معبر الموت… بستان القصر

فادي سعد

(تستند القصة على أحداث واقعية جرت في مدينة حلب)
بدأ باسل عمله مبكراً اليوم. في الحقيقة، لم يكن متأكداً إنْ كان بالإمكان تسمية ما يفعله ‘عملاً’. منذ بدء الثورة في سوريا، ترك عمله السابق خلف مكتب مريح، حتى يتفرّغ لما اعتبره مهمّته الجديدة: يجول في الأراضي السورية، متنقلاً من مدينة إلى أخرى، من قرية إلى أخرى، حتى أصغر الأزقة المنكوبة، يصوّر بعينيه ما يراه، بالتفاصيل التي تتطلبّها كارثة بحجم تلك التي أصابت سوريا.
استطاعت عيناه التقاطَ أكوام من المشاهد والصور، وتسجيلَ دبيب الخراب فوق الجسد والروح السوريَين ما يكفي لأن يعرض أفلاماً تسجيلية تملأ صالات العالم لأجيال عديدة. لكنه مؤقتاً، اختار الكتابة فقط. يكتب في نهاية كل يوم، ما تصوّره عيناه في النهار، على كُرّاسات صغيرة يسهل حملها. اعتماده على عينَيه، والتخلّي عن حمولة الكاميرا، سهّلا عليه التنقّل خفيفاً، بعيداً عن عيون عسكر النظام ومخبريه.كان يفكّر: سيحوّل لاحقاً، بعد أن تهدأ الأمور، ما كتَبه إلى أفلام يعرضها على العالم. ليس لديه الإمكانيات والوقت لفعل ذلك الآن.
كان إذا وصل إلى الصفحة الأخيرة من إحدى كراساته، ختمها بالتاريخ، وخبّأها في مكان أمين لا يمكن أن تصله أيادي العابثين: تحت تربة حقل مهجور؛ بين حجارة معْلم أثري قديم؛ أو حتى في جوف إحدى الخرائب المتكاثرة. كان يعلم أن لا مكان في هذه البلاد بات منزّهاً عن نزق قذيقة طائشة، أو براميل الموت الساقطة من طائرات النظام. لكنه زرع في أرجاء سوريا من الكرّاسات ما يعوّض احتراق بعضها. بعد سنتَين من الحرب والكتابة، باتت مشاهد كثيرة تتكرّر كلازمة في أغنية طويلة جنائزية.لم يغفل عن فكرة الموت. حتى إذا استشهد، فقد نثر ما يكفي من الكلام في ثنايا سوريا، وسيجد الأحياء من بعده كرّاساته في كلّ مكان.
***
وصل باسل إلى القسم المـُحرَّر من مدينة حلب. لم تعد تصدمه مشاهد الدمار. أطفالٌ يلعبون على بقايا رصيف، وآخرون يعبثون بحجارة كانت تنتمي لعمارة حلب الأنيقة.
توقفت السيارة التي كانت تنقله ورفاقه قرب أحد الأكشاك. ترجّل ليشتري علبة سجائر. عيناه لم تتوقفا عن الرصد والتصوير. على يمينه، لمحَ طفلةً جالسة القرفصاء في قعر تجويف دائري خلّفه أحد براميل الموت التي يمطرها ‘النظام’ على المدن. كانت الطفلة ساكنة، وجهها ينضح بحزن عميق يشبه المكان حولها. حزن لا يتوافق مع عمرها. تنظر إلى الأفق المغبرّ أمامها بعينَيْن واسعتين، لا ترفّان إلا قليلاً. كانت واحة هادئة في وسط الهياج الذي كان يملأ الحيّ. لم يكن أحد من المارّة يقترب منها، كأن وجودها بهذا الشكل شيء بديهي وملمح معروف في هذا القسم المـُهدّم من المدينة. سأل باسل بائعَ الكشك عن قصّة الطفلة، فأعطاه البائع علبة سجائره وعلى وجهه دمعتان.
لم يتفاجئ باسل من صمت البائع. فرغم زعيق الباعة الجوّالين وهدير العربات وأصوات القصف البعيدة التي تملأ المدينة، لاحظَ أنّ لغة العيون بين الناس باتتْ اللغة الأكثر رواجاً. لم تعد الكلمات المـُتبادلة تُستخدم إلّا عند الحاجة القصوى. كانت النظرات تقول كلّ شيء. محادثات طويلة تجري في صمتٍ بشري مدهش. أصبح لكلّ حالة عاطفية ما، نظرة خاصة تعبّر عنها، لا يفهمها إلاّ أهل المدينة. استلم باسل علبة سجائره بصمت، والتحق ببقية رفاقة في رحلتهم إلى معبر ‘كراج الحجز′ في حيّ بستان القصر، المعبر الذي يفصل بين القسم الشرقي من المدينة الخاضع لسيطرة ‘المعارضة المسلّحة’، والقسم الغربي منها الذي ما زال خاضعاً لسيطرة ‘النظام’. المعبر الوحيد الذي بقي صالحاً لانتقال السكان من عالم ‘الجيش الحرّ’ إلى عالم ‘النظام’، بعدما أُغلقتْ جميع نقاط التماس الأخرى بين القسمَين بسبب خطورتها العسكرية. المعبر الوحيد في العالم الذي سُمّي بــ ‘معبر الموت’.
***
توقفت السيارة التي كانت تقلّ باسل ورفاقه في شارع جانبي قريب من المعبر. اتجه باسل وحيداً، مُسلّحاً بعينَيه صوب حاجز المعبر. أوقفه مسلّحٌ ببندقيته مستفسراً عن وجهته. ‘أنا طالب جامعي، وعليّ الذهاب إلى الجامعة في الطرف الآخر’، أجاب كاذباً. أفسح المسلّح له الطريق بعد الاطّلاع على هويّته.
وصل باسل إلى بداية طريق المعبر. طريق بطول كيلومتر واحد تطلّ عليه بعيداً من حلب الغربية مئذنة جامع ‘الرئيس′. هناك، يمكث أحدّ القناصين الثلاثة الذين يشكلون الأقنوم الأول للموت الحلبي. حاول باسل بعينَيه الحادتين تبيّن ملامح القناص، لكنه لم يستطع أن يرى إلا مئذنة صامتة. في بداية المعبر، تعرّف على رجل عجوز ذي تغضنات عميقة. كان يبدو عليه الإعياء الشديد. أخبره بأنّ القناصَيْن الآخرَيْن يقيمان في القصر البلدي ومبنى الإذاعة. شرع باسل يصوّر كل شيء، وهو يتلمّس كراسته المـُخبّأة في جيب سترته. على جانبي طريق المعبر كان خطّان مستقيمان من البشر يسيران كمجموعة من السجناء المـُرهقين. سياط الحرب كانت بادية على ثيابهم. المجموعة على اليمين كانت ذاهبة غرباً باتجاه حي المشارقة في قسم ‘النظام’. المجموعة على اليسار كانت عائدة في الاتجاه المعاكس.
في وسط الطريق، متاريس رملية، وبعض السيارات المعَطّلة، يهرول بينها رجال ونساء من مختلف الأعمار. أحد المارة كان يدفع عربة بعجلاث ثلاث، ينقل فوقها جثةً مسجّاة. امرأتان ملتفحتان بمعطف أسود طويل، كانتا تركضان مسرعتَيْن لتنضمّا إلى الخط البشري الراحل صوب منطقة ‘النظام’. شاب نحيف يتفصّد عرقاً كان يحمل أمه العجوز بين ذراعيه آتياً من القسم الغربي باتجاه بستان القصر. ما إن أصبح الشاب على مقربة من باسل، حتى دوى أزيز الرصاص في المعبر. بدأ الشاب بالركض. لحقه باسل حتى وصلوا جميعاً إلى ركن معزول في أحد الأبنية الجانبية. بدا المكان آمناً نسبيّاً. أنزل الشاب أمّه ومدّدها على الأرض، مُسنِداً ظهرها إلى جدار مُهدّم. ساعده باسل بصمتٍ. كانت عيناها مغمضتان وشفتاها منفرجتان قليلاً، كأنها تهمّ بالكلام. لكن لم يكن يصدر عنها إلّا أنين ضعيف. جلس الثلاثة ينتظرون توقّف إطلاق الرصاص. ‘ أشكرك’، قال الشاب. ‘عفواً، لم أفعل شيئاً’، أجاب باسل. قال الشاب ساخراً: ‘يبدو أن النشاط استبدّ بأحد القناصة الثلاثة الذين ‘يحرسون’ المعبر’. ألقى باسل نظرة فاحصة على طريق المعبر. كان المارة ما زالوا يركضون في كلّ الاتجاهات. أولئك المثقلون بمشترياتهم، كانوا يلقون بها ليتمكنّوا من العدو السريع. كان المعبر في حالة هياج، سوى الخطَّيْن البشريين على جانبي الطريق اللذين ظلّا يسيران بالبطء والثبات نفسه.
سأل باسل أخيراً: ‘ماذا تفعل مع والدتك هنا؟’. أجاب الشاب: ‘أرادتْ أمّي زيارة أختي وزوجها في القسم الغربي من المدينة، وأردتُ تلبية طلبها’. ثم بعد فترة صمت قصيرة، أضاف: ‘أقوم بهذه الرحلة الخطرة يومياً. فأنا طالبٌ أسكن مع أمي في القسم الشرقي، ومدرستي في القسم الغربي. ليس أمامي خيار آخر إذا أردتُ أن أكمل دراستي. يسقط في هذا المعبر يومياً من أربعة إلى سبعة شهداء برصاص القناصة. أفكّر في البقاء بالبيت، والتوقف عن هذه الرحلة اليومية الجنونية. أشعر بأن القناصة باتوا يعرفون هيئتي، وسيعاقبونني على تحدّيهم’.
ألقى باسل بنظرة طويلة صوب الطابق العلوي لمبنى القصر البلدي حيث يتمركز أحد قناصة ‘النظام’. بحث عن وجهه. رآه هذ المرّة. كان وجهه مقزّزاً، تملؤه ندبات كثيرة وحفر عميقة. تساءل باسل إن كانت هذه التشوّهات من آثار الحرب، أو أن الحرب هي التي خرجت من هذه الوجوه المسخ. اختفى القناص خلف أحد السواتر الحجرية. تطلّع باسل إلى المعبر ثانية. كان الناس قد هربوا جميعاً. حتى الخطّان البشريَان اختفيا. كان المعبر فارغاً.
بعد دقائق معدودة من صمت مطبق، رأى امرأة ملتفحة بالسواد، تجرّ جانبَيها ولدَيْها الصغيرَين. تمسك بيدهما وتحثهما على السير. كانت المرأة العابرة ذاهبة من حي بستان القصر في حلب الشرقية، باتجاه حي المشارقة غرباً. لم يكن في المعبر سواها. استمرت العائلة الصغيرة في السير حتى وصلوا إلى منتصف طريق المعبر. فجأة، سمع باسل أزيز رصاصة يهتك صمت المكان. سقط الصبيّ على يمين المرأة على الأرض، وبدأت دماء لزجة تخرج من فمه الصغير. أطلقتْ أمه صرخةً ارتطمتْ بحجارة المدينة شرقاً وغرباً. رأى باسل أناساً في بيوتهم وقد ارتجفت شفاهم على وقع الحزن الذي اخترق حياتهم. خرّتْ الأم فوق جسد ابنها، ضمّته إلى صدرها وهي تولول وتنوح بشهقات طويلة. رفع باسل مرّة أخرى عينَيه صوب مبنى القصر البلدي. رآه مجدداً. كان القنّاص يلقّم بندقيته ثانية. عينه اليمنى مختبئة خلف منظار الموت. همّ باسل بإطلاق صرخة تحذير. لكن صوت الرصاصة الثانية سبقه. سقطت البنتُ التي كانت على يسار أمّها أرضاً. غمر الدم ضفيرتَيها السوداوين. غطّى باسل عينَيه الملعونتَين. أدارتْ الأم وجهها صوب طفلتها، وفي عينَيها قهر شعب بأكمله، ودمع يكفي لعامين من الموت اليومي. كانت صرختها الثانية صامتة، لم يظهر منها إلّا التجاعيد العميقة العديدة التي ظهرت فجأة على وجهها الأملس. أمسكتْ بجثة طفلتها، ونقلتها إلى جانب جثة الصبي. حدقت فيهما جيداً، ثم وقفت، رفعت يديها صوب القناص، وبصوت اهتزّت له طرقات المدينة المنكوبة، صاحتْ: ‘أرجوك…أنا أيضاً، اقتلني…’. ظلّ الصمت مخيّماً على المعبر. ضيّق باسل عينيه. كان القناص ما زال خلف بندقيته، وفي وجهه شبح ابتسامة عابرة. صاحتْ الأم ثانية وهي تلوّح بذراعَين مفجوعتين: ‘يلا اقتلني… خلّيني الحقهم. خلّصني يا الله’.
مضتْ ساعة طويلة، والأم واقفة تطلب الموت وتنتظره. كان القنّاص ما زال واقفاً يتفرّج.لم يهدِها رصاصة الرحمة. استلقت الأم أخيراً على الأرض، بين جثّتيْ طفلَيْها، تضمّهما بذراعَيْها إلى جسدها. كانت بيدها اليمنى تمسح الخوف عن وجه صبيّها الجامد، وبيدها اليسرى تداعب ضفيرة بنتها الحمراء، ومن فمها، كانت تصل إلى أذنَي باسل تمتمة أغنية حزينة، تحكي قصّة سوريا.
بدأ باسل يكتب كلماتها على كرّاسته.لم يكن يعلم بعدُ بأنها ستكون الأخيرة.

* كاتب سوري مقيم في أميركا
fjsaad@gmail.com

Email this page
Share on Facebook