وصمة الأنثى!

شهباء شهاب

Mar 21, 2018

قد لا يدرك الكثير من الناس أنّ الأنثى بالنسبة له لا تعدو أن تكون وصمةً. وقد لا تعرف الأنثى أن المجتمع، الذي هو بشكل عام مجتمع رجال، لا ينظر لها إلا كوصمة. إنّ المجتمع الذي يتطلع إلى حياة سوية، تسودها قيم الرحمة والاحترام والعدل والإنسانية، لابد أن يبدأ من أول طريق البناء، وأول طريق البناء يبدأ من الأفكار التي يحملها الناس في رؤوسهم. فالفكر، هو الذي يخط خارطة الأفعال ويرسمها. وهكذا، فإن إعتبار بعض البشر أقل مرتبة من بعض آخر، لا يؤدي إلاّ إلى أن يُعبِّدَ دروب القسوة، والإذلال، والظلم، والفظاعة، والوحشية، وما يتبعها من عواقب وخيمة على الفرد والمجتمع ككل.
يعلِّمنا الفيلسوف ديفيد لفينغستون سميث أنّ الناس عندما يجردون الآخرين من صفاتهم الإنسانية، فإنهم في الواقع ينظرون لهم على أنهم مخلوقات أدنى مرتبة من مرتبة البشر. وقد لا يدرك الكثيرون أنّهم يقترفون هذا الجرم. فمعظم الناس يرتكبه كل يوم، دون وعي ودون إدراك، جرم حرمان الأنثى من صفاتها الإنسانية، عندما يتعاملون معها بشكل مغاير لتعاملهم مع الذكر. إنّ المجتمع الذي يخجل من مجرد ذكر إسم الأنثى، أو يخجل من صورتها، أو من صوتها، ويشير لها بدلا من ذلك بإسم زوجها وصورته، لا يفعل ذلك إحتراماً لها وتحبباً، أو إعلاء لشأنها، بل لأنه يعتبرها وصمةً، وأقل شأناً من الذكر الذي يُذكرُ إسمه على الملأ، وبملأ الفم، وتظهر صورته وهي تزيّن الأماكن وتُحلّيها. فنرى الزوج يتجنب الإشارة إلى زوجته بإسمها أمام الملأ، أو أمام أصحابه، أما لأنّه يعتبر أسمها عاراً وشناراً، أو لأنّه ينظر لها كمخلوق أقل آدمية، وأدنى شأناً منه ومن الذكور، فنراه يلجأ لتعابير غير مباشرة، أو تعابير غير صريحة، أو غير واضحة، ومبهمة، وأكثر لياقةً من وجهة نظره ونظر مجتمع الذكور. وهكذا تنتشر في المجتمع تعابير من قبيل المرأة، والحرمة، وأم الأولاد، والحاجّة، والعائلة، وأم فلان للإشارة للزوجة.
وكذلك فإنّ التشييئ الجنسي للأنثى، والتعامل معها كمجرد جسد جنسي، وليس كبشر يستحق الآدمية، والكرامة، والتفهم لهي من أكبر الآثام التي يرتكبها المجتمع الذكوري بحق الأنثى. فهذا التشييئ يَصِمُ الأنثى ويحوِّلها من بشرٍ إلى بضاعةٍ جنسيةٍ، دون أعتبارٍ لآدميتها وكرامتها. إلاّ أنّ الطامة الكبرى تحصل عندما يجري تشريع هذا التشييئ للأنثى، من خلال إتفاق مجتمعي غير معلن ومبطن، فيصبح معظم أفراد المجتمع يمارسونه، دون وعي للأذى النفسي، والمهانة، وقلة القيمة، والإذلال الذي يزرعه في مشاعر الانثى، ووجدانها، وعقلها الباطن. فهذا الأذى النفسي سيتحول بمرور الزمن إلى نقمةٍ، وأسقامٍ تغزو جسد الأنثى، فتظهر كأمراض نفسية، كالإكتئاب، وعدم تقدير الذات، وضعف الثقة بالنفس، وعقدة الاضطهاد، والبرود الجنسي، وكذلك أمراض جسدية، كاضطرابات الجهاز الهضمي، وجهاز المناعة، والجهاز التناسلي.
وقد يسود هذا التشييئ الجنسي للأنثى مجتمعاً بأكمله، أو قد يمارسه أفراد المجتمع ممارسة فردية. فنرى الزوج، مثلا، عندما يتكلم عن زوجته أمام أصحابه، أو أقرانه فإنه لا يستخدم إلاّ تعابير تطفئ خيالهم المشتعل بصور جنسية، والمشغول بخيالات الشهوة والجسد لتحيّدهُ وُتسكِّنه بتعابير من قبيل أختكم، وبنت عمكم، وأم فلان، وزوجة أخيكم، لأنه لا يرى في زوجته إلاّ رمزاً جنسياً قد يثير نزوات الآخرين وشهواتهم مجرد الإشارة له بإسم بشري يشبه أسم الذكور. ولابد أن لا ننكر أنّ بعض النساء قد ساهمن في موجة تشييئ الأنثى، وتحويلها من بشرٍ إلى بضاعةٍ، بإعتقادهن أنّ النفوذ، والاحترام، والثروة يمكن أن تتأتى عن طريق المظهر الخارجي الخلاب.
كما أنّ مشاعر العُلُوُّ والمُكابَرة لدى بعض الأزواج، وإساءة فهم معنى الرجولة، والظنون المريضة بأنّ إظهار العاطفة للزوجة أمام الملأ لا يليق به، أو بمقامه، أو برجولته تدفع هؤلاء البعض إلى أن يتجنب الإشارة للزوجة بإسمها الصريح.
هذا الأسلوب المبهم في الإشارة لا يستعمل عادةً، إلاّ عند الإشارة لمفاهيم وظواهر بغيضة، وكريهة، ومقززة، أو مُحرِجة، مثلما نتجنب ذكر أسم مرض السرطان، مثلا، ونشير له بذلك المرض، أو عندما نريد الانتقاص من أحدهم والتقليل من شأنه، فنتقصد عدم ذكر أسمه، ونشير له بدلاً من ذلك بالعائب، أو الخفيف، أو الجبان، أو القواد، أو عندما نتجنب الإشارة للعاهرة بلفظ صريح، فنرمز لها بالشريفة، ونحن نقصد العكس تماماً. إنّ أسلوب التجنب وعدم التصريح في الإشارة، ومحاولة التخفيف منها يؤشر وجود مسألة يُخشى التصريح بها، إمّا خوفاً، وهلعاً، وإشفاقاً، أو كراهةً، وحراجةً، ومبغضةً.
مازالت الكثير من المجتمعات العربية حتى اليوم تَصِمَ الأنثى على أنها مخلوق قاصر، حتى وإن بلغت من العمر عِتِيًّا. هذه النظرة القاصرة للأنثى تراها على الدوام كطفلٍ صغيرٍ بحاجة للوصاية، والحماية، والقيادة، والإرشاد، والتوجيه، وليس كشخصٍ راشدٍ، مكتملٍ، ومستقل. فحتى وإن حصلت الأنثى على أعلى الشهادات، وحتى وإن تقلَّدَت أعلى المناصب يبقى المجتمع الذكوري ينظر لها على أنها بحاجة لوصاية الرجل، وحمايته، وتَدَخُّله. فنرى هذا المجتمع الذكوري يستخدم تفسيراَ ملتوياً ومحرفاً للدين ليُبرِّر هذه الوصاية، ويضفي عليها صبغةً دينيةً مقدسةً، الدين منها براء.
ومن الأساليب الأخرى التي يستخدمها المجتمع الذكوري لفرض هذه الوصاية وإدامتها هو إستعمال القيم الريفية والعشائرية البالية والتي عفا عليها الزمن، والمُبَرقعَة بعباءة الدين المحرّف والمزوّر لتحويل الأنثى من بشرٍ من لحمٍ، ودمٍ، وأعصابٍ، كالذكر تماماً، إلى شيء، أو جسمٍ جامدٍ لا حياة فيه، ولا يختلف عن أيّة قطعة أثاثٍ، ككرسي، أو منضدةٍ مثلاً. وقد إنطلت هذه الحيل الذكورية الماكرة على أجيالٍ عريضةٍ من النساء في مجتمعاتنا، ولازالت منطليةً على ما لا يعد ولا يحصى منهّن. فالأسهل والأيسر لكثيرٍ منهّن هو وراثة القيم من الأهل والمجتمع، دون تدقيقٍ أو تمحيص. فالتدقيق، والتمحيص، والبحث يتطلب وعياً عميقاً يحاول المجتمع الذكوري بكلّ ما يملك من نفوذٍ وقوةٍ إلى خنقهِ خنقاً قبل أن يولد ويشق الأنفاس.
هذه الحيل الذكورية السائدة في كثير من المجتمعات العربية هي التي تجعل المرأة التي تعيش بمفردها خزياً وعاراً، وهي التي ترى المرأة التي لا تغطي رأسها بخرقةِ قماشٍ عاهرة، وهي التي ترى المرأة التي تتجمّلُ بمساحيق الزينة رخيصةً ومبتذلة، وهي التي تجعل المرأة التي تقود السيارة، أو تدخَّن السكائر منحرفة وضالّة. وهذه الحيل نفسها هي التي ترى الحب جريمةً والكراهية ليست كذلك، فتنكر على المرأة الحق بالحب، وإظهار عواطفها، وتعيب عليها التصريح بحاجاتها العاطفية والجسدية، لأنها في نظر المجتمع الذكوري لا تعدو أن تكون جسماً جامداً، لا يَحِسُّ، ولا يشعر، ولا يتأثر، ولا يحب، ولا يعشق، ولا يشتهي. فالحب، والعشق، والشهوة قيم ذكورية خالصة على المرأة إنكارها، أو على الأقل كتمانها، وقمعها لتحصل على رضى المجتمع، وتظهر بمظهر الشريفة العفيفة.
شرفٌ زائِفٌ هو الشرف الذي يحوّل المرأة من كائن بشري، له الحق كل الحق بالعاطفة، والمتعة، والرضا النفسي، وله الحق بكلّ فطرةٍ سليمةٍ فطر الله الإنسان عليها، من ذكرٍ أو أنثى، إلى جمادٍ لا يَحِسُّ، ولا يشعر، ولا يشتهي، ولا يحتاج. شرفٌ زائِفٌ ذلك الشرف الذي يغتال آدمية المرأة، ويحوّلها إلى مجرد وعاءٍ لمتعةِ الرجلِ، وتفريخ الأولاد، وخدمة عائلتها ليل نهار، وكأنها ثور معصوب العينين يدور في ساقية، دون كللٍ أو مللٍ، ودون شكوى، أو تذمر، ودون أدنى مقابل، ولو كان المقابل مجرد عاطفةٍ، أو إحسانٍ، أو شيء من الإحترام. شرفٌ زائِفٌ ذلك الشرف الذي يمارس تمييزاً عنصرياً فاضحاً بين الذكر والأنثى في الحقوق والواجبات، والجريمة والعقاب. شرفٌ زائِفٌ ذلك الشرف الذي يكتفي بأن يكون مجردَ قطعةٍ من جسد.

كاتبة من العراق

وصمة الأنثى!

شهباء شهاب

- -

5 تعليقات

  1. بصراحة أن متفق مع الكاتبة المحترمة على كل ما جاء بمقالها
    لكنها لم تفرق بين الذكور والرجال !
    فبعض العادات والتقاليد تحط من قيمة المرأة , وليس من الرجولة فعل ذلك
    أما الإسلاميين بشكل عام فيحترمون المرأة كالأم والأخت والزوجة والإبنة أمام الجميع
    نعم نقول عن الزوجة الحاجة فلانة أو أم فلان أو الأهل ونذكرها بالإسم عند الأقارب فقط فهي الحرم المصون
    أما عمل البيت فنحن نقتدي بسُنة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ونساعد الزوجة في عمل البيت ورعاية الأطفال وووو
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. وهل من احترام المراة ان تتزوج باربع نساء وتقول للسلطات المحلية بالنرويج واحدة زوجتي والثلاث الباقيات عشيقاتي كي لا يحاسبك القانون المحلي.كما ذكرت في احدى تعليقاتك ، سيد كروي؟

  3. وشكراً أختي شهباء شهاب, لقد اردت أن أكتب أنني أتفق مع الكاتبة تماما, وأنها بالفعل وصفت المشكلة (تفكيرنا تجاه الانثى) بكامل تفاصيلها بشكل جلي وواضح. لكني تفاجئت أن الأخ الكروي يتفق أيضاً تماما مع الكاتبة فعدت إلى المقال مرة أخرى لأتأكد أنني فهمت الكاتبة بشكل صحيح, فوجدت أنني أتفق تماما معها وبلا شك. فما الذي حصل أن يشاركنا الأخ الكروي في المساواة بين المرأة والرجل! فلم أعرف عنه أنه يشاطرني الرأي في المساواة التامة بين الرجل والمرأة, والمقصود طبعاً المساواة في الحقوق وكل مايترتب عن ذلك في تغيير ىشامل في تفكيرنا تجاه المرأة وحقوقها كانسانة تماما كالرجل كانسان, كما أفهم من المقال. إذاً تراني هل فهمت الأخ الكروي خطأً, أم أنني لم افهم المقال جيداً!. مع خالص تحياتي.

  4. حيا الله العزيزان علي وأسامة وحيا الله الجميع
    1- تعدد الزوجات حق للرجل حتى لا يسقط في المعاصي
    2- للزوجة بالنرويج حق تطليق زوجها , فلماذا لم تطلقني الزوجة الأولى ؟
    3- أنا أساعد في أعمال البيت ورعاية الأطفال وسد إحتياجات الأسرة, فأين التقصير يا جماعة؟
    ولا حول ولا قوة الا بالله

    • تجياتي أخي الكروي, وشكراً على الرد. بعض النقاط:
      إذا مالذي يمنع أن نعطي هذا الحق للمرأة العربية أو المسلمة بالطلاق, أن تستعمله أو لاتستعمله هذا شأن آخر أو شأنها الشخصي ويعود إلى الوضع الذي تخضع له.
      أنا أساعد في أعمال البيت لكن هذا سلوك إجتماعي يختلف من شخص لأخر, المشكلة في العقلية السائدة في مجتمعنا التي جعلت من المرأة “عار”, تماما كما جاء في المقال. وهي منتشرة حتى على مستوى المتعلمين, إذا كما اسلفت في تعليقي أي تغيير ىشامل في تفكيرنا تجاه المرأة وحقوقها كانسانة تماما كالرجل كانسان.
      المساواة تعني أن المرأة والرجل كالعنيتين في وجه الإنسان, الكريمتين لأن الله أكرمنا بهن. وماعدا ذلك هو حيل ذكورية (على حد تعبير كاتبتنا العزيزة) لتمديد العقلية السائدة عدة قرون أخرى لاسمح الله.
      لاحظ أن العين اليسرى تساوي العين اليمنى في قيمتها 100% لكن لاتطابقها مطلقاً, وهذا طبيعي فالمرأة والرحل لايمكن أن يتطابقا أيضاً, ولكن هذا يجب أن لايكون سلاح ذو حدين, أي عدم المطابقة تصبح وسيلة لفرض عدم المساواة. فالمساواة تعني المساواة التامة في الحقوق ١٠٠% والتي لم تتحقق بعد حتى في الغرب أو الشرق المتحرر نوعاُما, لكنهم قطعوا شوطاً طويلاً مقارنة بمجتمعنا. مع خالص تحياتي.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left