تأملات بشأن ما بعد معركة عفرين

بكر صدقي

Mar 22, 2018

فاجأ السقوط السريع لمدينة عفرين في قبضة الجيش التركي، وأتباعه من الفصائل السورية، جميع المراقبين، بالنظر إلى الادعاءات الكردية التي سبقته بشأن مقاومة شرسة ستواجه القوات المهاجمة. فقد انسحبت «وحدات حماية الشعب» من المدينة بلا قتال، وارتفع العلم التركي فوق مبان رسمية في قلب المدينة، في سابقة هي الأولى في الحروب السورية. لا أحد يعرف، إلى الآن، ما إذا كان قرار الانسحاب في إطار صفقة، أم قراراً أحادياً من قيادات حزب العمال الكردستاني في جبل قنديل.
لكنه كان أمراً لافتاً أن يتزامن دخول القوات التركية المدينة، مع الذكرى السنوية لمعركة جنق قلعة التي انتصرت فيها القوات التركية على البريطانيين، برغم مقتل نحو ربع مليون جندي ينتمون إلى مختلف أنحاء الإمبراطورية العثمانية الآيلة للسقوط حينذاك. فهذا التوقيت مؤشر قوي على صفقة ما حققت لتركيا نصراً عسكرياً سهلاً سيستثمره الرئيس أردوغان في سجله الشخصي، مقابل حفاظ وحدات حماية الشعب على ما تبقى من قواتها، لتنتقل لاحقاً إلى شرقي نهر الفرات.
فقد رافقت معركة «غصن الزيتون» كما أطلقت عليها الحكومة التركية، بروباغندا صاخبة استعادت أمجاد الماضي العثماني، فضلاً عن حملة تخوين استهدفت كل معارضي العملية في الداخل. من غرائب التغطية الإعلامية الموازية للحرب انتاج فيلم عنها بسرعة قياسية أدهشت الرأي العام. فقد ألصقت على جدران المدن ملصقات دعائية لفيلم يتحدث عن سير المعارك، من المفترض أن يبدأ عرضه يوم الجمعة 23 آذار، أي بعد خمسة أيام فقط على انتهاء العمليات القتالية في عفرين.
إلى ذلك امتلأ الإعلام الموالي بكلام كثير عن «الفتح» ووجوب «تجديد الميثاق الملي» الذي يحدد حدود الدولة التركية، مع نسب النصر العسكري إلى القائد أردوغان.
هذه الكثافة الرمزية تضعنا وجهاً لوجه مع السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم: ما المصير المنتظر لمنطقة عفرين بعد احتلالها من قبل تركيا؟ أو بتعبير أوضح: ما هي النوايا التركية بشأن هذه المنطقة الملاصقة للواء إسكندرون الذي تلقته تركيا هدية من الانتداب الفرنسي قبل انسحابه من سوريا؟ فاستحضار مفهوم «الفتح» و«الميثاق الملي» قد ينبئ بنية تركية في إلحاق المنطقة بالدولة التركية.
وفي ضوء هذا التفسير يمكن قراءة تصريح الرئيس التركي، في الأيام الأولى للعملية العسكرية، الذي قال فيه: «سنعيد عفرين إلى أصحابها الحقيقيين» على أنه رغبة في إلحاق المنطقة بتركيا، فقد قال الناطق الرئاسي إبراهيم كالن بدوره: «لن نعيد عفرين إلى نظام الأسد في أي حال من الأحوال». فمن يمكن أردوغان أن يعني بأصحاب المنطقة الحقيقيين غير الدولة التركية نفسها؟
لقد خاض الجيش التركي معركة عفرين مرتاحاً من أي ضغوط دولية لوقفها عند حد معين. حتى حين حاصر المدينة المكتظة بمليون مدني بين أهالي ونازحين، لم يصدر أي ضغط جدي من الدول الفاعلة أو الأمم المتحدة لتقف تركيا عند حدود المدينة ولا تقتحمها. وهذا، على الأرجح، ما دفع بقيادة حزب العمال الكردستاني في جبل قنديل إلى اتخاذ القرار بانسحاب وحدات الحماية من كامل المنطقة بلا قتال. فمن المحتمل أن حزب الاتحاد الديمقراطي الذي رفض عرضاً روسياً بتسليم المنطقة إلى قوات الأسد مقابل تجنيبها الغزو التركي، كان يراهن، حتى اللحظات الأخيرة، على تبدل الموقف الدولي لمصلحته. وحين اتضح أن الدول القادرة على وقف الزحف التركي نحو المدينة غير مبالية بمصيرها، إن لم نقل أنها موافقة ضمناً عليه، اتخذ الحزب الكردي قراره بالانسحاب، مبرراً إياه بـ«الحفاظ على أرواح المدنيين». ونحن نعرف أن القوات المتحاربة، في جميع الحروب، آخر همها حياة المدنيين.
فهل نحن بصدد سيناريو تقسيم لتركة السلالة الأسدية بالمفرق، في حين كثرت التكهنات، سابقاً، بشأن تقسيمها بالجملة؟ أي هل يكون إلحاق تركيا لمنطقة عفرين هو أول خطوة في تقاسم التركة المذكورة؟ علماً بأن محاولات تقسيم سابقة فشلت بسبب غياب الغطاء الدولي. وكانت أولى هذه المحاولات قيام «الدولة الإسلامية» لصاحبها أبو بكر البغدادي، على مساحات واسعة من الأراضي العراقية والسورية، في حزيران 2014. والمحاولة الثانية هي «فيدرالية شمال سوريا» تحت سلطة «قوات سوريا الديمقراطية» مظلة وحدات حماية الشعب وحزب الاتحاد الديموقراطي، وقد خفضت من توقعاتها بعد الدخول المباشر للقوات الأمريكية إلى شرقي نهر الفرات وإقامتها عدداً من القواعد العسكرية الثابتة.
إذا صح سيناريو الإلحاق المفترض هذا، فهو يعني أن عفرين ستكون هدية المحتل الروسي لتركيا، كما كان لواء اسكندرون هدية المحتل الفرنسي، في تكرار لتاريخ بلدنا المنكوب. وفي هذه الحالة نكون شهوداً على مسار منطقي فحواه: حزب كردي ـ تركي سيطر على منطقة كردية ـ سورية، واقتادها كالشاة إلى مذبح دولته (تركيا) التي يحاربها منذ أكثر من ثلاثة عقود!
بالمقابل تكون الحكومة التركية التي طالما اشتكت من كردها «الانفصاليين» و«إرهابهم» قد زادت من نسبة السكان الكرد داخل حدودها. مع العلم أن حزب العمال الكردستاني طالما جند شباناً من كرد سوريا (وبخاصة عفرين) يعدون بالآلاف، في حربه ضد الدولة التركية. إلا إذا كانت موجة النزوح الكبيرة التي رافقت نهاية العمليات العسكرية التركية في عفرين، نزوحاً نهائياً بإرادة تركية وغض نظر دولي، على غرار حروب التغيير الديموغرافي التي يخوضها النظام الكيماوي في أكثر من منطقة، بدون أي اعتراض من المجتمع الدولي. على مبدأ «ما حدا أحسن من حدا» وفقاً للتعبير السوري الشائع.
وثمة نتيجة جانبية لهذا السيناريو الذي نتمنى أن يبقى في إطار افتراضي، هو أن تركيا تكون قد أراحت أصحاب الحمية القومية العربية، أو الوطنية السورية المستجدة، من عبء «النزعة الانفصالية الكردية» ولو بشكل جزئي.

٭ كاتب سوري

تأملات بشأن ما بعد معركة عفرين

بكر صدقي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left