اللبنانيون مصدومون: سنذهب إلى الانتخابات النيابية مقيّدي الحرية

رلى موفّق

Apr 07, 2018

بيروت ـ «القدس العربي»: يذهب اللبنانيون في السادس من أيار/مايو المقبل إلى صناديق الاقتراع لانتخاب نواب الأمة وسط مشاعر متناقضة تنتابهم حيال قانون الانتخاب الذي سيقترعون على أساسه. للمرة الأولى سيتم الانتخاب في لبنان على أساس القانون النسبي وليس الأكثري، الأمر الذي كان يُفترض أن يُشكّل خرقاً إيجابياً في النظام الانتخابي اللبناني، فإذا به يتحوّل إلى تركيبة هجينة ومقيتة، أقل ما تفعله أنها تُقيّد حرية الناخب إلى حد القمع في مجتمع طائفي وعائلي وعشائري.
تعوّد اللبنانيون على مرّ تبدّل القوانين الانتخابية أن يحظوا بحيز واسع من الحرية كان يُتيح لهم تركيب لائحتهم بقلمهم. صحيح أن كثراً من الجمهور الحزبي الذي دائما يضع اللائحة في الصندوق «زي ما هي» (تعبير اشتهر به الحريري الأب والابن) أو يَصُبّ أصواته «بلوكاً واحداً» كرمى عيون «السيد والإستيذ» (نسبة إلى السيد حسن نصر الله والأستاذ نبيه بري) لكن حتى هؤلاء كانوا يشطبون اسماً من هنا ويستبدلونه باسم آخر. هذا الحزبي «المُسيّر» كان يشعر أنه «ملك» خلف الستارة لحظة الاقتراع، يستلّ قلمه ليُعدّل وفق ما يحلو له. إنه شعور يفيض بالارتياح أن ترى أنك «سيّد نفسك» وقد شطبت شخصاً لا تعتبره يستأهل صوتك، فكيف إذا كان المُنتخِب حراً بخيارات لا تجعله يُدين بالولاء لحزب أو عائلة أو عشيرة أو طائفة أو زعيم؟

كثير من الحرية قليل من الديمقراطية

يروي مخضرمون من مدينة صيدا، عروسة الجنوب، حيث نشأ جيل منهم على أغنية مارسيل خليفة «شدّو الهمّة الهمّة قوية… مركب ينده عَ البحرية يا بحرية هيلا هيلا» بما يعكس عشق الصيادين والفقراء والمناضلين الذين رأوا في النائب معروف سعد نائباً لهم، واستمرّوا بعد اغتياله عام 1975 أوفياءً لنجله الأول مصطفى، الذي فقد نعمة البصر نتيجة محاولة اغتياله بعد الاحتلال الإسرائيلي، ومن ثم لنجله الثاني أسامة الذي يتابع مسيرة البيت الناصري. إنهم كانوا يعبّرون عن احترامهم لنضالات هذا البيت، فكانوا ينتخبون ابن معروف سعد ولكنهم أيضاً كانوا ينتخبون بهية الحريري تقديراً لما قدّمه شقيقها رفيق الحريري لأبناء صيدا. كانوا يجمعون في لائحتهم مَن يرغبون، حتى ولو كان المرشحون أخصاماً في السياسة، هذه هي حال كثير من المناطق. وكثيراً ما كانت أوراق الناخبين تجمع أضداداً في السياسة، كان الصيداويون ينتخبون أسامة سعد وبهية الحريري على لائحة واحدة. اختيار كان يُلبّي قناعاتهم. هذا نموذج عن دائرة من الدوائر الانتخابية، لكنه يتكرّر في كل دائرة. فالناخب هو «صاحب اللعبة» لكننا اليوم أمام مشهد آخر من الاصطفاف الحاد: إما أسود أو أبيض، فلا مكان للون الرمادي.
كان رئيس الحكومة الأسبق سليم الحص دائماً ما يقول أن في لبنان «كثيراً من الحرية وقليلاً من الديمقراطية»، ذلك أن الديمقراطية الحقّة تفترض تمثيلاً سليماً في الحكم، إذ أن النظام الانتخابي المبني على قاعدة الأكثرية لعقود ستة كان يؤدي إلى إلغاء أصوات أقليات واسعة في كل منطقة. فالمشاركة كانت تصل كمعدل وسطي إلى أربعين في المئة من الهيئة الناخبة، وكثيراً ما تفوز القوائم الانتخابية بنسبة ثلاثين إلى أربعين في المئة من مجموع المقترعين، ما يعني أن عدداً كبيراً من النواب لا يمثلون أكثر من 12 إلى 16 في المئة من مجموع الهيئة الناخبة.

الناخب الحرّ بات أسيراً

ولكن أين نحن اليوم؟ النقاش دائر ليس على صحة التمثيل الذي تؤمّنه النسبية، بل على تركيبة القانون، الذي يحلو لكثير من الخبراء أن يصفونه بـ»القانون المسخ» الذي تمّ تفصيله ليجمع بين المصالح الشخصية والسياسية والاستراتيجية للقوى التي كانت معنية بصياغة القانون. في النتيجة، يأتي اليوم الناخب ليرى أنه بات أسيراً. عليه ببساطة أن يختار بين لوائح مقفلة، وأن يضع صوتاً تفضيليا واحداً ضمن اللائحة التي يختارها، من دون أن يفهم تماماً ما الذي يجمع بين أفراد هذه اللائحة. فالحديث هنا لا يتناول خياراً سياسياً تجسّده اللائحة بشكل جليّ، ولا برنامجاً انتخابياً ستعمل هذه اللائحة على تنفيذه، بحيث أن الأهمية تعود إلى الخط السياسي والبرنامج وليس الأشخاص.
لبنان بلد قائم على خدمات النائب لأهله ومنطقته، ومشاركته أحزانهم وأفراحهم وتواجده بينهم. ليست النظرة إلى القيمة القانونية أو العلمية أو التشريعية التي يحتلها المرشح. فالقانون لا يُلزم المرشح بسيرة ذاتية وشهادات معينة وخبرات، إذ عليه فقط أن يكون لبنانياً قد أتمّ الخامسة والعشرين من عمره ومسجلاً على القائمة الانتخابية ويتمتع بحقوقه المدنية والسياسية. فالنائب يكتسب شرعيته من ناخبيه، بمعزل عن كفاءاته وأهليته وبرنامجه الانتخابي أو وعوده لناخبيه. اليوم يجد نفسه أمام عملية معقدة. لوائح من المفترض أن تجسّد مشروعاً سياسياً لكن لا شيء كبيراً في السياسة يجمعها سوى حسابات تأمين الحاصل الانتخابي كي لا تسقط من العملية الانتخابية برمتها أو كي تحصل على حواصل أكبر توفر لها الحصول على نواب أكثر، لكن تلك اللائحة قد لا تضم مَن يرغبون في انتخابه. ومَن يرغبون في انتخابه يتواجد على لائحة أخرى لا تقنعهم بتوجهاتها وتركيبتها.
هي لوائح مقفلة، ومنطقها يتطلب أنظمة وتركيبة مجتمعية مختلفة عن التركيبة اللبنانية، حيث التداخل قوي بين ما هو حزبي وعائلي وعشائري ومناطقي وطائفي.

«الديمقراطية التوافقية»
خطأ قاتل

في رأي وزير الداخلية الأسبق في حكومة نجيب ميقاتي، مروان شربل، والذي عملت حكومته على صوغ مشروع القانون على القاعدة النسبية بصيغته الأوليّة، قبل أن يتم إدخال تعديلات عليه من قبل حكومة سعد الحريري الحالية، أنه مع النظام اللبناني والديموغرافية وتنوّع الأحزاب الطائفية كان من الضروري أن نضع الصوت التفضيلي كي يختار المواطن مَن يريد، لأن الجميع ليسوا من الحزب أو الطائفة نفسها، ومَن يأخذ أصواتاً تفضيلية في اللائحة يكون الأول فيها بمعزل عن تراتبيته.
في المبدأ، القانون النسبي يعمل على نظام حزبي مُعيّن حيث تؤلّف الأحزاب لوائحها وتعرض برامجها. والمواطن ينتخب اللائحة التي يرضى عن برنامجها، من دون أن يشطب منها أحداً أو يختار صوتاً تفضيلياً ضمنها. والسبب أن القوّة هنا للبرنامج الحزبي وترتيب المرشحين يأتي ضمن حسابات الحزب، ويفوز النواب وفق ترتيبهم على اللائحة بنسبة الحواصل الانتخابية التي تحصل عليها.
المشكلة بالنسبة إلى الوزير شربل، أن اللبنانيين غير متعوّدين على القانون النسبي الذي يحرمهم من حق التشطيب، بحيث أضحى يُقيّد حريتهم، كما أن القانون أجبرهم على اختيار الصوت التفضيلي لمرشحين من القضاء المسجلين فيه وليس من الدائرة التي تتشكل منها اللائحة، والتي يختارها الناخب عملياً، والتي قد تتألف مِن أكثر من قضاء. لكن لا يمكن القول، كما يضيف شربل، أن حرية الناخب ليست مؤمنة، لأن الدولة حددت يوم الانتخاب، وأمّنت الأمور اللوجستية لإجراء العملية الانتخابية وما على الناخب سوى التوجّه إلى صندوق الاقتراع ليضع ورقته في الصندوق.
على أن خبراء في الشأن الانتخابي يرون أن تركيبة هذا القانون هي «خارج المنطق» حيث كان يُفترض بالقانون النسبي أن يُسهم في توسيع مروحة خيارات الناخب بالمنحى الذي يفتح في المجال أمام صَهر اللبنانيين وتعزيز مناخات العيش المشترك بينهما، غير أنه جاء من خلال الصوت التفضيلي ليقلّص خيارات الناخب بين نواب قضائه، وليجعل المنافسة بين نواب القضاء على اللائحة الواحدة. قانون تنطبق عليه سمة « فرّق تَسُد».
والمشكلة تكمن أيضاً في العقلية السائدة لدى السياسيين اللبنانيين الذي يسعون، عبر تصريحاتهم، إلى «الديمقراطية المثالية» لكنهم يطبّقون «الديمقراطية التوافقية»، التي يصفها شربل بالخطأ القاتل، والـعــدو الأول للديمـقـراطية، وهي التي تُعيق العمل الفعلي لتطوير النظام في اتجاه الوصول إلى ديموقراطية حقيقية.

غياب آليات الرقابة الفعالة

الحديث في ما خص كيفية ضمان الحرية للناخب والتنافس للمرشح وصحة العملية الانتخابية لا يتناول المال السياسي، الذي يفعل فعله في الانتخابات عبر عمليات شراء الأصوات، ولا سوء استخدام السلطة للضغط على الناخب أو «رشوته» أو على الصرف الدعائي الانتخابي الذي يتجاوز السقوف التي يجيزها القانون، ولا هيمنة القوى السياسية على وسائل الإعلام وعلى الإعلان والمصالح المتداخلة بين القيّمين على الإعلام والسياسيين، فأخبار «التسعيرة» التلفزيونية لإطلالات المرشحين تلامس الخيال، وتغيب الفرص المتساوية للمرشحين، فيما هيئة الإشراف على الانتخابات تفف عاجزة عن مساءلة أركان السلطة حيث رئيس الحكومة و16 وزيراً منها في عداد المرشحين، كما أنها لا تستطيع أن تضبط فعلياً الإنفاق الانتخابي وليس لديها الأجهزة وآليات العمل والوسائل التي تُمكّنها من أن تتحقق من مخالفات المرشحين على الأرض.
فمنذ أن تشكلت الهيئة وبدأت عملها، تُسجل كل يوم خروقات عدة بالجملة من قبل مرشحي السلطة الذين يقومون بحملات انتخابية تحظى بالتغطيات الواسعة من موقعهم الرسمي، فيما المرشحون الآخرون الذي لا ينعمون بجاه السلطة تجد أخبارهم مختصرة أو مغيّبة، لكن الهيئة لم تعلن عن توجيهها أي إنذار لمرشحي السلطة أو المرشحين النافذين، فيما اعتبرت تحقيقات نشرت في صحيفة «الأخبار»، التي أعلنت أنها خارج أي بازار مالي انتخابي ولم تنضم إلى وسائل الإعلام الراغبة في التسويق للمرشحين، أنها تلقت إنذاراً لأنها تعمل على «الترويج الانتخابي» في سياق تحقيقاتها التي تتناول المرشحين.

الناخبون في « الجيبة»!

تعاملت القوى السياسية الحاكمة مع القانون الانتخابي بخلفية أن لكل منها جمهوراً معلّباً مضموناً لا يسأل ولا يُسائل، ويسير وراء قيادات وزعماء بشكل أعمى تحرّكه الغرائز الطائفية بشكل كبير في بلد تنخره الصراعات الطائفية والحزبية الضيّقة والعائلية. لكن حتى هذا الجمهور، بما ينطبق عليه من صفات، يجد نفسه اليوم محاصراً بنمط جديد يجعله مصدوماً.
كان اللبنانيون يظنون أنهم يحظون بقدر من الحرية، فإذا بهم يكتشفون على مسافة شهر من الانتخابات أنهم مسلوبو الإرادة ومقيّدو الحرية بحجة عناوين إصلاحية خيضت تحت عنوان «صحة التمثيل»، فإذا بها بعيدة كل البُعد عنها، وإذا بالقانون يأتي محبوكاً بدقة متناهية من القوى الأبرز على الساحة اللبنانية المتمثلة بـ «الثنائي الشيعي» (حزب الله وحركة أمل) ومعهما حلفاء خالصون في انتمائهم لخطّهم السياسي على المستوى الاستراتيجي، حيث استطاعت هذه القوى أن ترسي معادلتها الذهبية: «ما لنا لنا… وما لكم لنا ولكم!».

اللبنانيون مصدومون: سنذهب إلى الانتخابات النيابية مقيّدي الحرية

رلى موفّق

- -

1 COMMENT

  1. باختصار كل التهجينات في النظام اللبناني تهدف الى إبقاء نظام الطائفيه والارستقراطيه والفساد والنهب.
    نفس الأشخاص دائما.

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left