الفوائد الكبيرة لوجود شاعر في البيت!

إبراهيم نصر الله

Mar 22, 2018

يحار المرء في بعض الروايات، هل كُتبتْ للأطفال، أم للكبار؟ وهذا النوع، في تألّقه، يملك قوة خاصة وتأثيراً سحرياً، لأنه عابر للأجـــيال، والمستويات الثقافية للقارئ.
لقد لاحظت كثيراً، أننا حين نتورط في عمل سينمائي أو أدبي موجه للأطفال، وننسى أنفسنا ونحن نتابعه، ككبار، لاحظت أن هذا العمل غالباً ما يكون هو العمل الأثير، والناجح، والسحري، بالنسبة للصغار.
رواية (هيا نشتري شاعراً) للكاتب البرتغالي أفونسو كرُوش، نموذج لذلك الأدب الذي تنطلق في قراءته، غير مهتم، إن كُتب لك، أم كتب لأولادك! وهو يذكّر برواية مثل (الأمير الصغير) للفرنسي أنطوان إكزوبيري، و (حكاية السيد زومر) للألماني باتريك زوسكيند. ويبدو أن رواية الأمير الصغير، لما احتلته من مكانة في الذاكرة البشرية وتاريخ الأدب، ستبقى مصدر إلهام، وغَيْرة أيضاً، للكتاب في كل زمان ومكان.
يورد كاتب (هيا نشتري شاعراً) مقولة للفيلسوف وعالم الرياضيات أ.ن. وايتهاد، يقول فيها: على العلم أن يتعلم من الشعر.
وفي ظني، أن العلم تعلم دائماً من الأدب والفنون، ويمكننا أن نقول إن التاريخ الأدبي كان حافلاً باختراعات مذهلة، سابقة للعلم بكثير، لا لشيء، إلا لأن سرعة الخيال، كانت دائماً أكبر بكثير من سرعة العمل في المختبرات!
في أسرَة صغيرة مكونة من أربعة أفراد، يخيّم جوّ ماديّ على كل شيء، وخارج الأسرة لا توجد أسماء للأشخاص، بل أرقام بمثابة أسماء، كما أن أي حجم من الدموع يُذرف، يقاس بالمليمترات، لا بحجم الحزن الذي فجّرها، والقُبلة تقاس بحجم كمية اللعاب الذي تركته على خدود الأبناء، لا بدفء العلاقة، ومقدار الحبّ!
في واقع كهذا، لا يمكن أن يكون فيه الشاعر والفنان جزءاً طبيعياً من المجتمع، لأن على الناس أن يشتروا الشاعر، إذا ما أرادوا ذلك، من محلات تبيع شعراء وفنانين، كما يشترون قطة أو طائر كناري، وهم حين يقررون، عليهم أن ينتبهوا للآثار الجانبية التي يسببها اقتناء رسام مثلاً، لأنه يترك الكثير من الآثار المزعجة بعد عمله، وعلى سيدات البيوت أن ينظفن وراءهم كثيراً، وكذلك الأمر بالنسبة للنحّاتين.
العائلة التي لا نعرف أسماء لأي من أفرادها، وتروي طفلة في الثانية عشرة أو الثالثة عشرة من عمرها الحكاية، هذه العائلة تقرر شراء شاعر، فتذهب وتنتقيه بعناية. وفي ذلك المجتمع المادي، الذي يعززه الكاتب، باختياره لرب الأسرة وظيفة في مجال الحسابات، في أحد المصانع، يظل السؤال الذي يتردّد هو: ما فائدة وجود شاعر في البيت؟ أو ما ضرورة وجود الشعراء أصلاً في هذا العالم؟!
لا تلاحظ الأسرة ذلك التغيير الذي ينتج عن وجود شاعر تحت سقفها، أو بيت الدّرج التابع لمنزلها، لكن النتيجة جوهرية في النهاية، فالأخ يحقق بالشعر ما لم يستطع تحقيقه، رغم كل محاولاته، لاستمالة قلب الفتاة التي يحبها، ولا تبادله مشاعره، والصغيرة، ينفتح عالمها على ما هو أوسع من القفص الذي تكبر فيه، والزّوجة الخنوع تجد الجرأة لتتمرّد، أما الأب الذي يعاني مصنعه من خطر الإفلاس، فإن الشعر يلهمه، فيجد الحلّ!
لكن الكاتب الذي يكتب روايته برشاقة نادرة، تشبه كتابة اليوميات، أي يوميات الطفلة الساردة، ومن منظورها للعالم ووعيها به، يجعلنا طوال القراءة نصف مبتسمين، ومنتعشين في تلك الأجواء المبتكرة، الأصيلة، التي يقدّمها في روايته، بدءاً من العنوان، حتى نهايتها، وإن كانت ابتسامتنا وأحاسيسنا المنطلقة تخسر الكثير من أجنحتها، في ذلك الفصل الذي عنوانه (ما يشبه النهاية) ويتحدث فيه عن دور الثقافة في التنمية، وآراء الشعراء والمفكرين في الشعر وأهميته، إذ بدا الكاتب أنه يريد أن يُقنعنا عقلياً، بعد أن امتلأنا بعمله إنسانياً. كان هذا الفصل بمثابة تنظير لأطروحة الرواية ومحاولة لإقناعنا بما جاء فيها، ولم نكن بحاجة إلى تنظير يحلل الشعر والثقافة من منظور رقمي ومادي، وهذا أكثر ما يزعج في هذا الفصل الدخيل على النص الأدبي.
جمالية هذا الكتاب في طرافته، وفي قدرته على توسيع الخيال بأسلوب رائع، وكتابة مكثفة، لا فائض فيها، سوى الفائض الإيجابي من الخيال الذي يحسّ المرء بأنه يحلق معه وفيه، ولذلك يمكننا القول إنه كتاب ضروري، كضرورة وجود الشاعر، والرسام والنحات، كضرورة وجود الخيال في هذا العالم، والذي لولاه لكان عالمنا في غاية الضيق، ولكانت أحاسيسنا ليست أكثر من طبقات سميكة من جليد.
ولذا يسجل لمترجمه عبد الجليل العربي، ومكتبة الفكر الجديد، هذا الإنجاز.
وبعد:
لو أن الريح أتت تسألنا أن تتفجّر أو تهدأْ
لو أن الأشجار على التلِّ أتت تسألنا أن تخضرْ
لو أن العصفور لكي ينشد طالعنا يلتمس العُذرْ
لانطفأ العالم وبقينا غرباء معاً في هذا القبرْ!

الفوائد الكبيرة لوجود شاعر في البيت!

إبراهيم نصر الله

- -

4 تعليقات

  1. عبق المقال فواح!
    االقارئ يتشوف إلى الكتابات ذات السحر.
    ومثل هذا المقال يدهشني حقا!

  2. مقالة جميلة جدا وترفع من مستوى النظرة الى أدب الاطفال والفتيان وان هناك جواهرا علينا فقط اكتشافها
    شكرًا ابراهيم نصرالله

  3. لو أن السحاب سألني أيمطر أم يسر
    لقلت: أمطر فوق قبر طفل مات بالسارين
    لم يسمع حكايات أم ماتت قبله بالخردل
    مات ربيع الغوطة ونضب الماء في جسرين

  4. من هنينغ / دار المنى السويد.ما هوعنوان بريدكم الالكتروني يادار المنى في السويد ؟

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left