وزيرة شؤون المرأة الفلسطينية هيفاء الآغا: القضية الفلسطينية مستقرة في وجدان الملايين من أنصار الحق والعدل

حاورها: عــبد الحميد صيام

Mar 31, 2018

على هامش اجتماعات الدورة الثانية والستين للجنة الأمم المتحدة المعنية بوضع المرأة، حضر وفد نسائي فلسطيني مكون من وزيرة شؤون المرأة الدكتورة هيفاء الآغا، وعدد من ممثلات المجتمع المدني والناشطات في الدفاع عن قضايا المرأة.
وقد التقت «القدس العربي» مع الوزيرة هيفاء الآغا وأجرت معها الحوار التالي والمخصص لمعاناة المرأة الفلسطينية تحت الاحتلال إضافة إلى معاناتها التقليدية في مجتمع ذكوري تقليدي في بعض جوانبه. وفي ما يلي نص الحوار.
○ ما هي الرسالة التي تحملينها لهذا المؤتمر الهام الذي يعقد سنويا لمناقشة أوضاع المرأة؟
• نحن نحرص على حضور هذا المؤتمر الهام في مقر الأمم المتحدة لأنه يشكل منبرا مهما نفترض أنه منبر للحق والعدالة لجميع الناس. رسالتي التي أتيت بها لهذا العام تختلف عن الرسائل التي أحملها كل عام حيث تمر الآن قضيتنا في مخاض عسير وخاصة بعد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وقراره اللاحق بنقل السفارة إلى القدس المحتلة في ذكرى نكبتنا. سبب هذا القرار هزة فلسطينية كبيرة وانتكاسة على مستوى القضية، وأقول إذا كان قرار وزير خارجية بريطانيا بلفور قبل مئة عام قد مر بشيء من السهولة بسبب أوضاع العرب والفلسطينيين آنذاك، فأنا أؤكد أن قرار ترامب لن يمر بسهولة لأن الشعب الفلسطيني، مدعوما بالشعب العربي والرأي العام العالمي، سيتصدى لهذا القرار فالقضية الفلسطينية ما زالت محورية. فعندما ألقيت كلمة فلسطين في الجمعية العامة وقلت «إن راعي عملية السلام انحاز للجانب الآخر وبالتالي أخرج نفسه من دور الوسيط النزيه وأقول له لن يمر هذا القرار وهذه الصفقة وستبقى القدس فلسطينية عربية إسلامية إلى ما شاء الله» فضجت القاعة بالتصفيق لمدة طويلة وهي رسالة في حد ذاتها للوفد الأمريكي الجالس في القاعة. الرسالة الأخرى التي حملتها للمؤتمر ولقيت ترحيبا كبيرا في قاعة المؤتمر عندما قلت «يكفينا الشجب والاستنكار وقرارات توضع في الأدراج، أما آن لهذه القرارات أن تنفذ وتصبح ملزمة، أما آن لآخر إحتلال أن يزول؟ أما آن لشعبي أن يعيش حرا كبقية شعوب الأرض وأن يتمتع أطفالنا بطفولتهم مثل بقية أطفال العالم؟ ثم ختمت الجملة بالقول: إن شعبنا ينتظر الجواب السريع والعادل والمنصف بعد سبعين عاما من المعاناة» فضجت القاعة بالتصفيق الحاد مرة أخرى لمدة طويلة. وقالت لي مندوبة أجنبية لقد كانت كلمتي من أقوى الكلمات التي ألقيت في المؤتمر ليس لأنني أكفأ من بقية المتكلمات بل لأن القضية الفلسطينية مستقرة في وجدان الملايين من الشعوب المنتصرة للحق والعدل وتقف ضد الظلم والقهر والاستعباد.
○ وماذا عن كلمات الوفود العربية وموقفها من القضية الفلسطينية؟
• كما قلت القضية الفلسطينية في وجدان كل الشعوب العربية. وقد عبرت كل الوفود العربية عن تضامنها مع الشعب الفلسطيني ومع المرأة الفلسطينية في نضالها ضد الاحتلال الظالم. وأود أن أثني بالتحديد على كلمة الوزير القطري، وللعلم فقد منحتني رئيسة المؤتمر الأيرلندية فرصة 26 ثانية إضافية عدا عن كل المتكلمات خصصتها لشكر الوزير القطري الذي خصص جزءا من كلمة بلاده لدعم القضية الفلسطينية والتضامن معها وطالب بحرية الشعب الفلسطيني. التقيت بالوفود الجزائرية والصومالية واليمنية والمغربية والكويتية وغيرها الكثير والجميع يقف مع قضية فلسطين العادلة وقضية المرأة الفلسطينية ونضالاتها وقضية القدس. فالقدس ليست قضيتنا وحدنا بل قضية العرب والمسلمين والمسيحيين وأنصار الحرية والسلام والعدل.
○ هذه الرسالة العامة ولكن ما هي الرسالة التي تحملينها بالتحديد في قضية النساء والفتيات الفلسطينيات؟
• الإسرائيليون يحاولون دائما شيطنة الشعب الفلسطيني ويصورونه كأناس لا يستحقون الحياة، شعب متخلف متطرف دينيا ولا يصل إلى مستواهم هم. وهذا ما أحاول أن أرد عليه في لقاءاتي الثنائية مع وفود الدول فأنا من جهة إمرأة ومن جهة أنا إنسانة متعلمة أحمل درجة الدكتوراه من الولايات المتحدة الأمريكية وأتكلم الإنكليزية بطلاقة وفي الوقت نفسه محجبة لكنني أمثل الإسلام المعتدل الذي يؤمن بالآخر ويحترم الديانات الأخرى ولا يكتمل ديننا القويم إلا بالإيمان برسائل الأنبياء الآخرين. الإسلام الذي أمثل هو الذي يتعامل حتى مع الأعداء برفق، لا نقطع شجرة ولا نقتل طيرا ولا نرمي حجرا في بئر ولا نعكر ماء وديننا دين السلام.
○ ونحن نتكلم هناك عدد من النساء الفلسطينيات في سجون الاحتلال؟ ما هي أوضاعهن؟ كيف تنقلين معاناتهن للمجتمع الدولي؟
• هناك الآن 63 إمرأة يقبعن في سجون الاحتلال منهن 18 قاصرات تحت السن القانوني من بينهن عهد التميمي وهناك فتيات أصغر من عهد التميمي. وهناك إسراء الجعابيص، التي حرقت أصابعها وذابت إذناها وتشوه وجهها بسبب حريق لم يكترثوا بها ورأوها تحترق أمام الجنود وتركوها في سيارتها والنار مشتعلة فيها بسبب إنفجار أنبوبة غاز، فلم يقدموا لها أي إسعافات بحجة أنها كانت تريد أن تفجر قارورة الغاز في الجنود. إن ذلك قمة في الظلم والاستهتار بحياة البشر والعنصرية. وهي تعاني الآن من حروق من الدرجة الثالثة. هناك نساء حوامل يحرمن من الرعاية العادية وهو ما سبب لهن أمراضا مزمنة وإسرائيل لا تهتم بصحة المرأة الفلسطينية ولو يحدث لإسرائيلية واحدة ما يحدث للفلسطينيات عموما لقامت الدنيا من أجلها.
○ نعود لنتكلم عن أنواع الاضطهاد الذي تعاني منه المرأة الفلسطينية عدا عن الاحتلال طبعا؟
• تعاني المرأة الفلسطينية من نوعين من الاضطهاد – الاحتلال أولا ثم كونها جزءا من مجتمع شرقي ذكوري محافظ – نحن جزء من المنظومة العربية بشكل عام وهناك صورة نمطية للمرأة تضعها في مواقع معينة. مثلا عندنا 43 في المئة من موظفي القطاع الحكومي من النساء لكن من منصب «مدير عام» وما فوق فالنسبة تنخفض إلى 11.7 في المئة. هناك ثلاث وزيرات فقط من مجموع 18. ونسبة النساء في المجلس التشريعي أيضا منخفضة جدا. ويبقى الظلم الأساسي ضد المرأة الفلسطينية هو ما يمارسه الاحتلال سواء عنف مباشر أو عنف غير مباشر. على الحاجز أو أثناء المداهمات – أو من خلال العبء الذي يقع على المرأة بعد اعتقال زوجها أو ابنها. حتى عندما يهان الزوج لدى جنود الاحتلال فينعكس ذلك ضد أهل بيته وخاصة الزوجة.
○ نود ان نتعرض للعنف المجتمعي والذي قد يكون تضاعف كثيرا في السنوات الماضية، نلاحظ أن هذا المؤتمر والمؤتمرات المثيلة تركز فقط على العنف والتمييز والتهميش المنبثق من المجتمعات الذكورية. إن هناك تغييبا مقصودا للعنف القادم مع الاحتلال والحروب. ففي العراق هناك 1.6 مليون أرملة فهل ترملن بسبب العنف الذكوري أم بسبب الحروب والاحتلالات وما أفرز عنها من اختلالات مجتمعية؟
• هذه المؤتمرات تسيطر عليها الولايات المتحدة وبالتالي تسيطر عليها إسرائيل. إذن هي مؤتمرات مسيسة لا شك، وتسير حسب الأجندة المرسومة لها. تصور حتى في المؤتمرات التي تحدث في البلدان العربية لا يريدون أن يذكروا الاحتلال، بل يقاومون ذكره في البيان النهائي بحجة فصل موضوع المرأة عن أي شيء آخر. وقد كنت في بلد عربي مؤخرا وعند بحث موضوع العنف ضد المرأة أرادوا فقط ذكر العنف المجتمعي التقليدي وبعد إصرار الوفد الفلسطيني إضيفت كلمة «والاحتلال» على استحياء. فكيف إذا كان الأمر في مؤتمرات دولية؟ لكننا نعتمد على العديد من الأصدقاء والدول التي لا تساوم على المبادئ وتخرج دائما عن هذه المؤتمرات فقرة في البيان الختامي تخص المرأة الفلسطينية وضرورة دعمها ضد الاحتلال.
○ لكن يجب أن نعترف أيضا أن هناك حقيقة عنفا ضد المرأة ولا نريد أن نخجل من ذكره من أجل التصدي له. فهناك جرائم ترتكب باسم الشرف وقد زادت أخيرا كما تقول التقارير.
• نحن لا ننكر أن جرائم الشرف موجودة لكن ليس بالشكل الذي يمكن أن يسمى ظاهرة. لكن هناك حالات يمكن تصنيفها تحت مسمى «جرائم الشرف»، فنحن لسنا مجتمعا من الملائكة بل مجتمع عادي فيه الصالح والطالح، وفيه الغث وفيه السمين. لكن أود أن أوضح أن كثيرا من الجرائم تعلق على مشجب «جرائم الشرف». فمثلا بعض النساء يقتلن بسبب خلاف مع الإخوة أو حول خلاف على الإرث. فإذا طالبت المرأة بنصيبها من الإرث وخاصة من الأرض تقتل ويسمى ذلك جريمة شرف وليس لذلك علاقة بالشرف. وقد تقتل الفتاة لأنها خرجت عن النص، أي لبست لباسا غير مقبول أو تحدثت مع شاب فتصبح ضحية لما يسمى الخروج على تقاليد العائلة أو المجتمع. يعني قتلت في السنة الماضية 13 إمرأة تحت مسمى الشرف لكنني متأكدة أن نصف الجرائم ليس له علاقة بالشرف بل هي جرائم جنائية تحت دواع أخرى. ومع أن القتل تحت أي ذريعة مرفوض في بلد يحكمه القانون، إلا أن 13 جريمة بين خمسة ملايين من السكان شيء طبيعي وفي بلدان أخرى قد يسقط هذا العدد في شهر.
○ كان هناك وعد من الرئيس بتغيير القوانين وخاصة العذر المخفف. أين وصلت الأمور في هذا المجال؟
• لقد أصدرنا رزمة من القوانين لصالح المرأة. ففي يوم 7 آذار/الماضي الأخير قدمنا مذكرة بمناسبة يوم المرأة العالمي للسيد الرئيس لإقرار ثلاثة قوانين جديدة وقد أقرت جميعها:
- من قبل كانت المرأة المطلقة لا تستطيع أن تفتح حسابات بنكية لأولادها دون موافقة والدهم، هذا القانون القديم ألغي. وتستطيع الآن بمفردها أن تستخرج جوازات سفر لأولادها وأن تنقلهم من مدرسة إلى مدرسة دون إذن من الأب.
- قانون الاغتصاب والذي كان يلغي عقوبة الاغتصاب إذا تزوج المغتصب من المغتصبة. هذا القانون ألغي فيـجب أن يحاكم وأن ينال الفاعل عقابه أولا. من قبل كان يتزوج المغتصبة حتى ينجو من العقاب وبعد 3 سنوات يطلقها. هذا قانون أصلا أردني وقد ألغته الأردن فكيف لا نلغيه نحن؟
- القانون الثالث هو العذر المخفف، ألغي القانون عام 2011 وألغيت المادة 340 حول العذر المحل وعدلت المادة 98 حول العذر المخفف والذي يستثني المرأة. كما عدلت المادة 99 التي كانت تعطي القاضي حق تقييم حيثيات الجريمة وقد يخفف العقاب على من كان صاحب أولاد ومعيلا وحيدا للعائلة. كما نجري الآن مراجعة شاملة لقانون الأحوال الشخصية والذي يتضمن مسائل تتعلق بالزواج والطلاق والحضانة وجنسية الأطفال وغير ذلك الكثير. والحقيقة أن رئيس الوزراء رجل حضاري ومتفهم ومؤيد لحقوق المرأة وكذلك الرئيس الذي قال لي أي قانون يمكن المرأة ويقوي من وضعها ويلغي تهميشها ويساوم على حقوقها سأوافق عليه بأقصى سرعة.
○ لنتحدث قليلا عن وضع المرأة في غزة الخاضعة لحصار ظالم منذ أكثر من 10 سنوات.
• المرأة دائما تكون الضحية الأولى للكوارث بنوعيها سواء من صنع الإنسان كالحروب أو من صنع الطبيعة كالزلازل والفيضانات. وحتى عندما يستشهد الزوج أو يموت موتا طبيعيا تزداد مسؤولية المرأة وتصبح بشكل غير مباشر ضحية أيضا للمأساة. ولا أدل على هذه المعاناة من رؤية المرأة في الطوابير لاستلام سلة الغذاء. حتى عندما نقدم مساعدات للعائلات الفقيرة نشترط تقديمها للأم وليس للأب فقد يكوب الأب مدخنا أو عديم المسؤولية، أما الأم فتقبل أن تجوع ولا يجوع أولادها. الأم لن تأكل لقمة واحدة قبل أن يأكل أولادها. ونعود للوضع في غزة، بصفة خاصة مرت بتجربة ثلاث حروب 2008/2009 و 2012 و 2014 والتي كانت أطول الحروب وأعنفها وأكثرها تدميرا وقتلا وهدما وقد خلفت 1800 أرملة يضفن إلى آلاف الأرامل من قبل في غالبيتهن شابات، إذ إن معظم الشهداء من الشباب. وهذا العدد الكبير من الأرامل يخلق مشاكل اجتماعية كبيرة كتشرد الأطفال وتفاقم الحالات النفسية وزواج الأخ من أرملة أخيه تحت حجة رعاية الأطفال، وهذا يؤدي إلى مشاكل جديدة. فكل خيارات المرأة صعبة إن تزوجت أو لم تتزوج، وقد يؤخذ الأولاد منها وأعرف شخصيا من عائلتي فقط نحو 14 أرملة مررن في هذه الحالة.
وضع غزة بعد نحو 11 سنة من الحصار أوصل البطالة بين النساء إلى أكثر من 75 في المئة وبين الرجال إلى 44 في المئة وهي أعلى نسبة بطالة في العالم، علما أن المستوى التعليمي عندنا أعلى بكثير عند المرأة منه عند الرجال فمقابل كل 145 خريجة جامعة هناك 100 خريج و60 في المئة من طلبة الجامعة من الإناث.
غزة تعيش حالة من اليأس والضياع والمشاكل الاجتماعية بل ارتفعت فيها نسبة الجرائم العادية والسرقة ونسبة والانتحار. كان الله بعون غزة فالحديث عنها يوجع القلب.

وزيرة شؤون المرأة الفلسطينية هيفاء الآغا: القضية الفلسطينية مستقرة في وجدان الملايين من أنصار الحق والعدل

حاورها: عــبد الحميد صيام

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left