاهر. ….!!

  4. @تقولون المدارس في بلدكم اصبحت تخرج من لا يحسنون لا الفرنسية و لا العربية…نظرا لسوء حال التعليم فيها..هذا يكفي كتحليل….
    اما رمي اللوم دوما على المستعمر فهذا هذاء ليس بعده شفاء….ليس عيبا تعلم الفرنسية او غيرها..العيب في انتشار الركاكة و البذاءة في كل شيء. حتى في السندويش…..تحياتي….سامي…

  5. فرنسا تتخلى عن غيرتها

    تقدمت الانكليزية على الفرنسية في العديد من المنظمات الدولية، بعدما كانت الفرنسية لغتها الرسمية العاملة. وكان الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك أثار ضجة في عام 2006 عندما انسحب من اجتماع للاتحاد الاوروبي غاضبًا لأن إيرنست أنتوان سيلير، رئيس منظمة أرباب العمل الفرنسية، كان يتحدث بالانكليزية. ولا يمكن لمثل هذا الاحتجاج أن يحدث اليوم.

    في العام الماضي، أصدرت وزيرة الثقافة الفرنسية السابقة فلور بيليران أقوى إشارة حتى الآن إلى تخلي فرنسا عن غيرتها الشديدة على لغة مولير.

    في مقابلة مع موقع لوكال الاخباري، قالت بيليران التي تتكلم الالمانية والانكليزية بطلاقة إنها لا ترى جدوى في حماية الفرنسية من التأثيرات الخارجية مثل الانكليزية. واضافت: “علينا أن نفهم العالم الذي نعيش فيه اليوم حيث تغتني لغتنا بالتأثيرات الخارجية، فالفرنسية كانت دائمًا لغة أثْرَتها مفردات من لغات أخرى”.

  6. الاستقلال يظل منقوصا ما لم يتحقق الاستقلال الثقافي واللغوي .

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left