يعيشون  في «جيروزاليم» ويحلمون  في القدس

جواد بولس

Mar 23, 2018

مقدمة: القدس وهي في لغة الأعاجم «جيروزاليم» كانت وما زالت أشهر مدينة في العالم. معظم البشر، حتى أولئك الذين لم يزوروها في حياتهم يحملون صورتها ويحتفظون بها في صدورهم أو أشعارهم أو خيالهم؛ مع هذا لو سبرنا أجسادهم بأشعة كاشفة لحصلنا على عدد أشكال لها تساوي عدد من أخضعوا للتجربة، فهي هيولية كابنة الأساطير ومشتهاة كلعاب المعجزات، وهي الفريدة كالشهوة، إنها قاهرة الملوك وحارقة قلوب العذارى.
قدسنا، نحن المتكئين على أكتافها، فكرة جامحة خارجة على التاريخ، وعذوبة راسخة في قصص الغيم. كلما غمزنا خاصرتها تأوه الفجر وصحا خدام هياكلها، فاتركوها غافية عند عتبات السماء ولا توقظوا الجن في أحشائها. 

أكبر من ضريبة أرنونا

 لم يترك لي صاحبي فرصة للسؤال، كان هائجًا وصوته يندفع كمطر في كانون. استلم في الصباح تحذيرًا من بلدية أورشليم/القدس التي تطالبه بدفع ضريبة «الأرنونا» وإلا ستفتح ضده دعوى قضائية في دائرة الإجراء البلدية. 
يسكن عزمي في بيته منذ أكثر من عشرة أعوام، ولم تطالبه البلدية خلالها بدفع هذه الضريبة، لأن العمارة التي يسكنها مع سبع عائلات فلسطينية لم تكن داخل مسطح المدينة بل عدّت منذ لحظة بنائها كمنطقة تابعة لأراضي الضفة الغربية المحتلة.
بعد استفساراته العديدة تبين له أن البلدية «استجابت» لطلب قدمه إليها عدد من جيرانه في العمارة ووافقت على تغيير الحدود، القائمة والمرسمة منذ العام 1967، تغييرًا طفيفًا بحيث أصبحت البناية «بقدرة قادر» داخل حدود البلدية؛ وتبين له كذلك أن الغرض من تقديم جيرانه الفلسطينيين للطلب كان رغبتهم بدفع ضريبة «الأرنونا» لبلدية أورشليم/القدس وذلك في مسعى منهم للحصول على صك غفران احتلالي يشهد أنهم مواطنون مقدسيون وذلك كي لا يتم طردهم إلى ما «وراء الحلم» ورميهم في  فلسطين، أو حرمانهم من حقوق «مواطنتهم» المدنية أسوة بباقي إخوانهم الفلسطينيين المقدسيين أصحاب الهويات الزرقاء.
أنهى صديقي محادثته الغاضبة سائلًا  مني النصيحة، فهو كفلسطيني من عرب 48 ومواطن يحمل الجنسية الإسرائيلية، ليس بحاجة لهذه الوثيقة ويرفض دفع ضريبة لا تستحقها بلدية المحتل، عدا عن قناعته بأن سلوك المقدسيين في هذه المسألة ينم عن تنازل كبير واستسلام لسياسة إسرائيل الرامية إلى سلبهم حق السكن في مدينتهم والبقاء في وطنهم كمواطنين يعيشون تحت احتلال أجنبي. وأضاف، قبل أن يقفل المحادثة، إنه فوجئ بمرارة عندما اكتشف، خلال معركته الصغيرة مع البلدية، أن أعدادًا من المقدسيين تنازلوا عن جنسياتهم الفلسطينية بعد أن حصلوا على جواز سفر وجنسية إسرائيلية.
 سمعته يتوعد البلدية ويشتم في الوقت نفسه هذا الزمن الذي وصلت فيه «قدسنا» إلى هذه المهزلة والمذلة. 

القضية أكبر من بلدية ولكن!
           
لقد تذكرت قضية الأرنونا والمجنّسين من شرقي القدس بعدما ناقشت في مقالتي السابقة فكرة ما إذا كانت بلدية أورشليم/القدس تبحث عن رئيس عربي! ونفيت الفكرة بتلقائية كما كان ينفيها كل فلسطيني منذ انتهاء حرب 1967 وقلت إذا كان ذلك موقف الفلسطينيين دومًا فهو اليوم، في هذه الظروف الترامبية، أوجب وأبدى، لأن مشاركة المقدسيين بانتخابات بلدية تعني قبولهم لسيادة دولة الاحتلال على مدينتهم. مع هذا أقلقتني قصة صديقي والأرنونا.
فهي، على رمزيتها المتواضعة، تعكس واقعًا معقدًا نما وتطور خلال خمسين عامًا من ممارسات إسرائيلية استهدفت نزع القدس عن فلسطينها وإنهاك سكانها بشتى السياسات وأصناف التنكيل والترهيب وبعض الترغيب كما سنشرح لاحقًا. 
والقصة دليل، بالمقابل، على أن ما تفعله معظم الشخصيات الفلسطينية، وهي على الأغلب لا تفعل كثيرًا، لم يعد كافيًا لدرء احتمالات سقوط المدينة الكبير؛ وهي كذلك مؤشر على أن اعتكاف قادة المواقع  في معابد المواقف التقليدية لن يقدم للسكان المأزومين مخارج  تمكنهم من الصمود كما صمدوا في سنوات النضال السابقة. 
فبعد نجاح إسرائيل بتقطيع وتغيير وتشويه جغرافية القدس الشرقية الداخلية وهدمها لمعظم نقاط التماس بين شرق المدينة وغربها، نراها تحتفل مؤخرًا بمحوها مجموعة قرى كاملة كانت تقف كأقمار فلسطينية تحيط وتحمي عروسها، فبيت حنينا وشعفاط وعناتا والولجة وجبل المكبر والعيساوية وبيت اجزا وبيت اكسا وجبع وبير نبالا وغيرها أصبحت جميعها مجرد أحياء صغيرة تشبه السجون وتعيش على ضفاف شرايين اسفلتية فخمة تخدم عشرات آلاف المستوطنين الذين حاصرت مستوطناتهم خواصر المدينة من جهاتها الأربعة.
وبعيدًا عن الجغرافيا دأبت إسرائيل على تنفيذ سياسة إفقار السكان العرب وتعمدت إبقاءهم عند حافة القلق والخوف، لكنها، إلى جانب ذلك، فتحت، بخبث وبشكل مدروس وممنهج «صنابير بركة « أنعمت من خلالها على بعض الفئات الصغيرة من مرقة الدولة وخيرها.
من لا يقر كيف نمت وانتعشت تلك الفئات على طاولات «المؤسسة الحاكمة» لا يرى بعيون فلسطينية. إنه تغلغل إسرائيلي لافت أنتج «جيشًا» من المستفيدين المباشرين والمرتبطة مصالحهم مع مفاعيل دولة الاحتلال ومؤسساتها. 
ما يقلق في هذه الظاهرة هو ظهورها كتطور طبيعي يحصل في نهايته «المواطن الفلسطيني» على حقه من إسرائيل المحتلة في الحياة الكريمة والتقدم العلمي والانخراط في سوق العمل والتجارة وغيرها. وقد يكون ذلك من حقه وصحيحًا خاصة بانعدام بدائل وطنية شافية أخرى، لكنه في الوقت نفسه يخلق داخل المجتمع الفلسطيني جيوبًا من «المنتفعين» الذين يشكلون بصمت حقولًا من الألغام التي تقف كوابح في وجه أي تحرك شعبي نحو إمكانية بناء جبهات عريضة للعمل ضد سياسة إسرائيل القمعية. 
علاوة على ذلك فقد يكون أشد خطرًا من تفشي تلك «الجيوب المعرقلة» هو عدم وجود قيادة وطنية مقبولة كمرجعية موثوقة وحكيمة وقادرة على رسم استراتيجية مقاومة ناجعة ومؤثرة ولذلك لا يوجد في المدينة تخطيط وطني فلسطيني شامل وملموس، بل كان كل ما شهدناه طيلة سنوات عبارة عن ردات فعل موسمية لا سيما عندما مس الفعل الإسرائيلي قضية دينية أو عقائدية، كما تجلى ذلك في الوقفة الأخيرة على عتبات المسجد الأقصى. 
لم تغب أهمية التخطيط عن بال القيادة الوطنية المقدسية في عصر الراحل فيصل الحسيني وما زال الكثيرون يتذكرون كيف بادر هو ومجموعات من المهنيين إلى إطلاق مشروع وطني كبير عندما أنشأ فرق عمل قامت بعملية مسح شاملة لجميع قطاعات الحياة في المدينة مثل الصحة والتربية والتعليم والسياحة والرياضة والشباب والمرأة والعمل والرفاه الاجتماعي ومؤسسات المجتمع المدني، ووضعت في حينه خلاصاتها وتوصياتها في قوالب مهنية ووطنية. فالقضية في القدس لم تكن يومًا رئيس بلدية فحسب! 

قطاعات في مهب الريح

كان أهم ما استهدفته خطة فيصل الحسيني هو إخراج الفلسطينيين في القدس من حلقات ردود الفعل ودفعهم صوب واجهات الفعل والمبادرات الخلاقة وذلك لحماية المجتمع من التصدع والانهيارات ولتحصين أفراده من محاولات الابتلاع والإغواءات الاحتلالية واستشرافًا لمستقبل الحرية والاستقلال.
رحل فيصل. نجحت إسرائيل بإغلاق «بيت الشرق» وعشرات المؤسسات المدنية الأخرى. أحكم الحصار على المدينة. حرثت إسرائيل معالم الرصاص وشوهت وجه «البهية».  غابت القيادات عن خيمتهم، وفي شوارع المدينة نتأت طفيليات قاتلة بدأت تحكي باسم وطن وهمي في النهار وتبيع ترابه في الليل. 
وإسرائيل، التي أبقت أهل القدس على حافة القهر والفقر والقلق، فتحت بعض طاقات الأمل ليرقد على همزاته من سيضعون بيض أحلامهم في سلال التساوق مع سياسات الاحتلال وممارسة رحلة «الانهزام المحترم». صار ما خططه الفيصل خرافة وهباء ودفن المشروع الكبير. بدأت إسرائيل تبتلع القطاعات، قطاعًا تلو القطاع، بعصاراتها وحوامضها؛ فلا الصحة بقيت فلسطينية واسألوا، إن جهلتم، صناديق المرضى الإسرائيلية ومئات الأطباء العاملين فيها والصيادلة، ولا التربية والتعليم نجتا من «شواقل» الوزارة ومخالب بلدية الاحتلال. وإن فاتكم ذلك اسألوا المعلمين والمدراء والمفتشين، ولا السياحة «قامت» في باب الخليل وباب حطة وإن لم تسمعوا فأصيخوا سمعكم للصدى وهو يصرخ موجوعًا في «ساحة عمر».
قضية القدس أكبر من بلدية، فأين كنتم حين كان الناس يحلمون في النهار بخبزهم و»قدسهم» وفي الليل ينامون في أحضان «قيصر»  الذي كان  وما زال حاكمًا لأورشليم.

يعيشون  في «جيروزاليم» ويحلمون  في القدس

جواد بولس

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left