قرطاج أيقونة المتوسط وإحدى أهم مكونات الهوية التونسية

روعة قاسم

Apr 14, 2018

تونس ـ «القدس العربي»: تعتبر قرطاج واحدة من أهم الحضارات التي عرفها البحر الأبيض المتوسط في عالم ما قبل ميلاد المسيح شأنها شأن الحضارتين الإغريقية والرومانية وكذا الفرعونية. ومركز هذه الجمهورية- الإمبراطورية التي سادت في المتوسط لقرون هو مدينة قرطاج التي تقع في شمال تونس، غير بعيد عن العاصمة التونسية، التي تأسست بعد قرطاج بقرابة الخمسة عشر قرنا، لكن الأخيرة تحولت بفعل التمدد العمراني إلى إحدى ضواحيها.
تقول الأسطورة أن قرطاج تأسست على يد الأميرة الفينيقية عليسة كما يسميها التونسيون أو أليسار/ إليسا حسب ما اصطلح عليه في المشرق، أو ديدون كما يسميها الغربيون. وقد قدمت عليسة أو أليسار من مدينة صور اللبنانية هاربة من أخيها الذي قتل زوجها، ويروى أن هناك كاهنا أخبرها أن قدرها أن تؤسس مدينة قبالة جبل له قرنان، فهامت في البحر إلى أن وصلت إلى ما يسمى اليوم خليج تونس، حيث يوجد الجبل ذو القرنين (جبل بوقرنين كما يسمى اليوم).
وعرضت الأميرة على الأهالي المحليين أن تشتري منهم قطعة أرض بمساحة جلد ثور، فكان لها ما أرادت، فما كان منها إلا أن قصت جلد الثور وحولته إلى خيط رفيع طويل وعلى المساحة التي أحاط بها هذا الخيط الرفيع، وبدهاء لا يتقنه إلا التاجر الفينيقي، حازت عليسة أو أليسار على مساحة واسعة أسست عليها مدينتها قرطاج أو «قرت حدشت» أي القرية الحديثة أو المدينة الجديدة. وكبرت الحاضرة المتوسطية الجديدة ونمت وازدهرت وتفوقت على باقي المدن الفينيقية المحيطة في شتى المجالات وباتت قوة اقتصادية وعسكرية يقرأ لها ألف حساب.

الصراع مع الإغريق والفرس

وتروي كتب التاريخ ان جيش قرطاج تصدى للغزاة من بلاد فارس الذين كانوا يغيرون على المدن الفينيقية ودافع دون هوادة عن ممتلكات صور رغم بعد المسافة وضعف المدد. وشبه البعض مساعدة القرطاجيين لمدينة صور بالعون الذي قدمته الولايات المتحدة لبريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية وكأن الأمر يتعلق برد جميل من القوة العظمى الحديثة إلى دولة المنشأ.
كما خاض القرطاجيون حروبا ضد الإغريق للسيطرة على مراكز النفوذ في البحر الأبيض المتوسط قرونا تواجد الإمبراطورية الرومانية فعليا على الساحة المتوسطية. وتمكن القرطاجيون في عصر ما من افتكاك جزيرتي كريت ومالطا التي تتحدث إلى اليوم لغة قرطاج البونية وذلك رغم إصرار الإغريق على الاستحواذ عليهما باعتبارهما من مفاتيح السيطرة على المتوسط. وفي إطار التنافس على النفوذ في المتوسط بين قرطاج وبلاد الإغريق، تروي الأسطورة قصّة الأخوين فيلن القرطاجيين التي بقيت عنوانا للتضحية والفداء من أجل الوطن على مر الأجيال. ويقول المؤرخ التونسي محمد حسين فنطر ساردا هذه القصة: «لمّا كانت قرطاج تسوس القسط الأكبر من افريقيا كانت مدينة قورينة تنافسها ثروة وسلطانا. وكان بين المدينتين ربوع مترامية الأطراف ولا شيء يحدّ من رتابتها، فلا نهر فيها ولا جبل يفصل بين الدولتين ممّا دفع إلى حرب ضروس دامت زمنا طويلا. وقد تصارعت الجيوش برا وتصارعت بحرا وبقيت الحرب سجالا أنهكت قوى الخصمين دون جدوى.
ولمّا خافت المدينتان من السقوط فريسة بين مخالب طرف ثالث يستغلّ ضعف الغالب والمغلوب، استفادتا من هدنة لإبرام الاتفاق التالي: في يوم محدّد تعيّن كلتا المدينتين ممثلين اثنين عن كل واحدة منهما ينطلقان من تخوم أرض الوطن ونقطة اللقاء يعترف بها حدّا بين الشعبين. عيّنت قرطاج الأخوين فيلن فعجّلا السير تعجيلا فائقا وكان سير القورينيين (الإغريق) بطيئا. فهل كان ذلك من باب التقاعس أم كان حدثا غير منتظر؟ لا ندري! ففي تلك الربوع تعيق العاصفة السير فهي تفعل في الصحراء كما تفعل في البحر فإذا هبّت الريح على هذا السهل الصحراوي المنبسط ثارت سحب من الرمل تدفعها قوّة جبّارة فتملأ أفواه المسافرين وعيونهم وتحجب الرؤية وتعطّل السّير.
فلمّا أيقن القورينيان من تأخّرهما تأخرا كبيرا خشيا تهمة الخيانة وما ينجر عنها من عقاب، تم اتهام الأخوين فيلن بمغادرة ديارهما قبل الوقت المحدّد وطعنا في نتيجة المناظرة. ولمّا كان ذلك كذلك، طلب القرطاجيان تحديد شروط أخرى على أن تكون عادلة فترك لهما الاغريق الخيار بين أن يتم وأد الأخوين فيلن في المكان الذي يبغيانه لرسم حدود بلادهما أو يتركان القورينيان يتقدمان في الظروف نفسها حتى المكان الذي يبغيان. وقبل الأخوان فيلن التضحية بحياتهما في سبيل الوطن، فتمّ وأدهما وأقام لهما القرطاجيون في ذلك المكان مشهدا يحمل اسميهما فضلا عمّا قدّموه لهما من آيات التمجيد والتكريم في المدينة».

الصراع مع روما

أصبحت روما إمبراطورية فتية حديثة ناشئة بعد قرون من سيطرة قرطاج على المتوسط وكان لزاما على القوة الناشئة الحديثة (روما) أن تزيح الإمبراطورية الهرمة (قرطاج) التي أخذت وقتها وزيادة. فقد سيطرت قرطاج على أراض شاسعة امتدت على كامل الساحل الشمال الافريقي الغربي وصولا إلى مضيق جبل طارق الذي كان يسمى مضيق ملقرت، نسبة إلى القائد القرطاجي عبد ملقرت بركة والد حنبعل. كما سيطرت قرطاج على شبه الجزيرة الإيبيرية حيث أسست مدنا عديدة منها قرطاجنة وبرشلونة (نسبة إلى عائلة بركا القرطاجية التي ينحدر منها حنبعل ووالده عبد ملقرت وكذا صدر بعل العادل) ووصل نفوذها إلى جنوب فرنسا.
وسيطرت قرطاج على جزر متوسطية هامة مثل كريت اليونانية ومالطا، وأيضا صقلية وكورسيكا وسردينيا والباليار. ووصلت شرقا إلى خليج سرت الليبي حيث وقعت اتفاقا حدوديا مع الإغريق الذين كانوا يسيطرون على الساحل المتوسطي المصري وشرق ليبيا.
ورغم أنها كانت في نهاية عهدها، فقد خاضت قرطاج ثلاثة حروب كبرى ضد الرومان دامت سنوات طويلة وانتهت بحرق قرطاج على يد القائد الروماني سيبيون. وعرفت هذه الملاحم بروز نجم قادة كبار نالوا شهرة واسعة منهم عبد ملقرت بركا (أميلكار) ونجله حنبعل الذي عبر جبال الآلب بفيلته وجحافل جيوشه وحاصر روما قرابة العشر سنوات وخاض على تخومها معارك عديدة أهمها معركة كناي الشهيرة.

شعب كشاف

انتبه القرطاجيون باكرا وقبل غيرهم إلى أهمية القارة الافريقية فأبحروا في المحيط الأطلسي الذي خشيه العرب وأطلقوا عليه تسمية «بحر الظلمات» وأنشأوا مستوطناتهم في غرب افريقيا بمحاذاة الساحل الافريقي. ولعل أشهر الرحلات الاستكشافية هي رحلة الحاكم الرحالة حنون، والتي حصلت حوالي القرن الخامس قبل الميلاد وتم تدوينها واشتهرت خلافا لباقي الرحلات.
كما وصل القرطاجيون إلى الجزر البريطانية عبر المحيط الأطلسي وكذا بحر الشمال على تخوم البلدان الاسكندنافية بحثا عن القصدير وكل ما ينفع الإمبراطورية. وقد سبقت هذه الرحلات التجارية حملة الرحالة حملكون أو عملاقون، الشهيرة التي فتحت الباب على مصراعيه لتجار قرطاج ليوسعوا دائرة تجارتهم لتشمل شمال القارة العجوز عبر البحر.
ويروى أن القرطاجيين وصلوا أيضا إلى ربوع القارة الأمريكية وذلك بالنظر إلى ما ورد في بعض كتب الإغريق التي تحدثت عن أرض شاسعة وراء المحيط كانت مصدرا لثروات القرطاجيين. كما عثر على قطع نقدية قرطاجية فيها صورة تقريبية لخريطة العالم تتضمن يابسة كبيرة من حيث المساحة تقع مباشرة بعد البحر الذي من المفترض أنه المحيط الأطلسي.

علماء قرطاج

تطورت العلوم وازدهرت في قرطاج وأنجبت هذه الحضارة عديد العلماء والمفكرين ولعل أشهر هؤلاء جميعا هو عالم الجينات والزراعة ماجون، الذي ألف موسوعة اعتمد عليها الرومان لاحقا وبعد القرطاجيين في تطوير علومهم الفلاحية. وعن موسوعة ماجون يقول المؤرخ التونسي محمد حسين فنطر: «لقد كانت الموسوعة التي ألفها ماجون في شؤون الفلاحة في دار الكتب بقرطاج ولعل نسخا منها كانت ملكا لبعض الخواص لا سيما الذين كانوا يتعاطون الزراعة. لم تكن موسوعة ماجون من صنف الكتب التي تبقى على رفوف المكتبات، بل كانت وسيلة عمل يعود إليها صاحبها عند الحاجة ولعل بعض فصولها كانت تلصق في غرف المشرفين على فلح الأرض مهما اختلفت اختصاصاتهم.
ولما كانت الحرب البونية الثالثة وسقطت قرطاج، أمر شبيون أميليا نوس بنهب دار الكتب بقرطاج وحرقها، وأهديت الكتب التي نجت من ألسنة النار الموقدة إلى ملوك النوميديين وأمرائهم، باستثناء الموسوعة التي ألفها ماجون في علوم الزراعة، فقد استأثر بها الرومان وأمر مجلس الشيوخ عندهم بنقلها إلى اللغة اللاتينية وعينت لجنة من المترجمين أشرفت على ذلك العمل الذي اختصره قسيوس ديونسيوس إلى اللسان الإغريقي وأهدى عمله إلى والي افريقيا وقتئذ وهو سكستليوس وتمّ ذلك سنة 88 قبل الميلاد.
وتجدر الإشارة إلى وجود ترجمة ثالثة لموسوعة ماجون انطلاقا من ترجمة قسيوس ديوسنيوس قام بها ديوفان النيقي الذي اكتفى بتلخيص النص المترجم من قبل قسيوس ديوسنيوس. فالعشرون جزءا تحولت إلى 6 أجزاء، وقدم ديوفان عمله هدية للملك ديوتاروس، ولم ينقطع الاهتمام بموسوعة ماجون بل يبدو أن التلخيص الذي وضعه ديوفان تمَ في جزئين وقام بهذا العمل الفيلسوف فليون، الذي كان يدرس في مدينة روما حوالي 48 قبل الميلاد.
وبالرغم من هذه العناية ومن هذا الاهتمام المتواصل الحلقات لم يبق من موسوعة ماجون إلا 66 فقرة وردت في كتب بعض علماء الفلاحة منهم ورون قولوملاّ وجرجليوس مرسياليس الافريقي الذي عاش في القرن الثالث بعد الميلاد وغيرهم. وبالإضافة إلى هؤلاء جميعهم لا بدَ من إشارة إلى الذين نوّهوا بماجون وبمؤلفاته ومنهم الكاتب الشهير والمحامي البليغ فيقيرون. فثابت أن الموسوعة كانت شائعة في الأوساط الرومانية فكان لا بد للذين يريدون التأليف في الفلاحة أن يعودوا إليها لما فيها من فوائد.
وجاء في بعض الفصول من كتاب ورون أن المشرف على تربية البقر كان يحمل معه مقتطفات من الموسوعة فتناول كيفية علاج الثيران. وأورد بعض القدماء أن الشاعر الروماني فرجيليوس لما أراد كتابة أشعاره حول الحياة الريفية استعان بالموسوعة الماجونية التي كانت مرجعا يجده القارئ في دور الكتب وكان من أمهات الكتب العلمية التي لا تخلو منها الضيعة فليس من المجازفة إذا اعتبرنا ماجون من أشهر الذين كان الرومان يردَدون أسماءهم في المدينة والريف. ويعتقد الكثير من المؤرخين المعاصرين أن الموسوعة ساهمت مساهمة فعالة في إنعاش الاقتصاد الايطالي ومن المرجّح أنّها عبرت العصور حتّى أدركت ابن العوّام الأندلسي.

جمهورية لا مملكة

اتفق جل المؤرخين على أن النظام السياسي الذي كان سائدا في قرطاج هو نظام جمهوري ديمقراطي في شكل بدائي غير مكتمل ولم يكن ملكيا وراثيا على غرار ما كان سائدا في محيط قرطاج. وبالتالي جاز اعتبار قرطاج من أوائل الجمهوريات في تاريخ البشرية، ولفظ «جمهورية قرطاج» متداول لدى المؤرخين ماضيا وحاضرا.
وقد أشاد الفيلسوف الإغريقي أرسطو بدستور قرطاج ونظامها السياسي واعتبره متطورا على أنظمة مدن إغريقية يعتبرها البعض مرجعا في الديمقراطية. واعتبر أيضا أن دستور قرطاج يقترب من الدستور المثالي الذي يتصوره. كما أشاد بدستور قرطاج أستاذ أرسطو الفيلسوف أفلاطون وأيضا المؤرخ اليوناني بوليبيوس والمؤرخ والأديب الروماني تيتوس ليفيوس وديودروس الصقلي والمؤرخ والعالم الجغرافي سترابو.
يقول أرسطو في كتاب السياسة عن النظام السياسي في قرطاج: «لقد اشتهر القرطاجيون بإرسائهم مؤسسات جيدة ذات مؤهلات خارجة عن المألوف… والكثير من هذه المؤهلات بلغ حد الامتياز. وهو ما يقيم الدليل على حكمة القائمين على شؤون قرطاج بما جعل العنصر الشعبي محافظا بمحض اختياره على وفائه للنظام المؤسساتي القائم. وهكذا فان قرطاج لم تعرف أبدا من الانتفاضات والنظم الاستبدادية ما يستحق الذكر».
وتضم قرطاج التي أصبحت اليوم إحدى أهم ضواحي العاصمة التونسية، القصر الرئاسي الذي هو رمز من رموز السيادة التونسية، وتقام في المدينة أهم المهرجانات الثقافية التونسية وتحديدا على مسرحها الأثري الكبير. وهي في وجدان التونسي أينما حل باعتبارها من مكونات هويته، حيث أطلق اسمها على مطاره الرئيسي وعلى منتخبه الوطني (نسور قرطاج) وعلى كبرى بواخره وشوارعه وعلى أشياء أخرى. فأينما حللت تطالعك قرطاج ورموزها.

 

قرطاج أيقونة المتوسط وإحدى أهم مكونات الهوية التونسية

روعة قاسم

- -

بدون تعليقات

أترك تعليقاً

القدس العربي قد تستخدم بعض التعليقات في نسختها الورقية - لذا الرجاء كتابة الاسم الأول واسم العائلة واسم البلد ---- لن ينشرعنوان بريدك الالكتروني

characters left