كأس العالم لعبد الفتاح السيسي!

نزار بولحية

Mar 21, 2018

لم تعد القصة في تلك الحشود التي تصطف لساعات طويلة أمام السفارات حاملة ما تيسر من طبول ومزامير وصور وأعلام، منتظرة بشغف ولهفة لحظة التصويت للمرشح الأوحد في الكرنفال الانتخابي المصري. لقد ابتكر العقل النظامي هذا العام أشياء أخرى عدا مشاهد الهتاف والغناء وهز الوسط المألوفة، وهي نشر مقاطع فيديو على مواقع ترويجية معروفة بولائها، تصور تعلق وهيام عدد من غير المصريين بعبد الفتاح السيسي، وربما حزنهم وأسفهم على انهم مستبعدون بحكم جنسيتهم من المشاركة في مسرحية هزلية لن تتكرر إلا بعد أربع أو خمس سنوات من الآن، إن كتب الله العمر لبطلها.
وهكذا رأينا مثلا في أحد تلك الفيديوهات كيف أن سيدة بحرينية تطوعت لتوزيع القهوة على أعضاء اللجنة الانتخابية بالسفارة. وفي اخرى كيف تقدمت سيدة كويتية للجنة لتعبر عن حبها لمصر، ثم ترد على سؤال إحدى الموظفات عمن كانت ستختاره لو انها كانت مصرية بالقول «هو في حد غيره؟». لكن خبراء الدعاية لم يعثروا لسوء الحظ في الأيام الثلاثة التي استغرقها التصويت في الخارج على انكليزي أو أمريكي، أو حتى روسي، أو كوري شمالي يعلن عن تأييده ودعمه للجنرال، الذي لم يعد يطمح فقط لأن يلعب دور البطل المحلي أو الإقليمي، بل صارت عيناه مفتوحتين على العالمية أيضا. ومن يدري فقد يحصلون على ذلك في المستقبل «فالجيات أكثر من الريحات» كما يقول المثل المصري.
أما بانتظار ذلك فيبدو أن ترشح فريق كرة القدم لكأس العالم في روسيا، قد يخفف شيئا ما من مرارة تلك النكسة، بل لعله يكون النافذة الصغيرة التي ستسمح للجنرال بأن يطل على العالم هذا الصيف في ثوب البطل، الذي انتزع تفويضا جديدا بالتحكم بمئة مليون مصري، ولم يعد يقف بوجه طموحاته أو أحلامه الكونية أي حد أو حاجز. وبالفعل فقد بدأ السيسي باستباق الحدث وكسر في واحدة من مآثره التي ستخلد في كتب التاريخ تقليدا صارما، يقضي بان تذهب كأس العالم خلال جولتها على مختلف الأقطار، مباشرة فور وصولها بلدا ما لمكتب الرئيس حتى «يبارك انطلاقتها» مثلما قال مذيع الحفل الذي نظمته السلطات المصرية الخميس الماضي ،احتفاء بنزول الكأس بسلامة الله لأرض المحروسة. ولشدة تواضع الحاكم العسكري وتعففه، فقد فضل بدلا من ذلك التقليد القديم أن يتشارك جميع المصريين في تلك اللحظة، بحسب ما قاله المذيع. أما كيف تحقق مثل ذلك التشارك والتقاسم لحلم كأس العالم على الأرض، فقد تلخص الأمر في مشهد ظهر فيه عبد الفتاح السيسي فوق المنصة، ممسكا كأس العالم بيد واحدة، وقد بدت عليه علامات الفخر والزهو، وهو يسمع موجة هادرة من تصفيقات الحضور ومقطعا من أغنية مصر ولادة للمغني التونسي صابر الرباعي.
أما ما قاله بعدها فهو»انو مافيش حاجة بعيدة عن ربنا» في إشارة إلى أن الفوز بالكأس الأغلى في العالم، أمر ممكن ومشروع. لكن الأهم منه ربما هو ما أضافه في ما بعد من أن المهم في الموضوع هو أن يقدم الفريق المصري بلده بشكل عظيم تستحقه مصر ويستحقه شهداؤها. قبل أن يذكر ان كثيرين تصوروا أن البلد لن تقوم لها قائمة بالنظر للظروف التي مررنا بها في السنوات الماضية، لكنها نهضت بشعبها وصبره وقوته وجلده، على حد تعبيره. ثم كانت أصدق كلماته على الاطلاق بعدها، هي إن «الدنيا كلها بتتفرج علينا ولساح تتفرج علينا». فبالفعل ومنذ استيلائه على السلطة في انقلاب دموي أطاح باول رئيس مصري منتخب، وارتكابه لمجازر رابعة، وما تلاها من حملات اعتقال وتصفية وترهيب تحت غطاء مقاومة الإرهاب ومنعه لكل صوت أو رأي مخالف بدعوى حماية مصر من الإخوان، ثم من مؤامرة مزعومة لتفتيت البلاد والعالم بأسره يتفرج على ما يجري في مصر بدون أن تتحرك له شعرة واحدة، أو يمارس الحد الأدنى من الضغط لوقف الانتهاكات المستمرة لابسط حقوق الإنسان فيها. ولم يكن هناك شك في أن الجميع كان على علم تام بكل ما كان يقترفه نظام السيسي، ولكن لا أحد تخلى طوال تلك السنوات عن مشاهدة ما يرتكبه من تجاوزات، ربما فاقت ما ارتكبه أسلافه. وبحسب توقعاته التي قد تستند لضمانات وتعهدات قد تكون قدمت له، فإن الجميع سيستمر أيضا في الاستمتاع بالفرجة، مهما بلغ حجم تلك التجاوزات والانتهاكات في المستقبل.
إنهم يدركون جيدا انه ليس فقط ابن ذلك النظام العسكري الذي صنع وفصّل دولة على مقاسه، بل هو أيضا ابن العالم الذي تحكمه معايير التسلط والهيمنة والبطش، ولا تحترم فيه إطلاقا لا حرية الناس ولا إرادة الشعوب وحقها في أن تختار حكامها وسياساتها باستقلالية وشفافية. وربما استغرب البعض كيف أن مصلحة القوى الكبرى لم تكن الحفاظ على رئيس ضعيف هو محمد مرسي، بدلا من استبداله بعسكري منح مسبقا لقب رجل مصر القوي.
إن المحدد الأساسي في ذلك عدا مقتضيات المصلحة بالطبع، هو أن النظر لمعايير القوة لم يكن ليعني على الاطلاق أن الأطراف الإقليمية والدولية المتحكمة في المشهد ستتحرر كليا من نظرتها وموازنتها للأمور بمكيالين اثنين، مثلما دأبت على فعل ذلك كلما تعلق الأمر بملفات وقضايا عربية أو اسلامية. ومن هنا فقد كان إضعاف الرئيس مرسي ومن زاوية ما عملا خارجيا مدبرا، وجزءا من مخطط متكامل الحلقات تنتهي مراحله الأولى بظهور الرجل القوي في لحظة فارقة من مسار الانتقال الديمقراطي العربي، ولم يكن الأمر مجرد طبخة محلية ساهمت فيها قوى الضغط والنفوذ المالي والإعلامي المصرية فحسب. فلم تكن تلك الجهات الخارجية ترغب اصلا برجل قوي بأتم معنى الكلمة، يمكن أن يشكل خطرا أو تهديدا لتحالفاتها وروابطها ومصالحها في مصر، بل كانت تحتاج لرجل قوي من حيث المظهر والشكل، يستطيع أن يسيطر على المصريين ويكتم انفاسهم ويضعهم تحت سيطرته التامة، ويكون في الوقت نفسه طيعا ولينا ورهن الإشارة كلما اقتضى الامر. والرسالة من وراء ذلك كانت واضحة وهي انه لا مجال لأن تقوم ديمقراطية في الدولة العربية الكبرى، بما قد يؤدي لاحقا لتمدد آثارها لباقي الاقليم العربي.
ومن لم يدرك أو يقتنع بعد بذلك فعليه أن ينظر قليلا في الاتجاه المعاكس، اي مثلا إلى تونس بلد الاستثناء الديمقراطي العربي. وسيرى أنها الآن شبه محاصرة ومعزولة إقليميا وعالميا، لأنها اختارت الديمقراطية، وسيستنتج أيضا من بعض المواقف المضادة لها مثل مقترح الرئيس ترامب خفض المساعدات الأمريكية لها بأكثر من النصف مقابل استمرار دعمه لنظام العسكر في مصر. إن العالم اليوم صار عالم السيسي لا عالم محمد البوعزيزي ومن اقتفوا اثره. ولذا لن يكون مستبعدا أن يرفع الجنرال كأس ذلك العالم بعد جمع قسط وافر من ميداليات الاستبداد.
كاتب وصحافي من تونس

كأس العالم لعبد الفتاح السيسي!

نزار بولحية

- -

3 تعليقات

  1. هذا المخلوق و للأسف جعل من المحروسة ، محبوسة !
    .
    وجعل منها كما يقول المثل المصري نفسه ، اللي ما يشتري ، يتفرج ، على فواصل العته و الغباء و الكذب و الحنث باليمين و الجهل التي يقدمها على مدار الأسبوع و بشكل شبه يومي ، وغير مسبوق ، و بإستحقار مغلف بالطيبة الكاذبة و حسن الادب المزيف ، فهو يتكلم للحضور و ظهره إليهم ، ثم تقوم كتائب اعلام زمن الانحطاط بترويج وتزويق و تبرير و تأطير كل ذلك العته بإطار الحكمة الطافحة و الذكاء الخارق و العبقرية الفذة في ممارسة لخداع وغسيل دماغ غير مسبوق يمارسونه كرئيسهم على شعب مصر و الشعوب العربية المغلوبة على أمرها !
    .
    مصر ولادة ، لا شك في ذلك ، وأخرجت للأمة و للعالم عقول و مواهب في شتى المجالات صارت أمثولة وقدوة للكثيرين ، لا يمكن أن تقبل بتولى مقاليد أمرها لهكذا شخصية بائسة تجعل من مصر أضحوكة للعالم و جرها الى قعر غير مسبوق !
    .
    هل يعقل أن هذا العي الذي لا يكاد يبين يتولى مقاليد شعب يولد الطفل فيها و اللباقة تولد معه ؟!!
    .
    هل يعقل ان دورة زمان المتنبي عادت بنا لننشد كما انشد :
    .

    أذُمّ إلى هذا الزّمانِ أُهَيْلَهُ فأعْلَمُهُمْ فَدْمٌ وأحزَمُهمْ وَغْدُ
    .
    وأكرَمُهُمْ كَلْبٌ وأبصرُهُمْ عمٍ وأسهَدُهُمْ فَهدٌ وأشجَعُهم قِرْدُ
    .
    ومن نَكَدِ الدّنْيا على الحُرّ أنْ يَرَى عَدُوّاً لَهُ ما من صَداقَتِهِ بُدُّ

  2. يذكرني الرئيس المصري في تصرفاته الرعناء وأفكاره التي بها وكأنه يحكم مصر خلال خمسينيات القرن الماضي، بالشخصية الروائية الدون كيشوت دو لا مونش الشهيرة، شيئ مضحك ومحزن في نفس الوقت…كيف لشعب تعداده تسعون مليون نسمة يحكمه شخص كهذا ؟

  3. مسكينة مصر ومسكين شعبها ضحية حكم عسكري”عبيط” على حد قولهم تم تقسيم خيرات البلد بين ايادي الجنرالات وما عمق ديكتاتوريتهم اعلام يطبل ويهلل لبوط العسكر وفنانين تخلوا عن ابداعهم وثقافتهم ليكونوا بوق دعاية للسيسي بطريقة مقززة مثيرة للاشمئزاز.. لكن في أعماقي احساس يقول ان مصر ستنهض يوما بشعبها لتغني يا مصر قومي وشدي الحيل … مصر يمة يا بهية … مصر المحروسة

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left