أوروبا ودبلوماسية المصلحة

د. مدى الفاتح

Mar 21, 2018

أصبح من النوافل والحديث الزائد أن نردد أن السياسة الخارجية الأوروبية إنما تبنى على المصالح لا المبادئ، وأن هذه المبادئ التي تؤسس نظرياً للعلاقات الدولية، سرعان ما تتبدل وتتغير ويتم تجاوزها إذا ما تعارضت مع أي مصلحة مباشرة.
هذا الأمر، للإنصاف، لا يتعلق فقط بالدول الغربية أو الأوروبية، وإنما تبقى المصلحة الاقتصادية خاصة، ثم الأمنية هي المحرك الأساسي الذي يقود عجلة الحراك الدبلوماسي لأغلب دول العالم، التي تتحرك وفق بوصلة المصلحة. لكن الفارق يبقى في حالة التناقض الأوروبية التي تقدم دروساً بليغة، ليل نهار، حول الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان، معلنة أنها بصدد وضع استراتيجية جديدة لربط العلاقة مع أي طرف كان بمدى احترامه لهذه القيم. الأمر يبدو بالفعل أقرب للتناقض أو الشيزوفرينيا، مقارنة بواقع العلاقات الأوروبية، والظاهر من تحركاتها الخارجية، فقد يتم انتقاد حالة الحريات في بلد بشدة في منبر من المنابر ثم يتم في الوقت ذاته، وعبر منبر مجاور، توقيع اتفاق للدخول مع البلد ذاته في شراكة استراتيجية.
حين تستمع للبيانات الأوروبية التفصيلية حول حجم الانتهاكات والجرائم، وحالة انعدام الروح السياسية في بلد من البلدان تعتقد أن هذه البلدان الحرة سوف تعمد في القريب العاجل لمعاقبة ذلك النظام على ما اقترفه، أو أنها ستتجه على الأقل لفرض عقوبات عليه وتعليق التعاون معه في مجالات الاقتصاد والتجارة، لكنك سرعان ما تتفاجأ، وفي الكثير من الحالات والأمثلة، بأن كل ما قيل كان مجرد ذر للرماد في العيون. رماد لم يمنع انسياب العلاقات السياسية والتعاون في الكثير من المجالات، ولم يرق لدرجة تعطيل حركة تبادل الزيارات على أرفع المستويات.
يبدو الأمر أشبه بلعبة، تصريحات ترضي المهتمين بمسألة الحريات، خاصة المنظمات الحقوقية في الداخل والخارج، وأفعال تحقق مصالح لوبيهات المال والاقتصاد وتخدم تصورات الفاعلين السياسيين وتعريفهم للمصلحة، وهو تعريف قد لا يكون مرتبطاً بالضرورة بالمصلحة المادية المجردة، بل قد تكون وراءه دوافع أيديولوجية (موقف اليمين من الإسلام مثلاً).
تجميلاً لهذا الموقف السائل يطلق على هذه السياسة في الأدبيات الدبلوماسية اسم «البراغماتية» التي تربط العلاقات الخارجية بشكل وثيق بالمصلحة، والتي تتميز بالقدرة على التماوج والتلون كحرباء، بحسب الريح وبحسب تغير اتجاه البوصلة.
يدافع هؤلاء البراغماتيون عن سياستهم تلك بقولهم، إنهم لا يستطيعون التوقف عن التعامل مع دولة مهمة تمدهم بموارد أساسية أو حيوية، حتى لو أدى الأمر لغض الطرف عن حالة حقوق الإنسان فيها. هذا الأمر يبدو مفهوماً لولا الفذلكات والدروس المجانية، التي تجعل هذه الدول تتربع على منصة إطلاق الأحكام، والتي تجعلها تعطي نفسها الحق في تقييم حالة الحريات وحقوق الإنسان في جميع دول العالم. سلاح المعاقبة والمقاطعة واللغة الأكثر قسوة يستعمل في نطاقات أخرى، وضد أطراف معينة، وذلك لا يكون بسبب أن هذه الأطراف هي الأكثر إجراماً، أو أنها أتت بما لم يأت به الأوائل في عالم الاستبداد والفساد، بقدر ما يكون بسبب أن المصلحة الآنية لا ترتبط كثيراً بذلك البلد، وهو أمر سلبي لأنه يشير إلى أن بعض الدول تبدو سيئة الحظ، بسبب موقعها أو بسبب ضعف مكانتها الدولية، ما يجعلها تتحمل النصيب الأكبر من السهام على عكس غيرها، لكن ذلك المنطق في الوقت ذاته، يحمل بعض الأمل والإيجابية إذ يبقي باب التغيير مفتوحاً، بمعنى أن الأمور قد تتغير إذا تغيرت وجهة المصلحة. هذه المعادلة أدت لتغيير نظرة الدول لمسألة الحريات والحقوق الأساسية، فبدلاً من أن تعمل على تحسين أوضاعها الداخلية بشكل يجعلها أقرب لمبادئ أوروبا المزعومة، راح الكثير منها تتخذ مساراً التفافياً عبر اللعب، هي الأخرى، على حبل المصلحة بالتسويق لنفسها وربط مشروعها بالمشروع الأوروبي، تارة بالتلويح بورقة المال والتجارة وتارة عبر دغدغة الوتر الأمني، المهم بالنسبة للأوروبيين، بالدعاية لدورها في «محاربة الإرهاب». العبارة الرنانة لكن التي تساعد في كسب تعاطف الكثيرين ممن لا يدركون حقيقة أن تحالف الغرب مع الاستبداد ومد رموزه بأطواق النجاة وأسباب الحياة، هو أهم أسباب تقوية ظاهرة التطرف والإرهاب.
ليس كل الأوروبيين راضين عن تلك الطريقة التي تمارس بها السياسة الخارجية لبلدانهم، بل يجد الكثير من المثقفين هناك أن التعاطي مع قضايا العالم الثالث يمثّل في كثير من الأحيان إحراجاً لهم، حين يتم التعامل بانتقائية وبحسب تقلبات المصلحة، وهو ما اتضح بشكل كبير في شكل ردود الأفعال الغربية والأوروبية على أحداث الربيع العربي، وما تلاه من تطورات حتى اليوم. ينتقد كثير من الأوروبيين كذلك الطريقة التي تمرر بها الشراكات الاقتصادية، التي تبدو في كثير من أمثلتها أقرب لمعادلة المال مقابل غض الطرف عن الانتهاكات، بل إن الأمر يصل أحياناً درجة الرشوة حين يتم دفع مبالغ طائلة ثمناً لصفقات خاسرة أو لا تستحق.
يقول المستشرق الفرنسي فرانسوا بورغا، على سبيل المثال، في لقاء أجراه قبل أيام معلقاً على تحركات بلاده إثر انطلاق الاحتجاجات العربية، أن فرنسا ظلت تدعم المستبدين حتى آخر رمق، حين كانت ترى أن في ذلك مصلحتها، ثم لما تتابعت الأحداث، وبدا أن من الواضح أن حكم الديكتاتور سينتهي، وأن الاستمرار في دعمه هو رهان على الطرف الخاسر، تغيرت الاستراتيجية تجاه الدعم المطلق للثورات والمطالبة بتنحي رأس النظام، وهو ما استمر مع انطلاقة الأحداث في سوريا. فرنسا التي أرادت أن تستفيد من تجربتها دعمت الحراك السوري بقوة، والكلام ما يزال لفرانسوا بورغا، إلا أن الأحداث في تونس ومصر سرعان ما تمخضت عن تصدر «الإسلاميين» للمشهد، وهو ما لا يجد هوى عند الفرنسيين، الذين يعتبرون أن ذلك في المحصلة لن يصب في مصلحتهم، بل قد يمثل تهديداً لهم. هذا المتغير كان له الأثر الأبلغ في تغير النظرة للمسألة السورية، واقتصار التدخل الفرنسي والغربي على محاربة الحركات الإرهابية التي لم تكن تمثّل إلا جزءاً صغيراً من عموم المشهد.
كاتب سوداني

أوروبا ودبلوماسية المصلحة

د. مدى الفاتح

- -

1 COMMENT

  1. تحية دكتور مدى الفاتح
    شكرا على لفت الانتباه لهذا الموضوع المهم والذي يساعد على فهم طبيعة العلاقات بين (الغرب المنافق) وبين أنظمة القمع والطغيان العربية،،،المثال الفرنسي هذا واحد من عشرات أو قل الالاف من المواقف الحالية والسابقة،،أنظر إلى زيارة أبن سلمان لبريطانيا ومن بعدها إلى واشنطن وما تم خلالها من توقيع عقود وعقد صفقات وخلق فرص عمل و توظيف في أمريكيا وبريطانيا وغيرها من أجل تثبيت حكم أبن سلمان وحمايته حتى من قبل العائلة المالكة ،،
    لن يعدم الموالون للغرب المنافق من مثقفينا من أيجاد تبرير مناسب لتلك العلاقة بل والتغني بها تحت مسميات مثل ما تفضلتم به ( البراغماتية).
    تحياتي

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left