المغرب في مواجهة أعاصير الدبلوماسية المناوئة

بلال التليدي

Mar 23, 2018

أيام عصيبة يمر منها المغرب هذا الشهر، كعادته مع شهر آذار/مارس التي تتحرك فيه الديناميات للتأثير على قرار الأمين العام الأممي بشأن نزاع الصحراء المرتقب صدوره في الأسبوع الثاني من الشهر القادم.
ثلاثة تحديات عاشها المغرب، لم يكن من السهل عليه شحذ دبلوماسيته للتغلب عليها واستعادة المبادرة من جديد. أولها، قرار محكمة العدل الأوروبية باستثناء المياه الإقليمية التي توجد بالأقاليم الصحراوية من مقتضى اتفاق الصيد البحري بين المغرب والاتحاد الأوروبي. وثانيها، قرار المحكمة العليا لجنوب إفريقيا ببيع الفوسفات المغربي المحمل في السفينة المحتجزة في المزاد العلني. ناهيك عن تحد ثالث تمثل في تحرك ديناميات سياسية للبوليساريو والجزائر لاستباق اتفاقية التجارة الحرة في إفريقيا المزمع إبرامها في كيغالي، ومحاولة استنساخ قرار محكمة العدل الدولية، ونقله إلى إفريقيا لخلق معركة قانونية وتجارية ضد المغرب لخنق صادراته إلى إفريقيا.
والمشكلة، أن ثمة تحديا رابعا، برز هو الآخر، لكن هذه المرة من خارج تداعيات ملف النزاع حول الصحراء، ومن خارج القارة الإفريقية والاتحاد الأوروبي، إذ حركت تغريدة مسؤول سعودي على تويتر توترا دبلوماسيا حادا بين المغرب والسعودية بشأن الموقف السعودي من دعم ملف ترشح المغرب لتنظيم كأس العالم، إذ أكد رئيس الهيئة العامة للرياضة السعودية، تركي الشيخ في تغريدة على تويتر أن مصلحة بلده هي ما سيحكمه في التصويت على البلد المستضيف لكأس العالم 2026، ملمحا إلى أن الموقف من الأزمة الخليجية بين السعودية وقطر سيكون محددا لموقف السعودية في هذا الموضوع، ومتهما المغرب باللعب في المنطقة الرمادية.
تحديات حاولت الدبلوماسية المغربية التعامل معها بقدر كبير من الهدوء وضبط النفس، إذ باشرت محادثاتها مع المفوضية الأوروبية مباشرة عقب صدور قرار محكمة العدل الأوربية بغية احتواء التوتر، والبحث عن خيار لتعطيله أو في أسوأ الأحوال تأجليه وتعليق نفاذه من عدمه بقرار مجلس الأمن. وقد حققت الدبلوماسية المغربية بهذا الخصوص نصف انتصار، وذلك حينما استصدرت قرارا إيجابيا من المفوضية الأوروبية الذي أمضى مؤقتا العمل بالاتفاق كما كان ساريا من قبل، مع رهنه ببعض الشروط التي لم يتم الإعلان عنها، ورهن مصير قرار محكمة العدل الأوروبية بقرار مجلس الأمن بخصوص هذا النزاع، وهو ما يعتبر مكسبا مهما للموقف المغربي الذي يستأنس بمقتضيات القانون الدولي التي لا تمانع في تدبير الثروات الطبيعية في الصحراء المغربية إذا كانت عائداتها تصرف في تنمية هذه المناطق، وهو ما يؤكده المغرب، حين يعلن بشكل رسمي، بأن ما يستثمر في الأقاليم الجنوبية يضاعف سبع مرات ما ينتج من عائدات استثمار هذه الثروات.
جواب المغرب عن التحدي الثاني، لم يكتمل بعد، فجنوب إفريقيا لا تزال تعرف تحولات سياسية يحاول المغرب مواكبتها عن كثب، فضلا عن محاولته البحث عن مداخل تعتمد المصالح العليا لاحتواء الموقف ومنع حدوثه في المستقبل القريب، ولعل بيع شركة «سهام» المغربية لشركة جنوب إفريقية بما يفوق مليار دولار يدخل ربما ضمن هذا السياق، ولم تنكشف لحد الساعة مؤشرات أخرى عن ديناميات مثيلة في هذا الاتجاه.
الملف الثالث، والمرتبط بمحاولة استنساخ قرار محكمة العدل الدولية واعتماده إفريقيا لمحاولة الحصار القانوني للمغرب وإضعافه اقتصاديا وتجاريا، فقد نجح المغرب من خلال حضوره للقمة الاستثنائية في العاصمة الرواندية كيغالي في إفشال هذه الدينامية، إذ تم الأربعاء الماضي التوقيع في هذه القمة على إنشاء منطقة التجارة الأفريقية الحرة، وبرتوكول حرية التنقل للأفراد والبضائع، بين دول القارة السمراء، دون أن تنجح دينامية البوليساريو والجزائر في مسعاها لمحاصرة المغرب قانونيا وتجاريا. فمع تحفظ نيجيريا على توقيع هذا الاتفاق لأسباب قد تبدو غير مقنعة، بل كاشفة عن خفايا أخرى غير معلنة، فإن المغرب خرج في هذه الجولة منتصرا، بما يعني تحقق شروط توغله الاقتصادي والتجاري في إفريقيا بحكم الامتيازات التي تمنحها الاتفاقية للدول الموقعة عليها وبحكن تعذر أي قيود تعطل نشاطه في هذا الاتجاه.
أما الملف الرابع، والذي يبتعد عن قضية نزاع الصحراء، فيشترك معها في إضعاف الموقف المغربي، ومحاولة عزله خاصة وأن الملف المغربي لتنظيم مونديال 2026 حظي بدعم إفريقي واسع، وحظي أيضا بدعم عربي، وتحرك السعودية وحلفائها لنسف ملفه أو التشويش عليه يمكن أن يدخل العلاقات الدبلوماسية بين البلدين إلى دائرة توتر كبيرة يمكن أن تتوسع حساسياتها لتشمل قضايا أخرى.
لحد الآن، يسود غموض كبير في هذا الملف، فباستثناء محاولة احتواء تداعيات تغريدة المسؤول السعودي، وباستثناء محاولة الطمأنة التي خرج بها السفير السعودي بالرباط، والتذكير بجذور العلاقات المغربية السعودية وطبيعة المصالح الكبرى التي تربط البلدين، فإنه لم يصدر من أي مسؤول سعودي لحد الآن أي تصريح في الموضوع، يكشف عن طبيعة الموقف السعودي من الملف المغربي لتنظيم المونديال، هذا في الوقت التي كشفت فيه دول كثيرة موقفها من هذا الملف، وأعلنت عن دعمها له.
واضح من هذا الموقف، أن السعودية لا تريد الكشف الآن عن موقفها، وفي الوقت ذاته، لا تريد أن يكون موقفها سببا في إحداث توتر بينها وبين المغرب، ولذلك، فالخيار الأقرب إليها أن تبعث برسائل طمأنة من جهة، وتؤجل الموقف إلى إبانه، وربما تمارس غير قليل من الضغط على المغرب بهذا الموقف لتجره إلى ملعبها لدعم بعض خياراتها الدبلوماسية وتطلعاتها السياسية في المنطقة.
وعلى العموم، نستطيع القول بأن أجوبة المغرب في التعاطي مع هذه التحديات الأربع لم تنه المشكلة، وإنما حققت تقدما في مسار احتوائها، وتركت ديناميات الضغط عليه مفتوحة، مما يستدعي معه كثيرا من اليقظة وقدرة تفاوضية أكثر وذلك حتى يتم منع سيناريو أن تصب هذه التحديات كلها في مجرى إضعاف موقفه من النزاع في الصحراء ويخسر بعض حلفائه التقليديين في هذه المعركة.

٭ كاتب وباحث مغربي

المغرب في مواجهة أعاصير الدبلوماسية المناوئة

بلال التليدي

- -

11 تعليقات

  1. مقصلة البند السابع من مجلس الأمن ليست ببعيدة، سيضطر مجلس الأمن إلى فرض الحل حسب ما تنص عليه القرارات الأممية وهذا ليس ببعيد، إنتظروا.
    اتفاق كيكالي تم التوقيع عليه من طرف 42 دولة عضو في الإتحاد الافريقي ولكن اريد توضيح لماذا وقع زعيم جبهة البوليزاريو قبل المملكة المغربية. وعلى مادا وقع البوليزاريو, هل الإتحاد الافريقي غافل الى هدا الحد

    • @Rachid
      .
      البوليساريو وقعت حتى قبل الجزائر … فلماذا يا رشيد …
      .
      صرت تستعمل حتى مسألة بروتوكول في الدفاع عن الوهم …
      .
      عوض ان تركز على القرار الموقع الدي يخرج البوليساريو من كل تكتل افريقي … ها انت تحوم حول فتات الامور …
      .
      عوض ان تركز على ان القرار الموقع لا يستثني جزءا من الثراب المغربي . … :)

  2. المفوضية الأوروبية قدمت توصية الى الاتحاد الاوروبي بتجديد اتفاق الصيد البحري مع المغرب . اذن هو ليس قرار و ينبغي المرور على البرلمان الاوروبي و هنا بيت القصيد . حيث معظم النواب الاوروبيين من الجيل الاوروبي الجديد الذي يدعم حركات التحرر في العالم و هو متعاطف جدا مع جبهة البوليزاريو حيث سبق في 2011 ان عارض الاستغلال الفاحش للثروات الطبيعية من طرف الاوروبين أما الآن فالنواب ىعتمدون على قرارمحكمة العدل الأروبية الذي يستثني الصحراء الغربية من هذا الاتفاق . و ليعلم الجميع ان قرارمحكمة و العدل الأروبية وجد ليطبق و بالطبع هذه المحكمة ليست محكمة عين السبع بالدار البيضاء و الايام بيننا

  3. المغرب فشل في قمة كيغالي الاقتصادية لان الاتحاد الافريقي فرض شرط المنشئ لكل منتوج يدخل السوق الافريقية و معناه ان المغرب لن يستطيع تصدير منتوجات او ثروات من الصحراء الغربية المحتلة الى دول افريقية باعتبارها ليست من التراب المغربي و هي ضربة قاسية اخرى للنظام المغربي .

    • @وحيد حمدان،
      .
      ان كنت قرات مرة واحدة اتفاقا تجاريا حتى بين شركتين، سترى أن بند المنشأ عادي … يكتب في كل الاتفاقيات …
      .
      حيث لا يعقل ان تستورد مالطا اجهزة اسرائيلية، و تصدرها باسمها الى الدول العربية … مجرد مثال للفهم …
      .
      أن لم يكن هذا البند في التجارة العالمية، لرايت العجب العجاب …
      .
      زيادة على هذا المغرب يكتب على ما ينتج في رصحرائه … made in morocco …

  4. اعتقد ان المغرب وصل الى طريق مسدود في احتلاله الصحراء الغربية لان هنالك ترسانة من الاحكام و القونين الدولية انصفت جبهة البوليزاريو و فندت كل ادعاءات النظام المغربي و حتى هنالك اتفاقات امضى عليها المغرب والان هي تدينه و في صالح البوليزاريو و منها اتفاق وقف اطلاق النار الممضي سنة 1991 اين يتعهد المغرب فيه بقبول الاستفتاء لشعب الصحراء الغربية و معاهدة تقسيم الصحراء الغربية بينه و بين موريتانيا و انسحاب موريتانيا من الجزء الذي كانت تحتله ليصبح ارض محررة للبوليزاريو بعد اتفاق بينها و بين البوليزاريو عكس ما يروج له النظام المغربي.

    • @المبروكي،
      .
      انت تعتقد … اشياء كثيرة … و لكن مجرد اعتقاد …

  5. بعض الأخوة يثيرون الشفقة ، قافلة المغرب تسير وتشق طريقها في إنتظام وهم يحلمون بالطرهات

  6. المغرب لازال يتسيد فوق أرض الصحراء ويشتغل بذكاء ودون تسرع وينظر إلى المستقبل
    الجزائرلازالت تطمع في إطلالة بحرية أطلسية وتشتغل بغباء وتخسر أموال الشعب الجزائري على قضية خاسرة
    البوليساريوتشتغل لحساب أجندة الجزائر ولا همّ لأعضاءها سوى جمع الأموال على حساب معاناة 40أل محتجز بمخيمات غسيل المخ
    والعبرة بالخواتم

  7. لست أدري لماذا كل المغاربة حكام ومحكومين يجمعون على رأي واحدويوجهون اللوم للجزائرعلى وفائها لمبادئ ثورتها التحريرية 1نوفمبر1954،، اذ كلهم يعتقدون أن الجزائر هي سبب مشكلتهم في الصحراء الغربية ،لكن هذا من الخطإ المفسد للود والعلاقات البينية بين الشعبين الجزائري والمغربي، لكن مايهم في موقف الجزائر أنه ليس هناك أحد في جزائرالحاضر والمستقبل يستطيع الخروج عن هذا المبدإ أو حتى محاولة تعديله مهما علا شأنه في سلطة الدولة لأن المساس بالمبدإ مساس بالسيادة الوطنية ، فلا لوم على الجزائر إذا هي وفيت بالعهد وحافظت على أمانة الشهداء،، فما ظلم من شابه أباه .

    • @احمد سعيد
      .
      ما معنى الوفاء بالمبادى … و هل احترام الاثفاق بين الثوار و المغرب على اعادة الاراضي ليس مبدأ يحترم؟
      .
      و اي مبدأ تقصد بعدم اعتراف الجزائر بالكوسوفو؟
      .
      و اي مبدأ تقصد بالوقوف بجانب اسبانيا جهارا في مسالة جزيرة ليلة؟

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left