عُسر إقامة الحكم الديمقراطي

لطفي العبيدي

Mar 23, 2018

أمريكا تستقوي على الدول العربية لأنّها تعلم أنّها تحكمها نُظُم شمولية منفصلة عن شعوبها لا رابط يجمعها، وهو سرّ ضعفها وهوانها وإذلالها من قبل أمريكا وإسرائيل مرّات ومرّات بخلاف فنزويلا مثلا أو كوبا أو كوريا الشمالية وغيرها من الدول التي واجهت الولايات المتّحدة لأنّها تستمدّ قوّتها من الدّعم الشعبي المستميت. هنا يكمن الفرق بين أنظمة حكم تُسند من الشعب وبين أنظمة تستقوي على شعوبها بالدّعم الأمريكي والإسرائيلي وبالخنوع المفضوح والخضوع المُذلّ لشروط هذه الدول المارقة في سبيل الحفاظ على كرسي الحكم.
ويدرك الغرب بشقّيه الأوروبي والأمريكي أنّ تدخّلهم السّافر في المنطقة يمنع إقامة الحكم الديمقراطي الذي لا يخدم مصالحهم، ولذلك فهم يعملون على أن تبقى الدول العربية تحت سلطة طغاة فاسدين وعليه فإنّ هدف السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية تحديدا ولأوروبا المنضوية تحت أمرتها يجب أن يكون، حسب برنارد لويس، ضمان طغاة أصدقاء وليس معادين. ويحدث كل ذلك والمنظمات الأممية وعلى رأسها منظمة الأمم المتحدة وهياكلها التابعة لم تتخلّص بعد من استغلال الدول المارقة لها فهي إلى عهد قريب أجازت العدوان الدولي غير الشرعي ووقع استخدامها منذ قيامها للسيطرة على دول العالم ومقدّراتها ما عدا الولايات المتحدة وبريطانيا وشركاء التحالف اضافة إلى إسرائيل طبعا، وهي بذلك تنحرف عن مسارها وتتخلّى عن وظيفتها الرئيسية التي أنشئت من أجلها وهي تجنّب قيام حرب عالمية أخرى وكبح جماح الدول المولعة بالحروب. فمثل هذه المؤسسات الدولية الأممية التابعة للقوى الكبرى ذات الطموح الامبريالي هي التي كرّست الاستعباد الدولي للعرب وممتلكاتهم وتواصل سلب كرامة الدول واستغلالها بالتضييق على الاقتصادات الوطنية وذلك بإغراقها بالديون تحت مظلّة الإقراض ما يؤدي في المحصّلة إلى إحكام السيطرة على اقتصاداتها ومصادرة قرارها السياسي والاقتصادي لحساب الشركات والبنوك متعدّدة الجنسيات عابرة القوميات خدمة للمآرب السياسية للقوى الكبرى صانعة الامبريالية العالمية ما يجعل الحديث عن انتهازية دول بعينها أمرا مشروعا. في الوقت الذي لم يعد معنى الإنصاف الدولي سوى وجهة نظر ضمن الصّراع والتّنافس الذي يحكم العلاقات الدولية. وعلى مثل هذه المنظمات الدولية أن تُعيد تعريف نفسها وأهدافها على أن تمتلك إثر ذلك ما افتقدته منذ نشوئها وهو «الإرادة الأخلاقية» في التعامل مع حق الشعوب في تقرير مصيرها وإنشاء دولها المستقلّة ذات السيادة. عدا ذلك ستبقى الديمقراطية فلسفة تُباع لا تمتلك أسسا دولية خيّرة وستحجب السياسات القاصرة التفكير العقلاني والعمل المنطقي ، أمّا السياسة الاقتصادية الدولية التي تسبّب الحرمان وتُعمّق التفاوت فتواصلها باق بقاء أفراد العصابة المزوّدين بمركّب الغرور، والصورة التي تتّضح للعالم  مفادها إخفاق مُخز للسياسة الدولية في إدارة الأزمات وطمع لا محدود في خيرات البلدان واشعال للفتن والحروب حيثما يكون النفط أو حينما لا يكون مُزوّد النفط خاضعا لإرادة أمريكا وإسرائيل.  
لقد استوعب الغرب جيّدا مسألة دعم النخب المحلية فعمل على أن تبقى الدول العربية تحت سلطة طغاة فاسدين وضمِن أن يكونوا أصدقاء وليس معادين الأمر الذي أنتج لدينا معوّقات مواطنة حقيقية ضمن أنظمة الحكم. وهكذا حقّق الغرب رفاهية محلية في حين عمّم البؤس في كثير من بقاع الأرض بفعل الأنانية والغطرسة. ولكن العالم بعد نهاية الحرب الباردة قد صار عالما تتنازعه تعدّد الحضارات وهو ما يأسف عليه منظّرو اليمين الأمريكي إلى درجة أنّ صموئيل هتنغتون يبرّر مثل هذا التحوّل «بأنّ الغرب قد كفّ عن الهيمنة على العالم منذ نهاية الحقبة الامبريالية الاستعمارية وفشل في جعل حضارته العظيمة نموذجا حضاريا كونيا».  
يتبدّى حينئذ الحاضر المقلق للعالم العربي و الإسلامي ويتجلّى إلحاح التساؤل عن الطريقة للخلاص من شبح الهيمنة والإقصاء والتخريب الذي انقسمت بفعل تأثيراته المباشرة الأمّة الإسلامية وتفرّقت إلى دول قُطرية، ورسم الغرب حدودها بعد أن استعمرها واستنزف ثرواتها ثم تركها تعيش تبعية العلوم والتكنولوجيا والفنون والمعارف، وزادت أشكال الاحتواء الغربي للمنطقة مع نهاية القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة بفعل العولمة والهيمنة بواسطة السوق، ثم تظهر موجة الاسلاموفوبيا واستعداء المسلمين، ومن ثم مقولة الإرهاب التي تهدف إلى تشويه الإسلام وحضارته. حتّى كأنّ هناك حقنا عالميا متواصلا للإرهاب يجعله حاضرا على  صُعد شتّى وفي المكان الواحد أحيانا. والأمر كذلك عندما يتحوّل الإرهاب كالظلّ الملازم لكلّ نظام سيطرة أو خلط للأوراق ومحاولة تغيير الجغرافيا السياسية.

عُسر إقامة الحكم الديمقراطي

لطفي العبيدي

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left