من «فوضى» إلى «عادل كرم» وانتهاء بـ «راشيل دوليزال»: فاتحة فاشلة لخطاب «نيتفليكس» العابر للأسواق

ندى حطيط

Mar 23, 2018

خلال عمرها القصير نسبياً (تأسست عام 1997) مثّلت «نيتيفلكس» أكبر تحد لنموذج العمل التقليدي في صناعة إنتاج وتوزيع واستهلاك المواد الفيلميّة المصوّرة من مسلسلات وأفلام ووثائقيّات، ونجحت على نحو استثنائي ومن خلال تبنيها المبكر لصيغة الإنترنت كمنصة لإيصال المواد إلى أوسع شريحة من المستهلكين، وفي إنتاجها أعمالاً راقيّة فنياّ لا تتوفر إلا من خلالها حصراً، نجحت في اقتطاع حصة جيّدة من سوق الترفيه الأمريكي بداية ومن أسواق الغرب المتقدمة – كندا وأوروبا وأستراليا تالياً – مع نمو سنوي ممتاز وصولا إلى آفاق ربح واثق الخطى.
لكن وكما كل مشروع رأسمالي غايته الأولى تعظيم الأرباح، وجدت نيتفليكس نفسها في منافسة حادة مع مزودي خدمة آخرين نجحوا بدورهم في الاستفادة من ثورة الإنترنت وبناء حصص سوقيّة متنامية من ذات سوق الترفيه الذي تستهدفه الشركة. وقد أشارت التحليلات إلى اعتمادها المتزايد على الجمهور من ذوي البشرة البيضاء في عدد محدود من الدول مقابل مساهمة أقل لكل الفئات الأخرى. فكان القرار الاستراتيجي بالتمدد نحو الأسواق غير التقليديّة: سواء في مناطق ما وراء البحار كالشرق الأوسط مثلاً أو داخل الولايات المتحدة ذاتها كالأقليّات من ذوي البشرة السوداء والناطقين باللغة الإسبانيّة.

بداية منحازة من الشرق الأوسط مع «فوضى»

بداية منحازة توجهت بها نيتفليكس نحو منطقة الشرق الأوسط بوصفها واحدة من الأسواق البكر في مجال منصات التوزيع على الإنترنت. وقد تبنت استراتيجيّة من أجل ذلك تقضي بتبني أعمال محليّة للوصول إلى الجمهور، ومن ثم منح تلك الأعمال نوعاً من انتشار عالمي يوسّع من مروحة خيارات قاعدة المستهلكين الأساسيّة. رأس الجسر الذي اختارته كان (إسرائيل) بوصفها أسهل الأسواق في المنطقة بالنسبة إلى شركة أمريكيّة. وهكذا انطلقت في موجة شراء محمومة للحقوق وأيضاً الامتلاك الحصري لإنتاجات إسرائيليّة متنوعة من مسلسلات وأفلام ووثائقيّات. كان أكبر تلك الأعمال مسلسل (فوضى) الذي اشترت الشركة حقوقه الحصريّة للموسم الأول، ولاحقاً أنتجت الموسم الثاني لحسابها.
المسلسل الذي يحكي قصة صراع بين الأجهزة الأمنية الإسرائيليّة ومقاومين فلسطينيين، تعرض إلى موجة نقد شديدة من الفلسطينيين بوصفه شديد الانحياز للرواية الإسرائيليّة للصراع، بينما هاجمه إسرائيليون كثر أيضاً لأنه يؤنسن (الإرهابيين) الفلسطينيين الذين لا تعتبرهم الثقافة الإسرائيليّة بشراً. وهكذا بدت التجربة منحازة وغير موفقة منذ نعومة أظفارها.

نحو لبنان: كرم كنموذج غير مشرف عن الثقافة العربيّة

القفزة الخاوية التالية كانت على بوابة العالم العربي. إذ أشار أحدهم فيما يبدو للشركة بشراء حقوق إنتاج عرض كوميدي من تقديم اللبناني عادل كرم. هذا المستشار ذو البصيرة العمياء فيما يبدو أراد تكسيب كرم فرصة العالميّة دون النظر في طبيعة المنتج السيىء الذي يقدّمه والذي وإن كان ممكناً فرضه على الجمهور العربي المخدر إيديولوجيا بحكم هيمنة مجموعة معينة على الإنتاج الفني في المنطقة، فإنه لا يمكن ازدراده في مجتمعات أكثر تحضراً.
عادل كرم الذي قدّم عدة أعمال ناجحة بالمقياس التجاري المحلي في لبنان، تعرض دوماً للانتقاد بوصف أعماله نسخاً عن البرامج والعروض الكوميديّة الأمريكيّة، مع توظيف مفتعل لكل ما هو عنصري ومبتذل ضد النساء والأقليّات والأعراق الأخرى. وإذا نحينا جانباً حملِه لجينات ثقل الدّم – على الأقل بالنسبة لجمهور واسع في العالم العربي – فإن طريقة معالجته لموضوعاته تستهدف التهريج حصراً من خلال توجيه الإهانات، وتتبنى قراءات استشراقيّة نمطيّة أكل الدّهر عليها وشرب بشأن الأعراق والمجموعات غير البيضاء، وتقدّم صورة سلبيّة للغاية للعالم عن حال الثقافة الشعبيّة العربيّة من خلال عرض كوميدي يفترض به – نظريّاً – أن يكون من الطراز الأول في مجتمعه.
لا يدرك كرم ولا المستشار السمسار الذي أوصله للعالميّة أن صيغة العرض الكوميدي في الغرب كعمل فني ثقافي لا تستهدف الترويج للنمطيّات المتخلّفة بقدر ما هي ترمي إلى تحدّيها وتحطيمها من خلال انتقادها والسخريّة منها.
وهكذا انتقلت نيتفليكس من بحر القضيّة الفلسطينيّة العاصف إلى تبني نموذج مستخف ومضلل بشأن الثقافة الشعبيّة في العالم العربي، وهو أمر استفز بالطبع مشاهدين نابهين عبر العالم، وتعرضت من أجله الشركة لانتقادات لاسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن الأغلبيّة غير المكترثة بشرقنا الغارق في ظلاماته اعتبرت كرم – إذا شاهدته – دليلاً آخر على صدق التصورات النمطيّة المسبقة – الشديدة السلبيّة – عن العرب وعنجهيتهم الفارغة.

الأقليّة السّوداء الأمريكيّة غاضبة أيضاً: قصة راشيل دوليزال

تحالف سوء الذّوق والحظ هذا الذي يرافق محاولات نيتفليكس اختراق الأسواق غير التقليديّة لم يك مقصوراً على مغامراتها الشرق أوسطيّة المنحوسة، إذ رافقها أيضاً في محاولتها للتواصل مع الأقليّة السوداء الأمريكية.
لقد اختارت الشركة إطلاق برنامج وثائقي موجه لتلك الأقليّة عن راشيل دوليزال وهي ناشطة عالية النبرة في صفوف الأقليّة السوداء، تبيّن بعد سنوات كثيرة من توليها عدة مهام نضاليّة في حركات الحقوق المدنيّة المدافعة عن الأمريكيين السود وكممثلة لهم في مجالس التعاون مع السلطات المحليّة، بأنها ليست سوداء البشرة وإنما شقراء تنكّرت بمظهر أسود مختلط من خلال الماكياج والتعرض للشمس بكثافة لغاية اكتساب بشرة سمراء.
دوليزال التي فقدت كل مناصبها وحتى وظيفتها الجامعيّة لدى انكشاف خدعتها قبل سنتين – بعد أن كشف والدها عن صور لها وهي صغيرة – دافعت عن نفسها بشراستها المعهودة بأن الانتماء للمجموعة الأمريكيّة السوداء كان خياراً وجدت نفسها فيه ولم ترد الرّجوع عنه. حينذاك، تعرضت إلى كراهيّة متعاظمة سواء من الأمريكيين ذوي البشرة البيضاء الذين اعتبروها خائنة لعرقها، أو من الأمريكيين السود الذين اعتبروها منحرفة تاجرت بآلام الأقليّة لأجل مصالحها الشخصيّة التي فشلت بتحقيقها بين بني عرقها الأصليين، فانتهت فارغة اليدين من الجانبين.
ولذا أعرب كثير من الأمريكيين السود عن خيبة أملهم من اختيار تلك الشخصيّة الملتبسة تحديداً كبادرة للوصول إليهم دون شخصيات سوداء حقيقيّة كثيرة ناضلت وتناضل كل يوم ضد العنصريّة والقهر، وحقق بعضها نجاحات ملهمة تستحق التسجيل والاحتفاء. وبدلاً من أن تستمع للأصوات الغاضبة وتوقف إطلاق وثائقي دوليزال (27 من الشهر المقبل)، إستمرت نيتفليكس في خططها وإعلاناتها كأن شيئاً لم يكن، بل وأطلقت مقطعاً ترويجياً يُظهرها تتحدث في الفيلم مع أولادها – من شريك أسود – وبدا فيه أكبرهم غاضباً من فكرة عرض أمه لحياتها الشخصيّة المعقدّة على العموم من خلال برنامج وثائقي دون أن تفكّر بما يمكن أن يكون تأثير ذلك على حياتهم في مجتمعهم. وكما كان متوقعاً، أثار المقطع الترويجي سحابة غضب لم تنته بعد في أوساط الاقليّة السوداء، ليس فقط لسوء الاختيار ولكن أيضاً لسوء التنفيذ الذي قد يتسبب بالفعل بالأذية المعنوية والنفسيّة لولدين ليس لهما من ذنب سوى أن أمهما لم تتصرف بواقعيّة وخدعت الجميع. بل وتساءل بعضهم على مواقع التواصل الاجتماعي عن غايات مشبوهة للشركة تجاه الأمريكيين السود، أو على الأقل جهلاً لا يغتفر في التعامل مع قضاياهم.
لا شك ذات الفضاء الذي مكّن «نيتيفلكس» وشقيقاتها من قلب كل معادلات التوزيع والانتاج، قلب أيضا وفي ذات الوقت طبيعة استهلاك واستجابة المُتلقي للمادة المعروضة على مائدة وعيه ولا وعيه.
«لا يوجد شيء اسمه وجبة مجانية» يقول ميلتون فرديمان، كبير منظري الرأسمالية المتأخرة.

إعلامية من لبنان تقيم في لندن

من «فوضى» إلى «عادل كرم» وانتهاء بـ «راشيل دوليزال»: فاتحة فاشلة لخطاب «نيتفليكس» العابر للأسواق

ندى حطيط

- -

3 تعليقات

  1. لقطات كاميرا أسبوعية ممتعة ومفيدة وراقيّة…فعلًا في قلمك ( العين الثالثة ) التي تنقل روح الحدث في صورة الحدث.رائعة ندى حطيط دائمًا.

  2. اثني على كلمات استاذي الفاضل د. جمال البدري بالفعل.
    .
    و اعلق على حيث انتهى المقال ، من أنه لا يوجد وجبة مجانية !
    نعم هناك دوماً من يدفع ثمنها …. و كما قيل أيضاً عندما تجد أن هناك سلعة مجانية تقدم لك لاستخدامها مجانا كما يعلن ، فأعلن انك انت السلعة !!
    .

    الرائع في مقالات الاستاذة ندى ، انها تقدم لك وجبة أسبوعية ثمينة من المعلومات المكثفة في اسطر معدودة ، أغلبها إن لم يكن كلها جديد و مهم سواء من حيث العناوين أو الاسماء أو الاحداث او المراجعات ، و في نفس الوقت تشعر و كأنك تعرفها و تعيشها .
    .
    الملاحظة الأخرى الهامة برأيي ، أن الاستاذة ندى في غاية الموضوعية في مراجعاتها و نقدها ، والموضوعية غير الانحياز ، لذا هي تعطي كل ذي حق حقه ، فالانتقاد باعتدال حين يتطلب الأمر ذلك أو المديح حين يستحق و أيضا الانتقاد الكاسح لمن يستحق كما فعلت مع عادل كرم هنا بكل استحقاق و موضوعية و لابد هنا من الانحياز حين تتطلب الموضوعية و المهنية ذلك
    .
    الاستاذة ندى ، غير انها تقدم هذه الوجبة الأسبوعية المتخمة بكل ماهو جديد في المجال ، فإنها تقدم نموذج مثالي لكيفية كتابة العمود و المقال الصحفي.
    .
    كل التقدير .

  3. لا أستطيع أن أزيد على ما تفضل به السادة الأستاذ الدكتور جمال البدري والاستاذ الدكتور أثير المحترمين الأفاضل
    كل ما أستطيع قوله أنني محظوظ لتواجد الأستاذة ندى حطيط في بريطانيا وكثيرا ما تكتب عن قضايا تهمنا على الساحة البريطانية.
    يعجبني أسلوبها النقدي الموضوعي كما تفضل الدكتور أثير فهي مدرسة في النقد والبحث ومتمكنة من أدوات اللغة وبأسلوب راقي وأنيق يليق بها.
    أعجبني جدا نقدها اليوم لعادل كرم،،حيث وكانها تعبر عن ما يدور في خلجات نفسي،فانا لا أستظرف هذا الشخص وعندي الكثير من التحفظات على أداوءه رغم استغرابي لأن أهل لبنان معروفين بخفة الظل وأصحاب نكته،،
    تحياتي للكتابة القديرة ندى حطيط،،،
    تحياتي للأستاذين الدكتور جمال البدري و الدكتور أثير الشيخلي

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left