الانقلابات المنسية في عراق التسعينيات

صادق الطائي

Mar 21, 2018

مرّعقد الثمانينيات على الجيش العراقي وهو مسير وفق سياسة العصا والجزرة، عبر لعبة لعبها النظام بحذق، إذ أدار النظام مؤسسة عسكرية تضخمت بشكل انفجاري، حتى وصل تعدادها إلى مليون عسكري، في بلد تعداد سكانه 15 مليون نسمة، نتيجة التعبئة العامة لظروف الحرب العراقية – الإيرانية، وكانت المكرمات والإقطاعات والأراضي والسيارات، التي أغرق بها النظام ضباط الجيش، تشكل معادلا مهما لخطورة الدور الذي يؤدونه في الحرب، ومقابل طاعتهم العمياء للنظام، في محرقة كبرى استمرت ثمانية أعوام.
إن أحزاب المعارضة العراقية، كانت قد توزعت بين أحزاب الإسلام السياسي والحزب الشيوعي العراقي، الذي طالته حملة قمع شديدة نهاية السبعينيات، ما دفع بالكثير من كوادره إلى جبال كردستان، ليخوضوا حرب عصابات ضد قوات النظام، انطلاقا من قواعد انشأها الشيوعيون بالتعاون مع الحزبين الكرديين اللذين عادا للتمرد بعد فترة هدوء نسبي مرت بها كردستان العراق في النصف الثاني من عقد السبعينيات.
وظهرت احزاب المعارضة الليبرالية مثل، المؤتمر الوطني العراقي بقيادة أحمد الجلبي، وحركة الوفاق الوطني العراقي بقيادة اياد علاوي، بعد غزو صدام للكويت، وإخراجه منها، لكن من المعروف أن كل حركات المعارضة كانت مقطوعة الصلة بالداخل بنسبة كبيرة، ولم تتمكن من التواصل أو تجنيد أفراد من الجيش والقوى الامنية، إلا في حدود ضيقة جدا، وهنا نصل إلى النقطة المفصلية، إذ ابتدأت الولايات المتحدة بالتفكير بالتخلص من نظام صدام حسين عبر انقلاب عسكري منذ منتصف التسعينيات. وابتدأ البحث عن ضباط عراقيين قادرين على تنفيذ تمرد أو انقلاب، ومحاولة تأمين اتصال بهم عبر مكاتب المعارضة العراقية ومركز المخابرات الأمريكية في كردستان العراق، في محاولة لتوفير فرصة لانقلاب قصر يزيح صدام حسين من المشهد، وتركز الأمر في دعم انقلاب الضباط السنة على نظام صدام حسين، لأنهم كانوا الأقوى والممسكين بالأماكن الحساسة في المؤسستين العسكرية والأمنية، وقد شهد عقد التسعينيات ثلاث محاولات انقلابية كبرى لم يتم تسليط الضوء عليها بشكل كاف حتى الآن، ولم يفرج عن الوثائق الخاصة بها لدى مختلف الجهات التي كانت طرفا فاعلا فيها حتى الان، كما أن سيطرة قوى شيعية وكردية عديدة بعد سقوط نظام صدام، أدى إلى طمس المعلومات الخاصة بهذه المحاولات الانقلابية، في محاولة لتغييب دور السنة في معارضة نظام صدام حسين، وتصوير حال المعارضة السياسية حينها على انها كانت حكرا على الشيعة والاكراد.
المحاولة الانقلابية الاولى التي فتحت عين النظام وجعلته يستفيق من حالة الاسترخاء والاطمئنان لضباط الجيش، وقعت بداية عام 1990 قبل غزو الكويت، وهي المحاولة التي عرفت بمحاولة انقلاب الضباط الجبور، التي قادها ضابط صغير من ضباط الدروع في قوات الحرس الجمهوري، هو النقيب سطم الجبوري واشترك معه في التخطيط لها النقيب مضحي علي حسين الجبوري. كان التخطيط للمحاولة بسيطا، إذ حاول المخططون للانقلاب استثمار عملية اغتيال الرئيس المصري الأسبق انور السادات، ليطبقوا سيناريو مشابها لما حصل، على أن يتم التنفيذ في الاحتفال بعيد الجيش يوم 6 يناير1990 حيث يحضر عادة الرئيس واركان النظام جميعا الاستعراض العسكري، فتقوم قوة من الانقلابيين بفتح نيران المدرعات والدبابات على منصة كبار الزوار فتقضي عليهم.
وبسبب لا يعزى إلا لضربة حظ، قام نائب ضابط من الانقلابيين أحس بالجبن والخوف بتسريب الأمر قبيل الاستعراض بأيام، فوصلت المعلومة إلى جهاز الأمن الخاص المكلف بحماية الرئيس، الذي كان يشرف عليه صهر الرئيس، ما ادى إلى حملة اعتقالات واسعة في صفوف الضباط الجبور، وتم إعدام مجموعة كبيرة منهم في اغسطس 1990، وقد كشف الكثير من تفاصيل هذه المحاولة الانقلابية النائب الحالي في البرلمان العراقي مشعان الجبوري، في جريدته «الاتجاه الآخر» التي كان يصدرها في دمشق، لكن بعد سقوط نظام صدام حسين اتهمت عوائل الضباط الذين أعدموا، مشعان الجبوري بأنه هو من وشى بهم لدى السلطة، لكن مشعان الجبوري أنكر قيامه بابلاغ السلطة عنهم حينها، وذكر في مقال له في جريدته «الاتجاه الآخر» أن ضباط الانقلاب فاتحوه فعلاً لكنه رد عليهم بحدة وفكر بالابلاغ عنهم لكنه لم يقم بذلك.
من جانب آخر كانت عشائر الدليم القوية غرب العراق تحظى بعلاقات متينة مع النظام، اذ لم يمنع اكتشاف النظام لخلية عسكرية صغيرة كانت تخطط للانقلاب نهاية اكتوبر 1991، من أن يصدر تعليماته بالعفو عن اعضائها وكان يتزعمهم ضابط صغير اسمه فصّال الدليمي، ومع أن احكاما بالإعدام كانت قد صدرت بحق افراد الخلية، إلا أن متانة العلاقة بين النظام وتلك العشائر شجّع الرئيس العراقي على اتخاذ قرار غير عادي، بإطلاق سراح ابنائهم في منتصف 1993. لتأتي المحاولة الثانية الاكبر والاهم، وهي محاولة انقلاب آمر قاعدة البكر الجوية غرب العراق اللواء الطيار محمد مظلوم الدليمي، التي كان من المقرر تنفيذها في اكتوبر 1994، وبحسب المعلومات التي نشرها العقيد الركن عبدالرزاق سلطان الجبوري شريك اللواء الدليمي في المحاولة الانقلابية وأحد قادتها الذي تمكن من الفرار ونشر معلومات كثيرة في الصحافة عنها في منتصف التسعينيات، إذ يذكر أنه تعرف على محمد مظلوم الدليمي في كلية الاركان عام 1986، حيث كانا في دورة الاركان المشتركة، وكانت وجهات نظرهما تجاه الوضع في العراق متقاربة.
يقول العقيد عبد الرزاق الجبوري في لقاء صحافي له نشر اواخر عام 1995 «كان بودنا القيام بتحرك لتغيير الوضع، لكن ظروف الحرب العراقية – الايرانية جعلتنا نؤجل التفكير بهذا الموضوع، وبعد غزو الكويت والانتفاضة وما تركته من انعكاسات على شعبنا، أخذنا نخطط لقلب نظام الحكم، وتسللت أنا عبر شمال العراق، إثر وضع خطة اطلقنا عليها (الفجر الصادق)». النقطة المهمة في هذه المحاولة هي ذكر العقيد الجبوري أنه التقى بضباط من الـ(CIA) في شمال العراق، حيث أبلغهم ببعض المعلومات حول المحاولة الانقلابية طلبا لدعمهم، وهذه كانت سابقة في تعاون ضباط بهذا المستوى مع المخابرات الامريكية منذ عقود. السمة الاساسية في هذه المحاولة انها كانت تعتمد على تحشيد كبير لفرق الحرس الجمهوري، التي كان من المقرر أن تحاصر بغداد، ليقوم بعدها اللواء محمد مظلوم الدليمي باستخدام مروحيات طيران الجيش في الانقضاض على جميع مراكز النظام والقصور الرئاسية، والاماكن المحتملة لتواجد الرئيس، يصاحب ذلك زحف أربع فرق مدرعة تحاصر بغداد، لكن محاولة ضابط برتبة عقيد متقاعد من الدليم، تجنيد بعض ضباط الاستخبارات، أدت إلى كشف المحاولة الانقلابية برمتها، ما ادى إلى اعتقال مجموعة كبيرة جدا من الضباط الدليم، وتنفيذ حكم الاعدام بهم في مايو 1995، وعندما تسلم اهالي المعدومين جثث ابنائهم شيعوهم إلى مدينة الرمادي، فما كان من ابناء عشائرهم إلا الاتفاف حول الجنائز ومهاجمة كل المراكز الرسمية في المحافظة، ما ادى إلى سقوط المحافظة بيد المنتفضين وهروب المحافظ عواد البندر، الذي كان يشغل رئيس محكمة الثورة سابقا، ما دفع بوزير الداخلية حينها وطبان التكريتي، اخو صدام غير الشقيق، إلى قيادة فرقة من الحرس الخاص وقمع انتفاضة ابناء الدليم، بعنف لم تشهده المدينة سابقا، مما حدا بالرئيس في محاولة لامتصاص غضب ضباط الدليم إلى اقالة وزير الداخلية من منصبه.
ويعتبر بعض الكتاب أن هنالك محاولة قبرت في مهدها، حاول أن يرسمها الفريق حسين كامل وشقيقه العقيد حسين كامل، وهما صهرا الرئيس صدام حسين (زوجا بنتيه رغد ورنا)، اللذان فرا مع عائلتيهما إلى عمان عام 1995، وحاول حسين كامل استمالة اطراف من المعارضة العراقية لدعمه أو فتح الطريق له للتعاون مع المخابرت الامريكية ليقوم بانقلاب قصر مستثمرا علاقاته بكبار ضباط الجيش، لكن الامر لم يروج ولم يسر كما يشتهي، ما اصابه بالاحباط فعاد إلى بغداد أثر وعد من الرئيس بالعفو عنه، ليتبين له أن الامر لم يكن سوى خدعة استعاد بها الرئيس بنتيه وقتل صهريه في ما عرف بالصولة العشائرية، التي قادها ابن عم الرئيس وزير الدفاع علي حسن المجيد في فبراير 1996، وتلت ذلك أو تزامنت معه اعدامات ضباط سنة كبار نتيجة وشايات، او عدم ارتياح النظام لتحركاتهم مثل اللواء الطبيب راجي التكريتي، ومعاون رئيس اركان الجيش اﻟﻔﺮيق اﻟﺮﻛﻦ ﺛﺎﺑﺖ ﺳﻠﻄﺎن اﻟﺘﻜﺮيتي والفريق ساجت كامل الجنابي، لتبقى الكثير من الاضطرابات التي شهدها عقد التسعينيات طي الكتمان، فمتى سيفرج عن كل المعلومات؟
كاتب عراقي

الانقلابات المنسية في عراق التسعينيات

صادق الطائي

- -

2 تعليقات

  1. دخول قوات صدام للكويت في 2-8-1990 قضى على الجيش العراقي وهيبته ولغاية الآن
    ولهذا لم يقاتل الجيش العراقي الأمريكان والبريطانيين للعراق سنة 2003
    والآن أصبحت الميليشيات أقوى من الجيش النظامي
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. الحقيقة هي كانت محاولات مقبورة في حينها لان الخوف كان متلازمة مع كل فرد من النظام فالاب يخاف ابنه والابن يخاف ابيه والجار يخاف من جاره فلذلك ان صدام كان مطمئنا من الداخل تماما الامن اقرب اقرباءه وهم عائلته وعشيرته وهؤلاء بالمقابل كانوا يخشون الاطاحة به لانهم سيكونون بدونه صيد سهل لالاخرين

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left