«بوليتيكو»: التخلص من المشروع النووي السوري أسهل من تدمير المشروعين الإيراني والكوري

إبراهيم درويش:

Mar 22, 2018

لندن ـ»القدس العربي»: «يمكن الآن ان نحكي القصة، كان الموساد محظوظاً إلا أن أمريكا قد لا تكون محظوظة مع إيران وكوريا الشمالية». مقال أعده الصحافيان الإسرائيليان يوسي ميلمان ودان رافيف ونشره موقع مجلة «بوليتيكو» وقالا فيه إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يحاول عقد لقاء مع الرئيس الكوري الشمالي، كيم جونغ- أون على أمل تجميد برنامجه النووي لن يلغي عمليات الغش. فالموساد الإسرائيلي بقدراته الخارقة لم يكتشف أن الكوريين الشماليين يقومون ببناء مفاعل نووي قريبا من إسرائيل. وفات المشروع وكالة الاستخبارات الأمريكية (سي آي إيه). واليوم وبعد 11 عاما على تفجير المفاعل النووي السوري سمح الجيش الإسرائيلي بكشف الغطاء عما حدث، حيث رفعت السرية عن العملية ونشرت عنه الصحافة المحلية لأول مرة. ولهذا تحدث الكاتبان مع عدد من وزراء الحكومة السابقين بمن فيهم رئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت، بالإضافة لقادة أمنيين وعسكريين وبعض الطيارين الذين شاركوا في الهجوم.
وشن الهجوم في 6 أيلول (سبتمبر) 2007 قرب دير الزور وقبل هذا لم تعترف إسرائيل بأنها من نفذته. إلا أن الجواسيس الإسرائيليين وبعد سنوات من وقوع العملية لا يزالون يعبرون عن مرارة بسبب الفشل الاستخباراتي الأمريكي.
وتساءل مدير الموساد السابق تامير باردو «أين كان الأمريكيون؟ فقد كان الكوريون الشماليون هدفا مهما لهم ولا يعرف إن كان الأسد هو من يدير المشروع أم الكوريون الشماليين». وعبر الجاسوس السابق عن شكوكه فيما إن كانت سوريا ستحتفظ بالبلوتونيوم أم كانت سترسله لكوريا الشمالية حيث لم يكن الغرب يعرف عن وجود هذه المادة «وكان فشلا أمريكيا ذريعا». وتثير أسئلته سؤالا آخر: «إذا استطاع الكوريون الشماليون والسوريون خداع واحدة من أقوى مؤسسات التجسس في العالم وبالتأكيد في الشرق الأوسط ، فما هو الشيء الذي فات سي آي إيه؟» وقد يكون هذا صحيحا بالنسبة لكوريا وإيران وأي مكان في العالم.
ويقول الكاتبان إن الهجوم الجوي الإسرائيلي الذي استهدف بناية غير معلمة في شمال- شرقي سوريا نفذ في منتصف ليلة 5- 6 إيلول (سبتمبر). وأن تقوم بهجوم في عمق أراضي العدو لم يكن سهلا إلا أن الأمريكيين والإسرائيليين سهلوا مهمة أف -15 و أف-16 من خلال التشويش الالكتروني الذي أعمى الدفاعات الجوية السورية، وقامت بإسقاط أطنان من المقذوفات والتأكد بطريقة عملية تسوية البناية بالأرض. وتشبه البناية السورية التي دمرت المجمع النووي الكوري في يونغ بيون الذي يقوم بإنتاج البلوتونيوم للقنابل النووية. ويقول المسؤولون الاستخباراتيون الإسرائيليون إن المبنى دمر قبل أسابيع من بدء انتاج مواد مشعة. ويعلق الكاتبان أن دير الزور، كبرى المدن السورية في الشرق وقعت ولمدة ثلاثة أعوام تحت سيطرة تنظيم الدولة. ولو استمر المفاعل النووي بالعمل لوقعت المواد الحساسة مثل البلوتونيوم بيد هذه الجماعة الإرهابية. ويعلق الكاتبان أن تحرك أولمرت الذي لم ينجح في إقناع الرئيس جورج دبليو بوش لتدميره منع سيناريو كهذا. ويشعر الوزراء والمسؤولون الإسرائيليون بالفخر لتدمير المفاعل النووي السوري. وأخبرهما اولمرت الذي استقال لاحقا بتهم فساد وقضى فترة 18 شهرا في السجن، أن تدمير المشروع النووي السوري هو من أهم القرارات في حياته. وقال مسؤول: «يستحق أولمرت نسبة القرار الجريء إليه».
ويعلق الكاتبان أن الكشف عن السرية يظهر حربا لإدعاء النسبة بين أكبر مؤسستين أمنيتين كبيرتين في إسرائيل. ويقول شالوم درور الذي عمل مديرا لأبحاث سوريا عام 2007 في الإستخبارات العسكرية (أمان) «أن الكشف عن المفاعل هو واحد من أعظم إنجازات الاستخبارات العسكرية، أمان» إلا أن باردو الذي كان نائبا للموساد في حينه (ومديرا لها ما بين 2011- 2015) يختلف مع هذه الرؤية حيث يقول إن «سوريا بنت ولعدة أعوام مفاعلا نوويا تحت سمعنا وبصرنا ولم يبن على الجانب المعتم في القمر، ولكن في جارة كنا نعتقد أننا نعرف عنها كل شيء». ويتذكر الجنرال غابي أشكنازي، أنه تلقى في وقته كرئيس لهيئة الأركان المشتركة عددا من التقارير التي أرسلها الموساد وأمان عن الدول العربية، إلا أن أيا منها لم يذكر اسم «سوريا»، مضيفا «كانت هناك شكوك لكن بدون أدلة» و«ضمن العمل الاستخباراتي كان هناك الكثير من الشكوك إلا أن المشروع النووي السوري لم يكن مهما». وقال رام باراك رئيس واحدة من عمليات الموساد « أي شخص يقول إن سوريا كانت تبني مفاعلا نوويا لا يعرف شيئا أو لا يقول الحقيقة، وعندما حصلنا على المعلومة كانت مفاجئة، فحتى ذلك الوقت كان التقييم متردداً بين نعم أو لا وأنهم كانوا يخططون لبناء مفاعل نووي من خلال تخصيب اليورانيوم أو مفاعل ينتج البلوتونيوم. وباختصار لم نكن نعرف الوجهة التي يجب أن نركز عليها».
ويرى الكاتبان أن عدم انتباه المخابرات الإسرائيلية للمشروع السوري تزامن مع صدمة عانت منها الاستخبارات الإسرائيلية بحدود عام 2003 حيث اعترف الزعيم الليبي معمر القذافي أن لديه برنامجا نوويا. واكتشف المسؤولون الغربيون أن ليبيا اشترت التكنولوجيا من مؤسس المشروع النووي الباكستاني عبدا لقدير خان والذي حقق ثروة من بيع وتهريب التكنولوجيا. وجفل الجواسيس الإسرائيليين من عدم اكتشاف نشاطات خان الذي يقولون إن هناك أدلة قوية عن مساعدته إيران في مشروعها النووي، لكنهم لم يعرفوا أنه نجح في أماكن أخرى. وأخبر شاباي شافيت الذي عمل مديرا للموساد في التسعينيات الكاتبين عن معرفة الاستخبارات الإسرائيلية بتجوال خان في الشرق الأوسط لبيع خبراته في التكنولوجيا النووية. لكنهم لم يكونوا يعرفون الكيفية التي قدم بها المهندس الباكستاني رزمة سريعة لبدء مشروع مفاعل «لو فهمنا لأوصيت باغتياله» و «ربما كان اغتيال شخص واحد من الأفعال التي غيرت التاريخ». وبعد اكتشاف أن القذافي كان لديه مشروع متقدم نوعا ما أمرت «أمان» بإخراج المعلومات التي جمعتها عن ليبيا وحفظت بدون تحليل. ووجدت الوكالة الأمنية أن خان قام بزيارات لمصر والسعودية وسوريا. ولم يكن لينجح مع دولتين حليفتين لأمريكا، ولهذا قامت الوكالة بالتركيز على سوريا التي وصل فيها بشار الأسد للسلطة في عام 2000 بعد وفاة والده. ورأت الاستخبارات الإسرائيلية فيه ديكتاتورا غير مجرب يمكن أن يندفع نحو أعمال متهورة أو مغامرات. ولهذا قررت «أمان» عدم التساهل معه خاصة أن بلاده جارة لإسرائيل. ويقول الجنرال المتقاعد إيلي بن مائير : «كان علي الشرح للعاملين معي لماذا يجب علينا الاهتمام بالأسد» خاصة أن التركيز كان في ذلك الوقت على إيران والجماعة الوكيلة لها في لبنان، حزب الله.
وقال بن مائير إنهم لاحظوا عددا من التحركات مثل وصول شحنات من آسيا بدون أي هدف، وسألت إسرائيل المخابرات الأمريكية وغيرها من الوكالات الصديقة إن لاحظت وصول مواد ذات طبيعة نووية إلى سوريا وكان الجواب سلبيا. وطلب باردو مع أشكنازي من رئيس الوزراء أرييل شارون ميزانية إضافية للتركيز على سوريا. وزادت أمان التي يعمل فيها 8200 من رصدها للاتصالات داخل سوريا. واعتبرت المخابرات الإسرائيلية إبراهيم عثمان، مدير لجنة الطاقة الذرية الروسية الرجل الذي يحمل كل أسرار النشاط السوري ولهذا أصبح هدفا للمراقبة. وقام عملاء الموساد بالدخول للغرف التي أقام فيها في المدن الأوروبية مثل فيينا وقرب مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وعثروا على مخزن من المعلومات التي خزنت في جهاز رقمي حيث تم سحب كل المعلومات وإرسالها للمخابر في إسرائيل. وتم وضع المعلومات على رفوف المخابر لعدة أيام قبل فك شيفرتها. ويقول بن باراك «دخل الضابط الإستخباراتي غرفتي وأراني صورا» وابتسم قائلا» أحيانا المعلومات بحاجة لحظ». وكشفت الصور عن عثمان مع علماء كوريين في داخل الموقع الذي ينتج البلوتونيوم. وكانت الصور الدليل القاطع وأثبت صحة شكوك إسرائيل. وتم إعلام أولمرت بها الذي طلب من بوش تدمير المشروع، حيث قال لا متعللا بوجود القوات الأمريكية في العراق. إلا أن بوش لم يقل شيئا عن غارة إسرائيلية، وهو ما اعتبره أولمرت ضوءا أخضر وأصدر أوامره لأشكنازي كي يحضر للغارة.

«بوليتيكو»: التخلص من المشروع النووي السوري أسهل من تدمير المشروعين الإيراني والكوري

إبراهيم درويش:

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left